المشاركة في هذه الانتخابات كانت مشاركة نوعية لشعب بدأ يتعلم كيفية الوقوف امام الحكام ليؤكد لهم انه صاحب السلطة الحقيقي، وأنه لم يعد مستعدا للانحناء لهم مرة أخرى، وهذا أمر رائع الحدوث في مجتمع لم تمض على تجربته الديمقراطية سوى 15 سنة، وإذا ما استمر هذا المسار...

في وقت متأخر من مساء الجمعة الموافق 18 أيار-مايو 2018 أعلنت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات العراقية النتائج النهائية للانتخابات البرلمانية التي جرت يوم الثاني عشر من نفس الشهر، والتي يبدو منها ان هناك حراكا حقيقيا تشهده الساحة العراقية على مستوى موازين القوى، والتفكير السياسي، والمسار الديمقراطي.

دلالات لا يمكن التغاضي عنها

فعلى مستوى موازين القوى الداخلية أظهرت النتائج انحسارا ملحوظا لبعض القوى الرئيسة، وعلى رأسها حزب الدعوة الإسلامي الذي تزعم المشهد السياسي منذ عام 2003، فقد تراجع التأييد الشعبي لهذا الحزب بشكل كبير، لاسيما في مناطق نفوذه الرئيسة في وسط وجنوب العراق، اذ تراجعت الكتل الممثلة له الى المرتبة الثالثة والرابعة في ترتيب النتائج، وهذه ظاهرة فريدة في بلد اعتادت أحزاب السلطة فيه على تصدر النتائج، فيما تصاعد مد التيار الصدري وزعيمه السيد مقتدى الصدر من خلال تكتل سائرون الذي خاض الانتخابات بالتحالف مع قوى عدة مدنية وليبرالية ليحتل الترتيب الأول في سلم الفائزين.

ونتج عن الانتخابات خسارة مؤلمة لكثير من الشخصيات التي هيمنت على المشهد السياسي منذ سقوط نظام البعث، بعضها غادر السلطة، وبعضها الآخر في طريقه الى المغادرة أو هو في المرحلة الانتقالية السابقة لهذه الخطوة. وعلى الرغم من بقاء الكتل الرئيسة وزعاماتها التقليدية في واجهة القيادة في الوقت الحاضر، فان هناك دماء جديدة ضختها الانتخابات داخل العملية السياسية ستكون لها كلمتها المؤثرة على القرار السياسي في إطار كتلها، وفي إدارة مؤسسات الدولة، وربما ستكون لها القيادة التامة-بشكل أو آخر-في الانتخابات البرلمانية عام 2022.

اما على مستوى التفكير السياسي، فان الانتخابات عكست تصاعدا كبيرا في الوطنية العراقية، على حساب الهويات الفرعية الأخرى، لدى الناخب العراقي الذي لم يعد يغريه كثيرا الخطاب الطائفي والعشائري، فخسرت القوى التي حاولت تغذية هذا الخطاب لمصلحة القوى التي غادرت خنادقها الطائفية والعشائرية -باستثناء الناخب الكوردي-الذي لا زال نوعا ما أسير خطاب قومي تقليدي تذكيه أحزاب لا ترغب في تحرير جمهورها من أسره لأسباب عدة.

ان تصاعد الهوية الوطنية العراقية في هذه الانتخابات بعد مرحلة مؤلمة من الخطاب الطائفي المدمر هو مؤشر جيد وحالة صحية ستكون لها نتائج مؤثرة على تعزيز الثقة بين العراقيين، وتطوير اشكال مختلفة من التعايش السلمي بينهم. ومن المؤشرات المهمة على تصاعد الوطنية العراقية هو نفور الناخب العراقي من أية قوة سياسية لديها اجندة خارجية او هي جزء من اجندة خارجية، لذا تكرر حتى لدى بعض السياسيين العراقيين أكثر من مرة خلال هذه الأيام التأكيد على مقولة "ان يكون القرار عراقيا" او "استقلالية القرار العراقي"، ويمكن القول ان شعار العراق أولا سيكون الشعار الوحيد الذي ينال ثقة العراقي في هذه المرحلة، وهو أمر ستكون الحكومة الناتجة من هذه الانتخابات ملزمة باحترامه والعمل عليه في برنامجها الحكومي للسنوات الأربع القادمة.

من جانب آخر، أظهرت الانتخابات تراجع اهتمام الناخب العراقي بموضوع الأمن، مما يدل على تحرره من هاجس الخوف الناتج من تردي الوضع الأمني، فيما تصاعدت لديه المطالبة بمعالجة ملفات الخدمات ومحاربة الفساد ووضع حد للوضع الاقتصادي السيء... كأوليات يشترك فيها العراقيون جميعا. كما خفت حدة الخطاب الديني، في التنافس الانتخابي، لمصلحة خطاب مدني أكثر ليبرالية وبراغماتية في بناء الدولة وسيادة القانون، نعم الامر لا زال في بدايته الا ان تأثيراته القادمة لا يمكن التغاضي عنها، وتحتاج الى التأمل العميق والتفكير المطول، لتحديد علاقة جديدة أكثر إيجابية، تربط الدين بالدولة بشكل لا يمس قدسية الدين، ولا يتجاوز على سيادة الدولة.

وعلى مسار التجربة الديمقراطية، فان هذه الانتخابات تمثل خطوة متقدمة في طريق نضج الديمقراطية العراقية، لأسباب كثيرة منها: انه على الرغم من تقاطع المواقف بين القوى السياسية واختلافها الشديد فيما بينها الا أنها اختارت أدوات الديمقراطية المتعارف عليها في كسر إرادة خصومها، أي قبلت بالانتخابات كسبيل لفرض الوجود، وقد نجح هذا الاختيار في تحقيق نتائج مهمة على الأرض، وتنامي قناعة القوى السياسية وجمهورها من الناخبين بالانتخابات كوسيلة لمعاقبة الخصوم او السياسيين غير المرغوب بهم، سيزيد الديمقراطية في العراق رسوخا، وابتعادا من سيناريو عودة الاستبدادية من جديد.

هناك من يتحدث عن تراجع نسبة تصويت الناخبين في هذه الانتخابات، ويعده مؤشرا سلبيا يدل على ضعف الديمقراطية، وربما ينسى الكثير ان الديمقراطية منذ عهد أثينا الى الوقت الحاضر لا تكتسب قوتها من اعداد الناخبين المصوتين، وانما تكتسبها من عدها الخيار الوحيد الملائم لتداول السلطة ومعاقبة الحكام غير المرغوب فيهم، طبعا كلما اتسعت مساحة المشاركة الشعبية كان نظام الحكم أقرب الى روح الديمقراطية، ولكن ذلك ليس الشرط الوحيد لقوتها، هذا من جانب.

ومن جانب آخر، فان هذه الانتخابات هي الاولى التي جرت في العراق منذ عام 2003 بدون ان يكون الناخب مسكونا بهاجس الخوف، فكل الانتخابات السابقة كان الخوف مستحكما على جمهور الناخبين، كالخوف من وجود المحتل الأجنبي، او الخوف من العدو الطائفي او القومي او ما شابه، لذا فالنسب العالية للمشاركة فيها غالبا خادعة، تحكمها ثقافة الصراع وانسياق القطيع في مجتمع يعاني من التوتر والشكوك في بنيته الاجتماعية، وهذا ما لم يكن موجودا في الانتخابات الأخيرة، فمن شارك في الانتخابات كان حرا في الادلاء برأيه وهدفه التغيير من خلال صندوق الانتخاب، ومن لم يشارك كان حرا في الامتناع، وهو يرى في عدم التصويت معاقبة للقوى السياسية التي ينتقد أدائها بحرمانها من صوته داخل الصندوق نفسه.

ان المشاركة في هذه الانتخابات كانت مشاركة نوعية لشعب بدأ يتعلم كيفية الوقوف امام الحكام ليؤكد لهم انه صاحب السلطة الحقيقي، وأنه لم يعد مستعدا للانحناء لهم مرة أخرى، وهذا أمر رائع الحدوث في مجتمع لم تمض على تجربته الديمقراطية سوى 15 سنة، وإذا ما استمر هذا المسار، وتصاعد الوعي المرافق له عند الناس، فيمكن ان نشهد مستقبلا تجربة عراقية فريدة في الديمقراطية ستترك تأثيراتها على الشرق الأوسط بكامله.

مخاطر في الطريق

ولكن كل هذه الدلالات الإيجابية في الانتخابات الأخيرة لا تعني عدم وجود ثقوب سوداء تشكل مخاطر حقيقية على تجربة العراق الديمقراطية، وأبرز هذه المخاطر هي: غياب الشفافية الكاملة في العملية الانتخابية من قبل المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، فقد شهدت الانتخابات انتقادات كثيرة من مرشحين وقوى سياسية عدة، ومن كل المكونات، وبعضها لها ما يبررها، وليست مجرد ردة فعل ناجمة عن الخسارة، والمطلوب ان تتم معالجتها بطريقة مهنية عالية الأداء، فالتعسف أحيانا من قبل السلطة المشرفة على الانتخابات لا يكون على حساب الثقة بها وبالعملية الانتخابية، فالديمقراطية لا تترسخ الا من خلال اقتناع وقبول الرابحين والخاسرين بنتائج صناديق الانتخاب، وقد يقود تجاهل مثل هذه الشكاوى الى رفض الخيار الديمقراطي لمن لديه الطموح في خوض المعترك السياسي، وهذا خطر جدي لا يمكن الاستهانة به مهما كانت الاسباب.

الأمر الآخر، من الضروري مراعاة النصوص الدستورية عند تشكيل الحكومة العراقية القادمة، فنظام حكمنا هو برلماني، ومن بديهيات هذا النظام ان تكون هناك قوى سياسية في إدارة السلطة التنفيذية تمثلها الكتلة السياسية الأكبر، وقوى أخرى تأخذ زمام المعارضة في السلطة التشريعية، لتمارس الرقابة والمحاسبة الفاعلة للأولى، اما أن تذهب جميع القوى السياسية من جديد لتشكيل حكومة في ظل بدعة ما يسمى بحكومة الشراكة الوطنية التي تجعل الجميع مشتركا في السلطة التنفيذية، فهذا يعني تكرار فج لمبدأ المحاصصة المقيت، وتوزيع لغنائم السلطة بين القوى السياسية، تكون نتيجته استشراء الفساد، وتعطيل البرامج الحكومية، وإلغاء دور أجهزة الرقابة والمحاسبة في الدولة، وتوسيع فجوة التمرد وعدم الثقة بين الحكومة وشعبها، مما يترك نتائجا كارثية على مستقبل نظام الحكم والتجربة الديمقراطية في العراق.

فضلا عما تقدم، فان من المخاطر الشديدة التي تواجه العراق، هو استمرار تمدد النفوذ والمصالح الخارجية: الإقليمية والدولية، على حساب سيادة ونفوذ ومصالح العراقيين، فقد شكل التدخل الخارجي واحدا من الأسباب المدمرة للدولة العراقية في السنوات الماضية، وقد حان الوقت لوضع حد له، وبناء علاقات عراقية- إقليمية ودولية مبنية على الحياد الإيجابي، والمصالح المشتركة، مع تقديم واضح لمصلحة العراق على ما عداها، لاسيما مع دخول الشرق الأوسط في مرحلة جديدة من التصعيد والتوتر نتيجة العلاقات المتشنجة بين واشنطن وطهران، بعد انسحاب واشنطن من اتفاقية الملف النووي الإيراني، وبعد الخطاب العدائي جدا الصادر من وزير الخارجية الأمريكي (مايك بومبيو) يوم الاثنين الموافق 21 مايو-أيار الجاري الذي بين فيه استراتيجية واشنطن الجديدة اتجاه طهران، وانها تقوم على فرض اقسى شكل من العقوبات، وان حكومته " ستتعقب الوكلاء الإيرانيين وأعوانهم من حزب الله في جميع انحاء العالم وستسحقهم"، وقد سارعت وزارة الخارجية الإيرانية بالرد عليه بأننا "... سنواصل سياساتنا عبر التصدي لمخططات واشنطن وحلفائها".

ان هذا الواقع الإقليمي يتطلب من صانع القرار العراقي في الحكومة القادمة اقصى درجات الحذر في سياستنا الخارجية، وان لا يبقى العراق يدفع ثمن صراعات الآخرين على حساب شعبه وثروته وسيادته الوطنية، فالتورط في الصراعات الإقليمية المتصاعدة في جوار العراق لم تعد خيارا صحيحا، لاسيما وان العراقيين اثبتوا من خلال الانتخابات الأخيرة انهم قادرون على صنع مستقبلهم الذي يرغبون به، لذا عليهم ان يمسكوا زمام المبادرة بقوة لجعله مستقبلا أفضل.

* الأستاذ الدكتور خالد عليوي العرداوي، مدير مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية
www.fcdrs.com

اضف تعليق