من أهم المناهج العلمية التي يستخدمها بعض الباحثين في قراءتهم للأحداث بصورة عامة ولحركات وتنظيمات الاسلام السياسي المسلحة حاليا بصورة خاصة، هو المنهج البحثي المقارن الذي يستعين بـــ"المقايسة" كأداة لمعرفة الحقيقة وكشف خفاياها، من خلال اساليب معينة وبواسطة طرق معدة سلفا تتم عبر خطوات يقتضيها هذا المنهج الذي يعول عليه الكثير من الباحثين في الدراسات الانسانية قديما وحديثا.

ومع أهمية هذا المنهج في تحليل ومعرفة وتفكيك مايحدث امامنا من ظواهر على شتى مستوياتها، الا انه لايخلو من فخ الوقوع في المقارنات الوهمية والمقاربات المزيفة التي تضيع معها الاصالة وتختلط فيها الاباطيل بالحقائق، وتشوّش النظرة الموضوعية التي تحاول قدر الامكان ان ترى الحقيقة كما هي، لا كما يبتغي من يمارس التضليل والخداع ان يسوّقها.

وعلى نحو غير منصف تجد هذا النوع من المقارنة بين الحشد الشعبي من جهة وتنظيم داعش من جهة أخرى مما يحتاج الى وقفة جادة امام هذه الادعاءات، ومحاولة اجراء مقارنة حقيقية وصريحة وواضحة بين كل من الحشد وداعش منعا للجهل الساذج او التضليل المتعمد خصوصا في هذه الايام التي اثبت الحشد الشعبي وجوده على الارض، واستطاع ان يكون عامل حاسم في هزيمة داعش في الكثير من المناطق التي حصلت فيها مواجهة بينهما.

ولا يقتصر هذا التوجه او " الاتجاه "، على حد تعبير الباحث العراقي حارث حسن الذي تحدث عنه في منشور سابق على صفحته الرقمية، ووصفه بغير المنصف، على لسان بعض المحللين في وسائل الاعلام العربية وبعض من نظيراتها العراقيات، بل امتد هذا التوجه المتعلق بالمقارنة بين الحشد الشعبي وداعش الى الاعلام الغربي من خلال وسائله التي تحاول المساواة بين قوات الحشد الشعبي وبين داعش كما اشار "حسن" الى ذلك من خلال المقالة التي نشرتها صحيفة الغارديان البريطانية والتي كانت بعنوان " ربح او خسارة تكريت... داعش لايمكن ان تُدحر الا من قبل السنة".

بالطبع ان المساواة بين الحشد وداعش لم تقتصر على هذه المقالة فحسب، بل ظهر ايضا بعد ذلك في مقالة اخرى في صحيفة بلومبيرج بعنوان "الميليشيات الشيعية: ايضا ترتكب بشاعات في العراق" بقلم الكاتب ايلي ليك والتي يحاول فيها ان يقول بان الحشد يقوم بمجازر مشابه لما يقوم بها داعش مستندا الى فيديوات تم نشرها على الفيسبوك منحها الكاتب اهمية اكثر من محدوديتها وشذوذها عن غيرها من الفيديوات والمقاطع المنشورة، بالاضافة الى مقالات اخرى تنتقد حتى الولايات المتحدة الامريكية التي برأيهم، تقدم دعما جويا للتطهير الاثني في العراق!، كما جاء ذلك في عنوان تحليل مجلة الفورن بوليسي الاثنين الماضي.

ومثل هذه المقالات وغيرها توصل الى نتيجة يبدو انها هي محل الاهتمام والقلق لدى دوائر القرار في المجتمع الغربي، وهي التي تتعلق بتداعيات تعاظم قوة الحشد الشعبي ودعم وسيطرة ايران عليه، وبالتالي يؤدي ذلك الى ابتلاع ايراني" مزعوم " للعراق كما جاء في افتتاحية وول ستريت جورنال الاخيرة التي كانت عنوانها " ايران تحتل العراق! ".

شخصيا تثير حفيظتي، ان لم اقل رفضي واستنكاري، هذه المقارنة التي يجريها بعضهم، عن وعي وقصد حينا او جهل واستغفال حينا اخر، بين رجالات الحشد الشعبي أو "المليشيات الشيعية" كما يطلقون عليها وبين تنظيم داعش، اذ ان الاختلافات بينهما كبيرة جدا، والبون الشاسع بين كلا التركيبين جلي للعيان ولا يحتاج للكثير من التفكير او الذكاء من اجل معرفته، ومن السهولة جدا، بعد توضيح الفارق بينهما، ان نصل لحقيقة ان المساواة المزعومة بين الحشد وداعش هي ضرب من السذاجة والتيه الفكري ان لم اقل انها محاولات تضليلية من اجل التغطية على اجندات واغراض معينة.

ادناه بعض الاختلافات بين الحشد وداعش والتي تطيح بكل محاولة مساواة بينهما:

اولا:

ان تنظيم داعش يقوم على فكر ايديولوجي، عالمي النزعة ذا اهداف كونية تتعدى حدود الجغرافية والوطن والعرق واللون، بينما الحشد هو تشكيل محلي ليست له اهداف شمولية تتعدى حدود الوطن تألف من مجموعة من المتطوعين للوقوف بوجه تنظيم ارهابي اراد ان يبتلع الوطن واهله.

ثانيا:

ان تنظيم داعش هو حركة دينية ذات اهداف سياسية يقف ورائها فكر تكفيري يستأصل الاخر ويجتث المختلف عنه ويفرض نسخته عن الدين والعالم والحياة على الاخر كحقيقة وحيدة يجب الاخذ بها ولا مهرب او خيار أخر غير القبول والامتثال لها لان القتل هو النتيجة الطبيعية لهذا الرفض، بينما الحشد الشعبي عبارة عن افراد ينتمون الى فئات وطبقات متنوعة يختلفون في العقائد الدينية والمذهبية والقومية، بل ان بعضهم قد لايكون متدينا اصلا، لان من جمعهم هو رابط الدفاع عن ارضهم واخراج المحتل منها.

ثالثا:

ارتكب تنظيم داعش مجازر وبشاعات تندى منها جبين الانسانية وعلى نحو لايضاهيه بالعدد والاسلوب والمنهج والطريقة اي تنظيم او عصابة اجرامية اخرى، لكن حينما نصل للحشد فلا نجد لديه هذا النوع من الجرائم التي وجدناها لدى داعش، ولايمكن مقارنتها اصلا بما ارتكبت ايدي داعش من فظاعات كبيرة، اما ماحصل من أخطاء في المعارك، فكانت عبارة عن تصرفات فردية لاترتقي لان تكون ظاهرة ممنهجة.

رابعا:

تنظيم داعش يبرر اجرامه وسلوكياته الارهابية ولايتنصل منها او يحاول النأي عن بشاعتها، وتمثل بالنسبة له منهج عمل واسلوب حياة يفتخر بها، اما في الحشد فنجد ان مايفعله بعض من المنتسبين له من انتهاكات هو امر مرفوض ومستنكر من قبل قيادات الحشد نفسه وعموم افراده قبل غيرهم، وهم لايحاولون تسويغه أو يجرأون على تبريره، وانما يدينون هذا السلوك ويحذرون من فعل نظيره.

خامسا:

يتألف داعش من افراد من اصحاب جنسيات مختلفة لايجمعهم الا رابط الايديولوجيا الدينية المتطرفة التي اقتعنوا بها وساروا على نهجها، اما رجالات الحشد الشعبي فجميعهم من العراق وليس فيهم غريب او من بلد اخر ولهم اهداف وطنية تتعلق بالعراق فقط، وان كان تحشيدهم وتعبئتهم وانطلاقهم قد جاء، بادئ ذي بدء، بفتوى دينية.

سادسا:

داعش تنظيم مُحتل وافراده غزاة دخلوا العراق ليحتلوا ارضه ويقتلوا اهله مثلما فعلوا في سوريا قبل ذلك، فهو من بدأ الاعتداء والهجوم والتعدي، بينما الحشد يقوم بدور دفاعي محاولا الوقوف بوجه من احتل ارضه واستعادة المناطق التي يسيطر عليها داعش.

سابعا:

ان تنظيم داعش هو حالة دائمية مستندة الى فكر لايرتبط بزمان او مكان او ظرف، بينما الحشد الشعبي حالة مؤقتة مرتبطة بوضع محدد في ارض معينة.

ثامنا:

داعش يسعى لتحقيق فكرة " الخلافة " على الارض، فجعبته حافله بأفكار تتعلق بالسياسة والسيطرة على الارض وترتبط بجوهرها بفكرة دينية مجتزأة من نصوص معينة وسياق ما، اما الحشد فلا يقر بهذا الشيء وليست من افكاره اصلا، وليس له علاقة بها مطلقا.

تاسعا:

تمتلك داعش اموال طائلة جنتها من بيع النفط والسرقات وعمليات الاختطاف والمساومات وبيع الآثار، بينما الحشد الشعبي مُفلس واغلب متطوعيه لم يقبضوا رواتبهم منذ عدة اشهر!.

عاشرا:

تنظيم داعش عبارة عن حركة خارجة عن القانون وفقا لكل المعايير القانونية والدولية ويعمل على تقويض الحكم واركان الدولة ومؤسساتها، بينما الحشد تنظيم له هيئة مرتبطة بمستشارية الامن الوطني التي هي احدى أجهزة الحكومة الامنية الرسمية وتأتمر بأوامرها.

النقاط المذكورة اعلاه بين الحشد وداعش، وان كان بعضها متداخل مع الاخر وربما يؤدي لها، الا انها تكشف لنا بجلاء من هو الحشد، وماهو هدفه، واسس تشكيله، وطبيعة افكاره....ومن هو تنظيم داعش الذي يضعه صنف من الناس، سنحددهم في نهاية المقال، في مقابل الحشد.

الانكى في هذه الامر ان المقارنة بين الحشد وداعش لاتجري احيانا على لسان رجل الشارع البسيط ممن نعذر جهله او عدم قدرته على كشف الحقائق، بل نجدها تتردد عند بعض المثقفين والمحللين السياسيين ممن لانشك في معلوماتهم وثقافتهم، الا اننا نُصدم امام رأيهم الذي يُطرح في هذا الصدد مما يكشف الطبيعة الطائفية لهؤلاء المثقفين والتي اعمتهم عن الحقيقة وحجبت عنهم الرؤية الموضوعية والتحليل الهادئ الذي يقدم للقارئ الحقائق.

ومع هذا، فاننا نسمع المقارنة بين الحشد وداعش من اربع اصناف من الناس:

1- المهزومون: وهم مشايخ الفتنة او بعض شيوخ العشائر ممن كانوا يتحدثون باسم مايسمى " ثوار العشائر"، وفجأة اختفوا هم وثوارهم من ارض المدن التي احتلها داعش واصبحوا بعد ذلك، من شدة خجلهم من موقفهم، يتشدقون بالقول بان الحشد مثل داعش.

2- المُضللون: وهم الاشخاص البسطاء الذي ينطلي عليهم اللاعيب الخبثاء.

3- المخادعون: وهم مجموع من الباحثين والمحللين الذين يقومون بتضليل الناس السذّج لأغراض مرتبطة بمن يعملون لديهم مع انهم جزما غير مقتنعين بها.

4- الطائفيون: وهؤلاء ينظرون بعين طائفية للأحداث ويسعون لتفسير كل شيء من وجهة نظر طائفية.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق