هناك اشكالية بين مجلس النواب العراقي والمحكمة الاتحادية والمفوضية فيما يخص قانون التعديل الثالث لقانون الانتخابات، فالقانون ربما ستذهب به المفوضية إلى المحكمة الاتحادية للبت في صحته، وفي حال بتت المحكمة الاتحادية في صحة التعديل سيتكفل القضاء العراقي بالإشراف على العد والفرز اليدوي، وهذا ربما...

لا تزال نتائج الانتخابات العامة تفرق بين سياسي مؤيد لها حصل منها على ما يريد وبين رافض للنتائج يعتقد بأن اجهزة العد والفرز الإلكتروني غبنته حقه وصادرت اصواته، فهناك من لا يريد الاخذ بالنتائج، إلا أنه يخشى من دخول الدولة العراقية في فراغ دستوري، ومنهم من يرى بأن العملية الانتخابية حدثت فيها خروقات، إلا أن تلك الخروقات لم تؤثر على مصير العملية الانتخابية بشكل عام.

وهناك توجه أخر يتبناه رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي ورئيس الجمهورية فؤاد معصوم القاضي بالتعجيل في تشكل الحكومة العراقية على الرغم من كل ما يحصل. هذا التوجه جاء عكس توجهات مجلس النواب العراقي الذي تمكن في جلسته الأخيرة يوم الأربعاء الماضي في 6/حزيران من جمع النصاب المطلوب لتعديل المادة 38 من قانون انتخابات مجلس النواب العراقي 2018، الذي الزم المفوضية العليا للانتخابات بالعد والفرز اليدوي في عموم العراق دون اللجوء إلى نتائج العد والفرز الإلكتروني.

وقد تضمن التعديل الثالث لقانون انتخابات مجلس النواب العراقي 2018 عدة اجراءات:

• إلزام المفوضية بإعادة العد والفرز يدوياً لكل المراكز الانتخابية في عموم العراق

• إعادة العد والفرز اليدوي يتم بأشراف مجلس القضاء الأعلى

• إلغاء نتائج الخارج والتصويت المشروط في مخيمات النازحين باستثناء اصوات الكوتا

• ايقاف عمل المفوضين واستبدالهم بقضاة

• منح إدارة المراكز الانتخابية في المحافظات للقضاة المنتدبين

• تسري أحكام هذا القانون على انتخابات مجلس النواب العراقي لسنة 2018

• ينفذ هذا القانون من تاريخ التصويت عليه

هذا التعديل بمضامينه المشروطة من الناحية القانونية ربما يخالف الدستور العراقي وقانون عمل المفوضية، إلا أنه من الناحية الواقعية يعد أجراءً منطقياً؛ وذلك لأنه يعيد ثقة الناخب العراقي بالعملية الانتخابية أو بالعملية السياسية والديمقراطية بشكل عام، لاسيما مع الضجة الإعلامية والتلكؤات التي واكبت عملية الانتخابات وإعلان النتائج.

فهذه الضجة هزت ثقة الناخب العراقي أو المواطن العراقي بالعملية الانتخابية وربما في حال مرت الأمور بشكل طبيعي بدون اتخاذ أي أجراء (من قبل المفوضية أو مجلس النواب العراقي) سيتمدد خطرها على مستقبل الديمقراطية والانتخابات في العراق بشكل عام، وسيعيب على مجلس النواب العراقي القادم، بأنه كان نتاج عملية انتخابية مشوهة.

كذلك ستظهر هناك اشكالية بين مجلس النواب العراقي والمحكمة الاتحادية والمفوضية فيما يخص قانون التعديل الثالث لقانون الانتخابات، فالقانون ربما ستذهب به المفوضية إلى المحكمة الاتحادية للبت في صحته، وفي حال بتت المحكمة الاتحادية في صحة التعديل سيتكفل القضاء العراقي بالإشراف على العد والفرز اليدوي، وهذا ربما يدخل نتائج الانتخابات (في حال تغيرت) إلى رؤية مضادة للقضاء، تكون بجانب عمل المفوضية الحالية وسلطتها القانونية.

فضلاً عن ذلك، هناك اشكاليات اخرى (اشكاليات قانونية وسياسية) تتعلق بهذا التعديل منها ما يتعلق بإلغاء اصوات الخارج والتصويت المشروط المخالف لقانون المفوضية وللدستور العراقي؛ لأن المفوضية العليا المستقلة للانتخابات مسؤولة حصراً للإشراف وتنفيذ الانتخابات والاستفتاءات في العراق، وأن مجلس النواب سلب حق المفوضية بهذا التعديل، هذا من جهة، ومن جهة ثانية ربما تكون نوايا مجلس النواب، لاسيما النواب الخاسرين غير شريفة في التصويت على هذا القانون، وبالتالي سيترتب عليه تداعيات سياسية كبيرة.

ومن الناحية السياسية، فإن هذا التعديل ربما يدخل الدولة العراقية في فراغ دستوري ومعترك سياسي خطير، لاسيما في حال حدوث تغيير في نتائج الانتخابات على مستوى القوى السياسية وعلى مستوى المرشحين، فضلاً عن ذلك، فإن هذا التعديل سيؤدي إلى تأخير عملية تشكيل الحكومة العراقية القادمة، وبالتالي ستترتب عليه تداعيات سياسية وأمنية وخرق دستوري واضح.

وربما سيؤدي إلى زرع حالة من الشك وعدم الطمأنينة في نفوس الناخب العراقي، لاسيما وأن العراق مقبل بعد ستة أشهر على انتخابات مجالس المحافظات العراقية. كذلك سيؤدي إلى حالة من المناكفات السياسية بين الرئاسات الثلاث، فضلاً عن المناكفات السياسية والإعلامية بين اعضاء مجلس النواب والمرشحين الفائزين.

هذه المناكفات من شانها أن تعرض البلد والعملية السياسية إلى هزة محلية وإقليمية ودولية كبيرة، لاسيما وأن بعض القوى السياسية الفائزة مثل تحالف سائرون يمتلك قاعدة شعبية عريضة ومن شأن تلك الجماهير أن تخرج إلى ساحة التحرير والساحات العامة في اعتصامات أو مظاهرات مفتوحة في حال حصل تلاعب أو تغيير في نتائج الانتخابات الحالية، وهذا من شأنه أن يزج الحكومة والقوات الأمنية وبعض الجماهير بالضد من تلك التظاهرات، وهناك خشية كبيرة من أن ينعرج العراق إلى معترك سياسي خطير.

واذا ما قرأنا هذا التعديل من ناحية سياسية واقعية، فأنه ربما يكون تعديل منطقي يتماشى مع حجم التزوير والتلاعب بإرادة الناخب، لاسيما في كركوك والموصل وصلاح الدين والانبار ومحافظات إقليم كردستان، وقد لا يحمل في طياته مفاجئات أو تداعيات ستؤثر على مجمل العملية الديمقراطية في العراق؛ لأن المحافظات الوسطى والجنوبية لم تحدث فيها عمليات تزوير من شانها أن تؤثر على مستقبل العملية الانتخابية ونتائج الانتخابات الماضية وتوازنات القوى السياسية الشيعية؛ لان جماهير هذه المحافظات "المحافظات الغربية" ليس لديها ما تخسره، وان الصراع فيها هو صراع سياسي بين قوى سياسية واحزاب معروفة.

وبالتالي فإن حجم الضغط الشعبي في تلك المحافظات لا يمكن أن يقارن بحجم الضغط الشعبي في وسط وجنوب العراق. وعليه فإن مجلس القضاء الأعلى والمحكمة الاتحادية مطالبين بالتعامل مع التعديل الثالث بشفافية ونزاهة عاليين، ومطالبين ايضاً بأن يؤسسوا لحكومة عراقية ومجلس نواب عراقي ولعملية ديمقراطية غير مشكوك فيها وبصحتها الانتخابية.

وربما سائل يسأل ماذا سيكون موقف القوى السياسية التي ستتضرر من جراء هذا التعديل؟ وكيف سيؤثر ذلك على مجريات العملية الانتخابية والسياسية بشكل عام؟ هذا ما ستكشفه الايام القادمة.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2018
www.fcdrs.com

اضف تعليق