(إستفتاء بارزاني) هكذا يمكن تسميته، وكان بالنهاية من أجل لا شيء!، فهذا الإستفتاء لتقرير مصير إقليم كُردستان فضلاً عن كونه يزعزع إستقرار العراق في لحظة أخذ يستعيد فيها عافيته الأمنية والسياسية، فإن نتائجه أيضاً غير معترف بها من طرف بغداد ولا من قبل الدول الأخرى. فالحل كان يجب أن يمر عبر طريق المفاوضات والحوار والتفاهم. والحال أن تداعيات هذا الإستفتاء أصبح محنة جعلت إقليم كُردستان الآن على حافة إحدى أخطر الأزمات السياسية التي عرفها الكُرد منذ زمن بعيد.

ومن وجهة نظر بغداد والدول الأخرى لا شيء يدعو الأكراد للدفاع عن خصوصياتهم القومية والثقافية. فلإقليم كُردستان تاريخه، ولغته، وحكومته وبيشمركته وديناميكيته الإقتصادية، وروح إبداع ثقافية خاصة ومتميزة في المنتظم العراقي العام. فمقدمات الشراكة مع بغداد حاضرة أكثر من مقدمات الإنفصال، إذ لعب جزء كبير من الأكراد دوراً طليعياً في النضال ضد ديكتاتورية البعث وصدام حسين.

وهم أيضاً في مقدمة الصفوف حين يتعلق الأمر بنجاحات العراق ضد داعش مؤخرا، كما لهم دور كبير في التحالفات الإنتخابية والسياسية لتسمية رئيس الوزراء في كل دورة إنتخابية، ومن النظرة الخارجية يبدو الشعب الكُردي إحدى الواجهات الأكثر نجاحاً وحظوة في العراق اليوم. وكل هذا يجعل الإستفتاء غير مبرر وعبثياً ومن أجل لا شيء، في النهاية.

لذلك فإن مسألة تأكيد الهوية الكُردية متحققة وراسخة في الدستور العراقي وفي التجربة السياسية المنبثقة عنه، وليس كما يقولون ليست عندهم هوية خاصة يجب تأكيدها، وإنما هذا أمر واضح وبديهي وليس بحاجة إلى تأكيد أصلاً. ولكن هل ثمة داعٍ من أجل تأكيد الإعتراف بخصوصيات الإقليم من طرف بغداد وبقية دول العالم للإمعان في المناكفة إلى حد إعلان استقلال كُردستان من جانب واحد؟.

حكومة بغداد أعلنت من دون أدنى تردد أن هذا الإستفتاء غير شرعي. وكذلك قضت المحكمة الدستورية في البلاد بعدم دستورية هذا الإستفتاء. كونه مخالفاً للدستور الصادر في سنة 2005 والذي وافق عليه العراقيين بضمنهم الكُرد بأغلبية ساحقة تلامس حدود الإجماع. ومن المعروف أن القانون الدولي لا يتحدث عن حق الشعوب في تقرير مصيرها إلا في حالة الاستعمار الأجنبي، أو الأقليات التي تتعرض للقمع والظلم من طرف النظم المركزية التي تحكمها. ومفهومٌ أن الكُرد ليسوا مستعمَرين، ولا مقموعين، وطبعاً هم غير مهددين بالإبادة الجماعية كما كانت حالهم مثلاً في عهد نظام صدام حسين.

إن المجتمع الدولي يدرك مخاطر السماح لمثل هذه الحركة الإنفصالية بالنجاح، أن الإنفصال لا يهدّد البلد الذي يجرى فيه الإستفتاء فحسب، ولكن جيرانه أيضاً. وما قد يترتب عن ذلك هو إعادة رسم للخرائط الإقليمية، مع ما يستتبع ذلك من إعادة توزيع للموارد والسلطات. وهذا بالنسبة للعديد من الحكومات والدول أمر لا يمكن قبوله، وما على المرء الذي قد يعتقد أن إحتمال الحرب بعيد وضئيل إلا أن يستحضر الإضطرابات وإراقة الدماء التي رافقت تفكك يوغسلافيا في التسعينيات.

ولابد من التحذير من أن حمام دم مماثل لما حصل في يوغسلافيا، أو أسوأ، سيحدث أن تمسك واستمر الأكراد بالمطالبة بالإستقلال، فالنيران ستمتد من الشرق الأوسط إلى حدود أوروبا.

من أهم الرسائل التي اتضحت بعد إسترجاع بغداد لكركوك:

1- إن العراق سيبقى بلداً واحداً عصيّاً على التقسيم، فمشروع تقسيم العراق إلى دويلات عرقية ومذهبية تراجع كثيرا وتفككت مرتكزاته إلى حدّ بعيد. وهواجس التقسيم والإنفصال تراجعت، لكنها لم تغادر إلى ما لا نهاية.

2- من أهم الرسائل هو عمق الأزمة الداخلية الكردية. فقد فشل مشروع الإنفصال داخل إقليم كُردستان فلا دولة كُردية من دون كركوك والمناطق المتنازع عليها التي شملها الإستفتاء كما تصدعت وحدة البيشمركه وانقسمت إلى جزئين وطفت على السطح الساخن إتهامات متبادلة بين أطراف كُردية، وصلت لحد التخوين فالصراعات الكُردية - الكُردية أثبتت إنها متوارثة وعميقة.

3- ثالث هذه الرسائل أن إسرائيل الخاسر الأكبر في دعم مشروع الإنفصال الكُردي. فقد راهنت على تفكيك العراق ليكون بوابة لتفكيك العالم العربي وإعادة بناء شرق أوسط جديد تلعب فيه دور المركز بإدارة تفاعلاته ومصالحه.

4- إن الحكومة العراقية تواجه مهمة صعبة ولكنها أساسية، ألا وهي إحترام الاختلافات القومية والأثنية وتوفير حكم ذاتي ومحلي من دون إغضاب السكان الذين يشكّلون الأغلبية في أماكن أخرى من البلاد والتسبب في رد فعل قوي، مع ذلك أن الخصوصيات المحلية يجب الإعتراف بها وتكريمها واستيعابها. ولكن ذلك أيضاً يجب أن يتم بطريقة لا تعرِّض للخطر وحدة وسلامة أراضي الدولة وهذه رسالة تسعى بغداد لتحقيقها.

5- لا توجد صيغة محددة للنجاح مابعد كركوك، لكن نقل السلطة من المركز إلى المناطق والأطراف عمليةٌ صعبة دائماً. غير أن القوة ليست هي الحل دائما، إنما السلم والقانون أكثر فاعلية في أحيان كثيرة، وذلك لأن القوة لا تعمل إلا على تشجيع العناصر الأكثر تطرفاً، ما يطلق دورة من الفعل ورد الفعل لا تزيد الأمور إلا سوءاً، وهذا ما تتوجه إليه الحكومة الإتحادية في بغداد لمواجهة تحديات ما بعد داعش وما بعد الإستفتاء.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية/2001–2017Ⓒ
http://mcsr.net

اضف تعليق