آراء وافكار - مقالات الكتاب

ما بعد إستفتاء إقليم كُردستان

مشكلة سياسية بحاجة إلى حل أم فتنة يجب سحقها؟

تعاملت الحكومة الإتحادية في بغداد والقوى السياسية مع أزمة الإستفتاء في بادئ الأمر على أنه مشكلة سياسية تحتاج إلى حل لغاية إجراءه، وقد اتخذت سياقات متعددة إذ تعاطت الحكومة العراقية مع القادة الكُرد سياسيا وطلبت التوصل قبل فوات الأوان إلى تسوية للوضع في إقليم كُردستان، الذي أجرت حكومته المحلية إستفتاء على الإنفصال عن العراق يوم ٢٥ من شهر أيلول الماضي، ولم تستطع بغداد حل المشكلة رغم إتخاذها خطوات من قبل مجلس النواب الإتحادي أزاء الإستفتاء بإصدار قرار برفض الإستفتاء وتخويل رئيس الحكومة إتخاذ التدابير اللازمة للحفاظ على وحدة العراق، إضافة إلى تصويت المجلس على إعفاء محافظ كركوك من منصبه كإجراء عقابي لضم كركوك للإستفتاء ورفعه علم الإقليم فوق مباني المحافظة إضافة إلى ملفات أخرى.

وهنا لكي تترسخ هذه القرارات طلبت الحكومة من المحكمة الإتحادية أن تفصل بين الطرفين وفقا للمادة ٩٤ من الدستور وإصدار المحكمة الإتحادية أمرا ولائيا برفض هذا الإجراء والطعن في دستوريته إضافة إلى إتخاذ حزمة قرارات من مجلس النواب في يوم الإستفتاء بخصوص إرسال قوات عسكرية لكركوك والمناطق المتنازع عليها إضافة إلى إنعقاد المجلس الوزاري للأمن الوطني وإقراره حزمة خيارات وإجراءات أمنية داخلية وخارجية إضافة إلى تحرك الحكومة بخصوص المطارات والمنافذ الحدودية والنفط وطلب تسلميها لبغداد من قبل إقليم كُردستان.

ولابد أن أشير هنا إلى أن التوجهات العامة للرأي العام داخل أوساط الإقليم تكشف أن معظم الناخبين والفاعلين السياسيين من الممكن أن يقبلوا حلا وسطيا إذا حصل الإقليم على مزيد من الإستقلال المالي.

صحيح أن هنالك توجهات إنفصالية محدودة في الإقليم، دلل عنه تفعيل البرلمان المعطل منذ سنتين وإتخاذه قرارا محدودا بالإنفصال، وبذات الوقت تسيطر على الحكومة الكُردية شرائح حزبية محددة متمثلة بالحزب الديمقراطي الكُردستاني ونسبيا حزب الإتحاد الوطني الكُردستاني، لكن يبدو أن هذه الحكومة وزعامات الحزبين أعلاه تعهدت بالمضي قدما بتوظيف ورقة الإنفصال عبر إجراء الإستفتاء كضاغط إضافي على بغداد وبعض المحاور الإقليمية والدولية الممانعة، لكن تأكد لنا تأيَّيد الناخبون الإستقلال والإنفصال وهم يعتقدون أن النتيجة ستكون ملزمة لبغداد والمجتمع الدولي، أيا كانت العواقب وتضيف لهم قوة أكبر للتفاوض على مستقبل كُردستان العراق.

ومن الواضح أن الحكومة ستكسب النزاع مع الإقليم دستوريا فالمحكمة الإتحادية ستقر بأن الإستفتاء غير قانوني بموجب دستور عام ٢٠٠٥، ومن ثم يتم حظر نتائج الإستفتاء وتضطلع السلطة القضائية بمقاضاة جميع من شارك فيها وروج له.

حقيقة لقد أفضى ذلك الإستفتاء إلى الإنقسام داخل الإقليم نفسه إضافة إلى إنقسام في بغداد على السواء، فالأكراد بلغتهم وثقافتهم المميزة يعتبرون أنفسهم دولة، ولكن على رغم أن التوقعات وإستبصار المشهد داخل الإقليم تؤكد أن معظم سكان إقليم كُردستان يؤمنون ويحلمون بدولة مستقلة لكن ليس في ظل هذه الظروف الصعبة، وذلك لا يعني أن نتيجة الإستفتاء مستقبلا ستكون في غير صالح الأكراد بالإجمال.

الجدير بالذكر أن مسعود بارزاني الذي لا يبدي مرونة حتى الآن في التفاهم مع بغداد أشار إلى إمكانية عقد حوار جديد مع القيادات السياسية داخل الإقليم لمناقشة مستقبل الأكراد ما بعد الإستفتاء وليس قبله.

أما القوى السياسية في بغداد فهي منقسمة في رؤيتها لما بعد الإستفتاء فمنهم من يرى الأمر باعتباره مشكلة سياسية تحتاج إلى حل ومنهم من يراها فتنة يجب سحقها وهذا يعقد المشكلة أكثر، ولا سيما أنه تم رفض التوصل إلى حلول وسطية بين الطرفين (الإقليم والمركز) في أكثر من وفد متبادل بينهما.

لكن إذا ما بحثنا عن جوهر المشكلة سنجدها مشكلة إقتصادية وسياسية وليست فتنة على الأقل ضمن منظور بغداد، فعلى المستوى السياسي، داخل الإقليم تتراوح حول الصراعات والتجاذبات بين القوى السياسية داخله وخاصة رئاسة الإقليم والإنتخابات والحكومة ومستقبل الإقليم، وعلى المستوى الإقتصادي، إن الإقليم يعيش أزمة مالية خانقة قد تؤدي الى إضطرابات إجتماعية تضرب الإستقرار والتعايش، ولهذا على الإقليم أن يسعى للإتفاق على حل المشاكل الداخلية بين قواه السياسية ثم ينتقل الى بغداد للإتفاق على المشكلة الإقتصادية وأتصور أن أفضل الحلول هو إعطاء الأكراد مزيداً من الإستقلال المالي، مثل الكثير من التجارب الإتحادية في العالم كإقليم الباسك في إسبانيا الذي يُحصّل ضرائبه ويدفع حصته المتفق عليها إلى الخزانة الإسبانية.

لكن بوادر وجود حلول وسط حول الإستقلال المالي بين الطرفين لا تبدو قريبة فهنالك إنقسام داخل بغداد وداخل الإقليم وأيضا ضواغط إقليمية ودولية حول الإنفصال وشرعيته وكيفية إحتواءه وهنا لابد من التأكد أن نقطة البداية ستكون بمعالجة إعتقاد الأكراد بأن التهديد بالإنفصال لم يعد ورقة تساومية ناجزة على الدوام لأن هنالك تساؤل هو ماذا بعد الإستفتاء؟، وهل يمتلك الأكراد مقومات دولة؟، وهل سيحصلون على الإعتراف الدولي والإقليمي؟.

يبقى أن نقول انه قد لا يتبقى لبغداد بعد تجريب الخيارات والبدائل السياسية إلا أن تتجه للتعامل مع الإنفصال ونتائج الإستفتاء على أنه فتنة يجب سحقها باستخدام القوة بمفهومها الشامل ومنها الخيار الأمني لتثبيت الحقائق والمواقف لكن هذا يحتاج لتفاهمات إقليمية ودولية وأممية، لكي يتشرعن هذا الخيار، إذا أرى شخصيا التباسا غير واضح في تلك المواقف ولم يتضح لي إطلاقا أن الرفض التركي والأمريكي والسعودي على أنه حقيقي وفاعل، بل قد يتم إحتواء وإستيعاب الإستفتاء والتعاطي معه كواقع حال وأيضا قد يوظف في مواجهة إيران والحكومة الإتحادية وبعض القوى السياسية الممانعة لهذه المحاور.

بالنهاية أقول أن كلا الطرفين بغداد والإقليم تعاملوا مع الدستور العراقي باعتباره حجراً صلباً وليس وثيقة حيّة تخدم الدولة المعاصرة الديناميكية، وإذا استمر ذلك فإن وقت المنطق سرعان ما سينتهي وتتحول كل المشاكل السياسية إلى فتنة تتسارع الأطراف الواقعة فيها إلى سحق بعضها البعض.

إذ يجب أن لا ننتظر لتأتي المشاكل إلينا كي نتصدى لها ولا بد أن تسود عقلية التشاور ثم الحسم بدلا من عقلية التأجيل والترحيل، والكلمات والخطابات الإعلامية وحدها ليست كافية بل يتعين وضع سياسات جديدة تستند إلى إحتواء الجميع ومنحهم الحقوق والفرص.

ومن غير المقبول أن ندين التطرف والعنف والإرهاب والتقسيم فيما هنالك نواقص للوحدة، إذ لا زالت هنالك مواصلة نسبية من الجميع لسياسات تشجع على السلبية والمشاكسة وعدم إحترام القانون والدستور.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية/2001 2017Ⓒ
http://mcsr.net

اضف تعليق