يتداول اسم الأمريكي بيتر غالبريث إلى جانب مجموعة من المستشارين والدبلوماسيين الأجانب كالفرنسيين، برنارد هنري ليفي، وكوشنير، والسفير الأمريكي الأسبق في العراق زلماي خليل زاده كمهندسي إستراتجية إنفصال الكُرد عن العراق مع رئيس الإقليم مسعود برزاني منذ الأيام الأولى من شروع الأخير بعملية إجراء إستفتاء الكُرد للإنفصال عن الدولة العراقية.

بعد أن تابع بيتر غالبريث العراق كما يذكر هو بنفسه منذ أكثر من ستة وعشرون سنة وصولاً إلى الأحداث والمجريات السياسية ما بعد سقوط النظام الإستبدادي العراقي في عام 2003، حيث عمل بيتر غالبريث مستشاراً للقوى الكُردية النافذة في الملف السياسي، وبالأخص أثناء عملية كتابة دستور الإقليم وتعقيدات كتابة الدستور العراقي الدائم لعام 2005، حيث أقام لمدة ثلاثة أسابيع في بيت البارزاني في المنطقة الخضراء، ويذكر السياسي العراقي ليث كبه وهو من الذين لهم صداقة مع بيتر غالبريث ومعرفة بأطروحاته إتجاه العراق: "قال لي أنه كتب بنفسه مسودة الدستور، وقال أنه وضع فيه ما يزيد على طموح الكُرد، وأن ما كتبه في الدستور هو قمة ما يمكن أن يحصل عليه أي إقليم فيدرالي في العالم ما عدا الإنفصال، (حصل غالبريث بسبب خدماته على إمتياز وثروة نفط) وألف بعدها كتاب (نهاية الدولة العراقية)".

فمن هو بيتر غالبريث؟ وهل له دور فعلاً في عملية كتابة الدستور العراقي الدائم نيابة عن الكُرد، ونقل الحالة الكُردية من التأكيد على الحقوق الإضافية من الحكم الذاتي الذي كان يتمتع به الكُرد إلى الإنتقال إلى الحكم الفيدرالي المرن ويمنحهم أكبر قدر من الإستقلال، وهل كان له دور في عملية المطالبة بالإنفصال، لاسيما هو سبق وأن عرض هذا الخيار في كتابه (نهاية العراق) في سنوات تصاعد حدة التوتر الطائفي كحل لأزمة إنعدام الأستقرار في العراق بتقسيمه إلى ثلاثة كيانات: قومية (كُردية)، وطائفية (سنية - شيعية).

سنحاول الإجابة عن هذه الأسئلة في أجزاء مقالنا عن إقتراح بيتر غالبريث في تنظيراته ومذكراته بتفكيك العراق إلى كانتونات قومية وطائفية تشبه الدولة في ضوء تصاعد الخلافات بين المركز والإقليم حول إجراءات الكُرد الأخيرة بالإنفصال عن العراق.

عمل بيتر غالبريث موظفا في وزارة الدفاع الأمريكية وأستاذاً بكلية الحرب القومية له خبرة طويلة في معظم الدول التي تعرضت للتجزئة والتفتت، مثل يوغوسلافيا، أو أقتطعت منها أجزاء، مثل إندونيسيا ودرس فصلاً في كلية الحرب عن تركيا والعراق. ثم عمل دبلوماسي أمريكي، ومنذ الإطاحة بصدام حسين كما يذكر في كتابه (نهاية العراق) قام بزيارات متكررة إلى العراق بصفة مستشار لشبكة ABC News، وفي القطاع الخاص وكخبير في القانون الدولي، وكمساهم في نشرة New York، كما قام لبضعة أشهر في أوائل وأواخر عام 2004 بعمل مدفوع الأجر لحساب زبائن أكراد (م. كتاب نهاية العراق)، ويتمتع بيتر بخبرة طويلة في شؤون العراق -كما ذكرنا-، وله وجهات نظر عن أسباب فشل مهمة بول بريمر الحاكم الأمريكي للعراق، والإعداد السيئ لمواجهة الفوضى التي سادت في أعقاب الإحتلال.

بدأ عمله في الشأن العراقي في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ مع إندلاع الحرب بين إيران والعراق وخلال السنوات التي أمضاها مع اللجنة (1979- 1993) عمل في التشريعات المتعلقة بالعراق، وقام بعد ذلك بعدد من الزيارات إلى العراق، له علاقات كبيرة مع العديد من السياسيين في العراق وصفها بالتحول إلى "صداقات شخصية"، وكان نجم الدين كريم وكندال نيزان عرابا هذه الصداقة لاسيما مع السياسيين الكُرد.

يعتقد بيتر غالبريث أن المعادلات الدولية منذ إقرار مبادئ ويلسون في عام 1918 في نقاطه الأربعة عشر ومعاهدة فرساي عام 1920 كانتا مع نشوء الدولة الكُردية لكن معاهدة سفرس الموقعة في مدينة لوزان بين دول الحلفاء وتركيا بقيادة أتاتورك تنكرت لحق الأكراد في الإستقلال وكذلك رسم البريطانيون ولاية الموصل التي كانت تضم مدن الإقليم الثلاثة ضمن العراق، من هنا يرى بيتر غالبريث أن الأكراد لم يتقبلوا وضعهم ابدأ كجزء من العراق المتسم بين الحين والآخر بالقمع السلطوي والتمرد الكُردي.

وهو بذلك يقترب من الفرنسي برنارد هنري ليفي الناشط أيضاً منذ فترة ليست قليلة في إقليم كُردستان العراق والصديق الحميم لرئيس الإقليم والخبير في البلدان التي تعاني من إضطراب المجموعات العرقية، إذ يعتقد برنارد ليفي بأن الأكراد، عاشوا في ذلك "مثل اليهود، تجارب لا حصر لها، وتحملوا عددا لا يُحصى من التقلبات في مصائرهم، وعانوا من الهيمنة مرارا وتكرارا. وعبر كل هذا ظلوا صامدين، فقاوموا القوى التي سعت إلى محوهم. واليوم، يقتربون من مَعلَم مهم على الطريق، إعلان تقرير المصير في هيئة دولة حرة تضمن لمواطنيها الحرية، والأمن، والكرامة".

بدأ بيتر غالبريث بعد سقوط النظام الإستبدادي يبحث مع الزعماء الأكراد مستقبل كُردستان وما يمكن تحقيقه في الدستور الجديد في الوقت الذي نال فيه الأكراد التأييد لمبدأ الفيدرالية من المعارضة العراقية، كان عليهم أن يتأملوا بعض القضايا العملية، ماهي السلطات التي ستؤول إلى كُردستان وما هي التي ستكون بيد الحكومة الإتحادية في بغداد كيف سيتم تمويل حكومة كُردستان، ومن سيتولى السيطرة على الشرطة وقوى الأمن، والسؤال الأهم كان في إعتقاد بيتر من سيمتلك نفط كُردستان، يشير بيتر بأنه أثناء لقاءاته من نيجيرفان بارزاني رئيس حكومة الإقليم، وبرهم صالح نائب رئيس الحكومة العراقية في عهد إبراهيم الجعفري، شرح لهما نماذج أخرى من الفيدرالية مثل كندا حيث تملك المقاطعات، والموارد الطبيعية، ولكن الحكومة الفيدرالية تفرض ضريبة على حصة من الإيرادات، والولايات المتحدة والبلديات على الشرطة، والبوسنة حيث يتيح الدستور الذي وضعته أمريكا لكل كيان فيدرالي يمتلك جيشه الخاص حيث أن ذلك باعتقاد بيتر يجعل الكُرد أن ينالوا من حقوق قد تؤهلهم للإستقلال.

وفي هذا السياق يُذكر أنه في صباح 30 نيسان من عام 2003 قام بمراجعة القضايا الدستورية مع نيجيرفان بارزاني بمقرة الرسمي في أربيل أثناء إنشغال الأمريكان بالإشتراك مع الشيعة بتأسيس نظام سياسي ودستوري جديد في العراق، حيث طالب بيتر من البارزاني بالإطلاع على الأجندة الكُردية، فقال له البارزاني: "نريد أقصى ما يمكن الحصول عليه"، في أي عملية دستورية قد تكتب لمرحلة ما بعد نظام صدام حسين.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية/2001–2017Ⓒ
http://mcsr.net

اضف تعليق