من المعروف أن المملكة العربية السعودية قامت على قراءة خاصة للعقيدة السلفية تبناها محمد بن عبد الوهاب في القرن الثامن عشر الميلادي، هذه القراءة شكلت أساس البنى التحتية للسعودية..

قراءة تحمل في طياتها عدم التقبّل لبقية المدارس الفكرية والمذهبية الأخرى، وعلى وجه الخصوص العداء للمذهب الشيعي، وكان ذروة صراعها استهدافها لرموز الشيعة من أضرحة ومراقد مقدسة في العراق والحجاز فضلاً عن المجازر الدموية.

كما أن لهذه القراءة السلفية رؤية خاصة تجاه بعض المظاهر كـ التشدّد والتدخل في الروابط الاجتماعية والحياة الخاصة للأشخاص.

وإضافة إلى الأساس الإيديولوجي؛ هنالك جانبان قامت عليهما السعودية - كـ أي دولة أخرى- وهما الجانب السياسي والاجتماعي (١)، واللذان يطغيان في بعض الأزمنة على الجانب الديني وذلك حسب مصالح الدولة؛ فحينما تقتضي الضرورة يُسمح للمرأة بقيادة السيارة – وهو أمر مخالف للقراءة الوهابية، كما وتُصدر أوامر بإقامة الحفلات الغنائية ودعوة المطربين، أو تُحلُّ هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو أمور أخرى من هذا القبيل..

هذه بعض من المحظورات سابقاً إلا أن الضرورات السياسية أو الاجتماعية أباحتها في الوقت الراهن.

من هنا فإنه كما تغيرت النظرة السعودية تجاه الأمور الاجتماعية ونمط حياة المواطنين وذلك بتبدل الصبغة الدينية المتشددة إلى صبغة مدنية منفتحة -إن صحّ التعبير-، كذلك يمكن تغيير الموقف السعودي تجاه الشيعة والفكر الشيعي باستبدال الرؤية الدينية المتشددة التي كانت تعتبرهم كفارا إلى رؤية مدينة تراهم مواطنين حالهم كـ حال من يعتنق مذهب الدولة أو أي مذهبٍ آخر؛ ذلك لأن الملف الشيعي أيضًا يدخل في مضمار المد والجزر اللذان يصاحبان هذه الحكومة منذ نشوئها وفقا للمتغيرات الدولية أو الإقليمية أوحتى المحلّية؛ فـ على سبيل المثال؛ حينما قامت الدولة الوهابية اضطُرّت ومن أجل استقرارها أن تعقد اتفاق مع رؤساء الشيعة في شرق الجزيرة العربية حول ما يرتبط بشؤونهم الدينية والاجتماعية ليمارسوا عقائدهم وشعائرهم الدينية بحرية مطلقة رغم تعارضه مع الإيديولوجية التي جاءت لمحاربة (الشرك) حسب الزعم الوهابي، وقد تغيرت الحالة بين مد وجزر مع التغييرات السياسية حتى قيام الثورة الإيرانية عام ١٩٧٩م والتي أدت في إلى شد الوثاق وممارسة الضغوط ضد الفكر الشيعي.

ثم ارتبط المد والجزر بالحالة الإيرانية، فحينما تكون العلاقة حسنة بين البلدين كان يحصل فرج نسبي، وكانت ذروة ذلك أبان عهد الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي وحينما تستاء العلاقة السعودية الإيرانية تزداد حلقات الضغط، إضافة إلى التغيرات الإقليمية في سائر أجزاء المنطقة، كـ سقوط النظام البعثي في العراق، أو التنافس السعودي القطري والذي أدى إلى إعادة النظر في الملف العراقي وكان حاصله الأخير في فتح الحدود البرّية مع العراق أو إهداء ملعب رياضي.

بناءا على ما سبق؛ فإن الموقف السعودي تجاه الطائفة أو الفكر الشيعي عموما يصب في هذا الاتجاه، حتى وإن لم تتغير بعض الثوابت حيث يبقى السلفيون هم المخاصمون تاريخياً للشيعة.

من هنا فإنه من الحكمة والمنطق أن ينتهز المعنيون بالأمر فرصة تغيير النبرة السعودية -في الداخل والخارج- للمطالبة بأمر بناء أضرحة البقيع؛ ذلك لأنها رمز للحقوق الشيعية سياسياً ودينياً واجتماعياً..

فلو افترضنا أن أضرحة أئمة الشيعة في البقيع -التي هدمت عام ١٩٢٥ هـ - كانت تهدم الآن هل كان يُهضم تغيير النبرة السعودية تجاه العراق وإطلاق هذه اللغة التصالحية خلافا لخطابهم السابق المتشدد!

من هنا فإنه فلا فرق في تاريخ الهدم ما دام مستمرا حتى اليوم، كما قال الإمام السيد محمد الشيرازي: "إن بقاء القبور المباركة مهدومة دليل على أنه لازال السيف بيد الهادمين إلى الآن ولكن عندما يسقط السيف من أيديهم، ستجد المسلمين جميعا في نفس اليوم آخذين في البناء" (١). ذلك يعني أن عملية الهدم لا تزال مستمرة في كل لحظة ولابد أن تتوقف.

ثمة أمر قد يُطرح؛ أن الأولوية اليوم ليست لبناء البقيع، إذ أن هنالك دماء ومعتقلون من الناشطين بانتظار صدور أحكامهم ؛ فـ دماء قد تُراق، وأرواح قد تُزهق، وأصواتٌ قد تُخنق..

أعود وأقول: إن البقيع هنا ماهو إلا رمز أول للمطالبة بكل الحقوق الأخرى، وأضع خط تحت كلمة "الرمز" الذي سيكون مفتاحاً لمخاطبة العقلية السعودية في مطالبة الحقوق. والمطالبة بهذا الرمز حتى وإن كانت في حدود متواضعة فإنها ضرورية.

علما بأن التواضع ليس هو المطلوب في أمر مثل البقيع ولكن الظرف الراهن لا يعطي مجالاً أكثر من ذاك، ولا يمكن أيضاً أن نقلل من شأن هذا التواضع، فـ ما دام الخيار قائماً بين الحد الأقصى والـ لا شيء، فإنه يجب عدم الإستحياء من إعطاء القليل، ذلك لأن الحرمان أقل منه (٣)، وحينما يتم تجاوز هذه المرحلة سيكون لكل حادثٍ حديث.

..............................
الهوامش؛
(١) خالد الدخيل، الوهابية بين الشِرك وتصدُّع القبيلة، ص ١٤
(٢) الإمام السيد محمد الشيرازي، البقيع الغرقد، فصل: لماذا تخريب البقيع؟
(٣) نهج البلاغة، باب القصار من حكم أمير المؤمنين عليه السلام.
...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق