يطرح المراقبون لماذا هذا التهافت الخليجي والتزاحم في الساحة العراقية للنفوذ في كواليس الإنتخابات البرلمانية لعام 2018؟، هل مستقبل دول مجلس التعاون الخليجي متوقف عليها؟ أم هي سياسة الأمر الواقع لنقل صراع الإرادات مع إيران داخل الساحة العراقية؟، أم هي سياسة وقائية خليجية لتأمين المستلزمات الإنتخابية من أموال، ودعاية وتعبئة إعلامية سواء عبر شبكات التلفزة الفضائية الخليجية، أو عبر وسائل التواصل الإجتماعي للكتل السياسية التي تتعاطف معها؟، تساؤلات مشروعة تحتاج إلى تحليل علمي وموضوعي لهذا الأمر بعيدا عن العواطف، وعن التحليلات التي تفسر الأحداث وفق نظرية المؤامرة.

تشير التسريبات الصحفية إلى أن الخليجيين يريدون من خلال نفوذهم في الإنتخابات العراقية إحياء مشروع (الإقليم السني) مما يشجع إثارة النعرات العرقية والطائفية، ومن ثم الدفع بإعلان (الإقليم الشيعي) بجانب (إقليم كُردستان)، وبذلك يتحقق ما خطط له الأمريكان من خلال (مشروع بايدن) سيء الصيت لتقسيم وتفتيت الجسد العراقي إلى ثلاثة كانتونات عرقية وطائفية، ولا يعرف الخليجيون أن توجههم في العراق سيرجع عليهم بالكثير من المشاكل والأزمات الداخلية بسبب حالة الفوضى وعدم الاستقرار في العراق التي ستنتج بعد إنشاء الأقاليم الثلاثة، ولعل من أبرز تلك الأزمات تشجيع (الشيعة في الخليج) للمطالبة بمشاركة الأسر الحاكمة في دول الخليج في الحكم وصنع القرار كما حدث في البحرين، فضلا عن فتح المطالبات الشعبية بتغيير الدساتير الخليجية بحالتها الحالية التي تؤمن إنتقال السلطة إلى الأسر الحاكمة في دول الخليج الستة، وتغييرها وفق التطورات السياسية في المنطقة بعد ثورات (الربيع العربي) عام 2011، وتقييد سلطات الحكام في الخليج وجعل سلطاتهم في بعض دول المجلس (ملكية دستورية) بدلا من السابق بكونها (ملكية مطلقة).

ومما يشجع الخليجيون على التدخل في الإنتخابات العراقية هو التوجه الأمريكي لدعم القوائم السنية مع الترويج بتراجع شعبية القوائم الشيعية، وإحتراق الشارع العراقي في أغلب محافظات العراق في الوسط وجنوب العراق وحتى في العاصمة بغداد بعد تكرار إقامة المسيرات الإحتجاجية من قبل منظمات المجتمع المدني (N.G.O) بعد إزدياد المتاعب للمواطن العراقي بسبب عدة ملفات متأزمة في البلاد، منها إزدياد الكلام عن ملف الفساد والمفسدين وضرورة تقديمهم للقضاء لمحاسبتهم، وملف تطبيق خصخصة الكهرباء، والإستقطاعات على رواتب الموظفين والمتقاعدين وغيرها من الأزمات.

ومن المفارقات أن الذي يتصفح صفحات التواصل الإجتماعي يرى الكثير من الإشارات على وجود نفوذ خليجي بارز في العراق بصورة مباشرة أو غير مباشرة مع إقتراب الإنتخابات البرلمانية العراقية، منها على سبيل المثال لا الحصر إنتشار شريط فيديوي مثير على صفحات الفيسبوك يعرض فيه لقاء إحدى المحطات العراقية مع نائب عراقي عن تحالف إتحاد القوى عن محافظة الأنبار وهو يتحدث عن ما جرى له وهو متواجد في قطر، حيث فاتحه السفير السعودي في الدوحة وعرض عليه ما سماها (بمساعدات سعودية) تتألف من آلاف الدولارات مقابل (ضرب الشيعة)!، وكانت إجابة النائب العراقي قد صعقت السفير السعودي بعد أن رفض طلبه جملة وتفصيلا، وقد استدرك النائب العراقي اللقاء بطرح تساؤل على السفير السعودي: "ماذا أعمل بهذه الأموال الطائلة"؟ فأجابه السفير السعودي: "أشتروا الأسلحة وأضربوا الشيعة"!، وأجابه النائب العراقي: "إن هذا العمل يسبب القتل والدمار لأبناء شعبي وحتى لو كانوا من الشيعة هم أخوتي في الوطن ولا أقوم بذلك". وأضاف النائب وهو يتحدث مع السفير السعودي في الدوحة "كنت أتوقع منك أنك ستدعم بأموال لإعمار الأنبار والفلوجة وغيرها من المدن التي أصابها الدمار بعد طرد داعش منها وليس دعمنا لتوجيه السلاح إلى صدور أبناء شعبي".

في الوقت الذي يقرأ المواطن العراقي أخبار مفادها أن السعودية طلبت من العراق فتح قنصلية في محافظة البصرة بجانب مشروع فتح القنصلية السعودية في مدينة النجف الأشرف، بجانب قنصلية السعودية في أربيل. وهذا بنظرنا لا يمثل نوع من التخبط في السلوك الخليجي بل هو نوع من الموازنة بين (العصا والجزرة) لتثبيت النفوذ الخليجي في العراق في مواجهة تصاعد العلاقات العراقية - الإيرانية الذي فسره الخليجيين على أنه يمثل تهديد لمصالحهم في العراق!.

ولم يكتفي النفوذ الخليجي في العراق على تلك المجالات، بل وصل إلى بعض وسائل الإعلام العراقية، وخاصة التي تتخذ من عمان ولندن وإسطنبول مقرات رئيسية لها، إضافة إلى مكاتبها الأم الموجودة في بغداد وأربيل، حيث تسربت أخبار عن تقديم السعودية إلى خمسة وسائل إعلام عراقية هدايا مالية لتطوير ما وصفته بعض المصادر (بالخطاب الإعلامي الإيجابي والهادف)، ويبدو أن السعودية تعيد تكرار الأسلوب القطري في التحريض الجماهيري قبل أحداث ثورات الربيع العربي عام 2011 كما فعلت قناة الجزيرة القطرية في تونس، ومصر، وليبيا، وسورية، وغيرها من الساحات العربية.

وقبل نهاية عام 2017 كشفت التطورات في المنطقة، وخاصة داخل دول مجلس التعاون الخليجي عن توجه خليجي جديد للتدخل في الإنتخابات العراقية خلاصته تشجيع تلك الدول، وفي أسلوب جديد تحت زعم المحافظة على الوحدة الوطنية العراقية من خلال تكوين (تحالف سني - شيعي) في تحالف إنتخابي واحد بدعم خليجي، ولولا وجود تأكيد خليجي لذلك لتم إهمال هذا الإستنتاج والتحليل، حيث تحدث وزير الدولة لشؤون الخليج العربي بوزارة الخارجية السعودية ثامر السبهان إلى وسائل الإعلام ومنها صحيفة الشرق الأوسط السعودية في نهاية عام 2017 عن قرار المملكة العربية السعودية بشأن دعمها لتشكيل تحالف جديد سني - شيعي في العراق يهدف إلى تحقيق مصالح الأمة العربية عبر الفوز بأغلبية المقاعد البرلمانية العراقية. وهذا الأمر سيسبب لتلك الكتل المدعومة من السعودية إشكالية مع مفوضية الإنتخابات العراقية في حالة الكشف عن الدعم الخليجي، لأن قانون الأحزاب الجديد ينص على أن أي حزب يخضع لدعم خارجي سواء كان ماليا أو إعلانيا يسحب منه إجازة العمل السياسي، ويسقط حقه في المشاركة بالإنتخابات، بالرغم من صعوبة كشف ذلك لإحاطة الأمر بالكثير من السرية، إلا أن المراقب والمتابع لمحطات التلفزة الفضائية الخليجية سيرى فترات إعلانية مخصصة لأسماء لشخصيات عراقية مرشحة للانتخابات العراقية وتسويقها للمشاهد وخاصة العراقي للقبول بها والتصويت لصالحها كما حدث في انتخابات عام2010، وعدم الترويج لشخصيات أخرى لا توجد وشائج وعلاقات متبادلة معها كما هو موجود مع الشخصيات سالفة الذكر.

إن بعض المراقبين يرجحون تصاعد التدخل الخليجي في المشهد الإنتخابي العراقي مع قرب موعد الإنتخابات سعيا لكسب أكثر الكتل التي تميل إليها ومع طروحاتها، وضمان ولائها لها، لكن فسر مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت وهو معهد أمريكي موجود في المنطقة، حقيقة إهتمام الخليجيين بإنتخابات عام 2018 إذ يقول "لأن العراق ليس بلدا صغيرا، أو هامشيا، وبكونه يختزن ثاني أكبر إحتياطي نفط في العالم، وبموقعه الجيوإستراتيجي بين تركيا وإيران والعالم العربي وعلى ضفاف مياه الخليج وشرعيته التأريخية العربية والإسلامية سيكون لمستقبله التأثير الكبير على العالمين العربي والإسلامي"، ويضيف المعهد "إن الخليجيين يخشون من هذه الإنتخابات، لأنه بلد معروف في العالم العربي وعالق منذ عقود بين براثن مختلف أشكال الحكم السلطوي والأنماط الراهنة، ثم أن الدعوات الداخلية إلى الإصلاح في هذه الدول وقعت على آذان صماء، فيما الضغوط الخارجية الدافعة باتجاه التغيير جوبهت بإتهامات التدخل في الشؤون الداخلية، بيد أن العراق الديمقراطي إذا نشأ حتى ولو كان مضطربا وغير متكامل النمو سيكون مسألة أخرى، وسيصبح برهانا في قلب العالمين العربي والإسلامي ولكل الفئات السنية والشيعية وغيرها"، لكن من جانب آخر ينفي آخرون إستمرار التوجه الخليجي للتدخل السلبي في الساحة العراقية في ظل تحسن العلاقات العراقية – الخليجية، وخاصة مع السعودية في الأشهر الأخيرة، وقرب دخول الشركات السعودية إلى الموصل والأنبار لمسك مشاريع الإعمار فيها، ويقول خبراء إقتصاديون أن الدعم السعودي الذي يمثل وجهة نظر دول الخليج ككل للعراق من شأنه فتح صفحة جديدة من العلاقات الثنائية بين بغداد ودول الخليج الستة، ولتحييد الأثر الإيراني في العراق، لاسيما أن السوق العراقي متعطش لكافة أنواع الإستثمار في جميع المجالات الإقتصادية وكافة أشكال الخدمات التي تهم المواطنين، فضلا عن إزدياد النشاط الدبلوماسي السعودي في مدينة النجف الأشرف والبصرة للموازنة في علاقاتها مع الأوساط السنية والشيعية في آن واحد.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية/2001–2018Ⓒ
http://mcsr.net

اضف تعليق