سؤال يبدو ليس غريبا على مسامعنا التي أدمنت سماع مفردة (الحرب الأهلية) منذ زمن ليس بالقصير، فمع أي اضطراب يحدث في هذا البلد العربي أو ذات تنطلق ألسن السياسيين والمحللين والإعلاميين للحديث عن حرب أهلية متوقعة أو وشيكة الوقوع. ولقد وطن المواطن العربي نفسه على رعب الحرب المنتظرة حتى أنه امتلأ بروح لا أبالية تتهكم حين سماع من يتحدث عنها بعد ان فشلت التجارب السابقة الكثيرة.

وهذا لا يعني أننا محصنون ضد الحرب الأهلية، أو أنها بعيدة الوقوع، فكل المؤشرات تثبت أن أكثر من بلد عربي مرشح لخوض حرب أهلية داخلية، بل إن أكثر من محاولة جرت لإشعال فتيلها في العراق أولا، ثم في ليبيا واليمن وسوريا، ولكن تلك المحاولات فشلت لأسباب قاهرة، وليس بسبب سوء التخطيط. وقد كان العراق الأنموذج الأمثل لرفض الحرب الأهلية فكل محاولات جر الشيعة لخوضها من خلال العمليات التدميرية التي استهدفتهم على مدى عدة سنوات، باءت بالفشل إما لطيبة الشيعة، أو لأن صمام أمانهم؛ المرجعية الرشيدة تمكنت من امتصاص غضبهم بمحددات شرعية قيدتهم بها، أما فشل المحاولات في البلدان الأخرى فله أكثر من سبب ولكنه لا زال خيارا مفروضا ممكن أن تتجدد مساعي إذكائه في أي لحظة.

القاسم المشترك بين تلك العمليات والمحاولات أن الأعم الأغلب منها بما فيها الحالة العراقية، كان بدعم مباشر على كافة المستويات من السعودية ودول الخليج الرجعية الأخرى. الأثر الذي تركه الفشل أنه تسبب بتعاظم روح الهزيمة بداخلهم، وضخم شعورهم بعقدة النقص بما أرقهم، ولذا باتوا يبحثون عن خاصرة رخوة ينجحون من خلالها بتحقيق الأمنية، ليمسحوا عار الهزائم المتلاحقة.

ومع تحرك أنصار الله الحوثيين لتصحيح الأخطاء الجسيمة في نظام الحكم اليمني الذي تسبب في إفقار الشعب وهدر ثرواته ومصادرة حرياته، شعرت السعودية وأذنابها أن ساعتهم قد حانت، وان الفرصة واتتهم، وما عليهم سوى شراء ذمم البائعين لزجهم في أتون حرب قذرة، أطلقوا عليها اسم (عاصفة الحزم)، شنوها بواسطة حلف غير متجانس لا رابط بين أعضائه سوى الحاجة الماسة إلى المال السعودي، والعنصرية والطائفية التي تحركهم.

هذا الأمران لا يكفيان للنجاح والانتصار في حرب تشن ضد شعب مجاهد كالشعب اليمني، يعرف كيف يتدبر أمره، وهم يعرفون ذلك، ولذا جاء التفكير الجدي بدعم العمليات الجوية بعمليات أرضية تمتاز بكثرة العدد بعد أن ادعت السعودية انها هيئت (150) ألف جندي، وادعت باكستان ومصر والسودان أن عشرات ألوف الجنود على أهبة الاستعداد للدخول إلى المعركة، لكن حساباتهم وحسابات الذين يوجهونهم ويرشدونهم، أثبتت لهم أن الدخول إلى مستنقع حرب اليمن سوف يبتلع جميع قواتهم ويكبدهم خسائر لا طاقة لهم على تحملها، ولذا وبمشورة أمريكية صهيونية سعت المملكة وحلفاؤها منذ الأيام الأولى للعدوان لإشعال فتيل حرب أهلية في اليمن تضعف كافة الأطراف، وتسهل لهم الدخول إلى البلاد دون مقاومة.

ولقد ركز الإعلام السعودي على هذه الجنبة، وروج لها الإعلام الخليجي والغربي المساند، ثم تحرك وعاظ السلاطين، وتجار الحروب، والباحثون عن السحت والمال الحرام، للمراهنة على:

النظام القبلي في اليمن باعتبار انه الورقة الرابحة.

على حالة الفقر التي يعيشها الشعب اليمني.

على وجود القاعدة والتنظيمات السلفية التكفيرية الأخرى على أرض اليمن.

على وجود عددا لا بأس به من الوهابيين الذين تمول السعودية أنشطتهم منذ سنوات عديدة.

على ضعف التجربة الإدارية الحوثية

وأخيرا على ضعف الجيش النظامي اليمني.

ولذا تمكنت من تحريك بعض القبائل التي سبق وأن دخل الحوثيون أراضيها ومعاقلها دون أن تعترض على وجودهم ، فقام الجناح الديني بإثارة روح الطائفية لديهم. وقام الجانب العسكري بتزويدهم بأفضل الأسلحة الحديثة المتطورة بما فيها الدبابات والمدفعية. وقام الجانب المالي بدعمهم بمبالغ مالية طائلة مع التعهد بدفع مبلغ كبير لعائلة كل من يقتل منهم. ومن هنا وتحت ضغط هذه الإغراءات بدأت بعض القبائل التي تلقت الدعم تبحث عن مكان لها في معادلة الوضع اليمني.

فقبائل (أبين) التي دخلها أنصار الله دون عناء أعلنت اليوم بدء نشاطها ضد الحوثيين. وقبائل (حضرموت) عقدت اتفاقا مع تنظيم القاعدة المدعوم من السعودية للإتحاد سوية ومقاتلة الحوثيين، وهو أمر لا يعجب الكثير من القبائل الأخرى التي تخاف من تطرف القاعدة وأسلوبها التكفيري المتشدد، والتي بدأت تستعد لمواجهة هذا الخطر. و(مأرب) جمعت أكثر من (35) ألف مقاتل قبلي وحشدتهم لمحاربة الحوثيين. وقبائل أخرى هنا وهناك، تجمعت تنتظر وصول الدعم السعودي لتتحرك.

في خضم هذا الانفصال المصيري؛ مع استمرار الضربات الجوية، ومع إصرار أنصار الله على مواصلة المسيرة وعدم الرضوخ للضغوط المفروضة، وأخير مع إمكانية تدخل أطراف أخرى لدعم أنصار الله، ولاسيما وأن السعودية بدأت التمهيد لذلك من خلال الهجمات التي شنتها على العوامية وباقي المناطق في القطيف التي يسكنها الشيعة لاستفزاز إيران التي لا ترضى أن تشن السعودية هجماتها الدموية على الشيعة في اليمن وداخل المملكة.

في هذا الخضم باتت اليمن تقف على بوابات جحيم الحرب الأهلية، وهي حرب إذا ما نشبت سوف تعود باليمن إلى العصر الجاهلي، وستأخذ اليمن بيد الوطن العربي معها، فالمصير واحد، والعدو واحد، والموقف يجب أن يكون واحدا قبل فوات الأوان وخسارة كل شيء من أجل لا شيء.!

إن من يعرف تطلعات الحوثيين وعنادهم يجزم أنهم سينتصرون في هذه المنازلة، ولكنهم سيرثون بلدا لا يملك شيئا من مقومات البلدان، وهذا ما لا يرغبون به، ولا يريدون الوصول إليه. لذا قد يجازفون بخوض حرب الجميع على الجميع لكي لا يتنازلوا لمن هو على استعداد لإذلالهم.!

ومن يعرف طبيعة نظام الحكم السعودي خاصة والخليجي عامة يعرف أنهم سيكونون الخاسر الأكبر لدرجة لا يتوقعونها، وستترك هذه المجازفة غير المحسوبة أثرها حتى على وحدة أراضي بلدانهم ووحدة شعوبهم، وقد تتسبب بزوال بلدان كاملة منها، وغدا لناظره قريب.!

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق