اتجهت الولايات المتحدة الأمريكية بعد خروجها منتصرة على المعسكر الشيوعي والإتحاد السوفيتي أبان الحرب الباردة إلى تعميم سياساتها الكونية واسلوب الحياة الأمريكية والنمط الثقافي والإستهلاكي الذي تتميز به هذه الحياة على نطاق العالم بأسره، وأن قيماً معينة هي قيم السوق وسيطرة آليات العرض والطلب والديمقراطية بحسب النموذج الغربي عموماً والأمريكي خصوصاً، ينبغي أن تكون هي القيم الحاكمة للعالم والموجهة لتفكير ولسلوك الشعوب والثقافات والحضارات الأخرى.

ولا بُد من الإشارة هنا إلى أن الوعي الأمريكي خارجياً يكاد يكون في حده الأدنى، وهذا مرده سببين أو عاملين:

الأول: إنشغال المواطن الأمريكي العادي بنشاط الساحة الداخلية الأمريكية، ولا سيما أنها ذات تأثير مباشر على حياته اليومية مثل الأجور والرواتب والضمان الصحي ورسوم التعليم وحجم الضرائب.. الخ، مما يجعله مشغولاً بشكل دائم بحياته الشخصية.

والثاني: يتمثل بسيطرة قوة الإعلام الأمريكي من راديو وتلفزيون وصحف ومجلات وحتى الإنترنت وملحقاته على توجيه الرأي العام الأمريكي بما يشغله عن متابعة ما يحدث على المسرح السياسي الدولي، وفقاً لسياسة وأجندة معلومة تهدف إلى تحشيد كل الجهود نحو الحفاظ على الحياة الأمريكية والدفاع عنها في حالة التعرض للخطر.

لقد سعت الولايات المتحدة الأمريكية في سبيل تدعيم دورها العالمي إلى فرض سيطرتها على العالم بإستخدام أدوات جديدة غاية في التطور التقاني، مثل وسائل الإعلام والدعاية والإعلان، وهي وسائل جماهيرية ذات قدرة فائقة على إختراق الحدود والمسافات المكانية والزمانية، وتجاوز السيادة الوطنية للدول، ولم تعد هذه الوسائل الإعلامية الجماهيرية قاصرة على وكالات الأنباء والأخبار وشبكات المراسلين الضخمة، بل ظهرت وكالات البث الفضائية وشبكات الفضاء التي تنتج وتبيع وتروج لبرامج ولأفلام عن الأحداث الساخنة في العالم وبتغطية حية ومباشرة، كما تدعم قوة ونفوذ الأقمار الاصطناعية ليس في نقل المعلومات والأنباء والصور فحسب، ولكن أيضا في السيطرة على الاتصالات الهاتفية من خلال كوابل بحرية ولاسلكية تخترق الحدود وتتجاوز المسافات والمساحات، بحيث أضحت تستغني عن الكوابل والشبكات الأرضية وتجعلها عديمة القيمة وغير ذات فائدة من الناحية الإقتصادية.

وإلى جانب قدرات وإمكانات القوة الشاملة التي تمتلكها الولايات المتحدة الأمريكية الإقتصادية والعسكرية والتكنولوجية والسياسية، فقد أصبحت الوسائل الثقافية أو ما يعرف بـ(القوة الناعمة) لا تقل أهمية عن القدرات الأخرى في دعم مكانة ودور الولايات المتحدة على الصعيد العالمي، فالولايات المتحدة الأمريكية تتمتع بإنتشار وتأثير واسعين على الصعيد العالمي سواء أكان ذلك على صعيد الثقافة الشعبية من موسيقى وأفلام سينمائية وأكلات شعبية، أم على صعيد الثقافة العليا المرتبطة بالإبتكار العلمي والإنتاج الفكري والأدبي. ف

في مجال السينما مثلاً لا يوجد من بين (250) فيلماً الأكثر إنتشاراً في العالم سوى أربعة أفلام غير أمريكية، أما إنتاج هوليود فهو يفوق ماتنتجه مجموع الدول الأوروبية مجتمعة في مجال صناعة السينما، بل أن ثلث الأفلام المستهلكة أوروبياً اليوم تحمل عناوين أمريكية. ومن المعلوم أن الأفلام الأمريكية شأنها في ذلك شأن مختلف تعبيرات الثقافة الشعبية الأمريكية من موسيقى وأغاني وفنون تشكل وعياً وأخيلة، بل هي تصوغ أحلام عشرات الملايين من البشر في مختلف قارات العالم وشعوبها.

وقد عبر الكاتب والإعلامي الأمريكي (هربر تشيلر) Herbert Schiller في كتابه الموسوم بـ(المتلاعبون بالعقول والإعلام الجماهيري والإمبراطورية الأمريكية)، إن التوسع الثقافي الكبير على صعيد السياسة الخارجية الأمريكية ما هو إلا جزء من خطة كبرى لوزارة الدفاع (البنتاغون) لإخضاع العالم للسيطرة العسكرية والمراقبة الإلكترونية، ونشر الثقافة التجارية الأمريكية على أنها (الثقافة الكونية)، وأن التفوق هو السلاح الذي يستخدمه الإعلام الأمريكي التجاري والذي لا تستطيع سوى دولا قليلة أن تواجهه.

والواقع أن النزعة الأمريكية الرامية إلى السيطرة على العالم ثقافياً تحت مسمى العولمة يُعد إتجاهاً قديماً لدى الولايات المتحدة الأمريكية. ففي الدورة (88) للكونغرس الأمريكي وفي التقرير رقم (1352) الصادر في 27/4/1964 وردت فقرة جاء فيها: يمكننا أن نحقق بعض أهداف سياستنا الخارجية من خلال التعامل المباشر مع شعوب الدول الأجنبية بدلاً من التعامل مع حكوماتها. ومن خلال إستخدام أدوات وتقنيات الإتصال الحديثة، يمكننا اليوم أن نصل إلى قطاعات كبيرة أو مؤثرة من السكان في هذه البلاد، وأن نقوم بتوجيه إعلامهم والتأثير في إتجاهاتهم، بل ويمكن في بعض الأحيان أن نحرضهم على سلوك طريق معين، وهذه المجموعات يمكن أن تمارس ضغوطاً ملحوظة وحاسمة على حكوماتها".

إن تأثير الأبعاد الثقافية على السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية يمكن ملاحظته من خلال محاولة الولايات المتحدة وعبر سلوكها السياسي الخارجي إلى تعميم الأنموذج الثقافي الأمريكي على المجتمعات الأخرى، من خلال التأثير على المفاهيم الحضارية والقيم الثقافية والأنماط السلوكية لأفراد هذه المجتمعات، بوسائل سياسية وإقتصادية وثقافية وتقنية من خلال دينامية الإختراق الثقافي وإستعمار العقول وإحتواء الخبرات.

ولا شك فإن هذا النمط من التفكير والآلية الحركية لسلوك المنفعة والإحتواء يلقى رواجاً في مختلف توجهات السياسة الخارجية الأمريكية، وقد وظفت من أجل هذا التوجه المال والخبرات والمؤسسات الثقافية والإعلامية الكبرى وأجهزة المخابرات المركزية الأمريكية، إذ يشير الصحفي الأمريكي (جيمس روستون) في هذا السياق إلى (إن الصحفيين ورؤساء تحرير الصحف الجامعيين ليسوا بالطبع أغنياء جداً، وبعضهم ضعيف ورخو أمام الإفساد المالي، ولن تتردد وكالة الإستخبارات المركزية في إستمالتهم عندما تستطيع أن تفعل ذلك).

من جانب آخر فإن الولايات المتحدة الأمريكية استخدمت وسائل مختلفة في سبيل عولمة ثقافتها وفرضها على الطرف الآخر، ولعل من أهمها الوسائل الإعلامية المختلفة المرئية والمسموعة والمقروءة، يضاف إلى ذلك ما دخل البيوت والعقول والمدارس والجامعات من وسائل تقنية حديثة مثل شبكة المعلومات الدولية (الأنترنت) والحواسب والأطباق اللاقطة للمحطات الفضائية التي لا يستطيع الفرد مهما حاول أن يحجب هيمنتها، وتأثيرها في قيم الشعوب، وهو أمر في غاية الخطورة لأن العبث بالقيم ومحاولة تغييرها هو بحد ذاته هدم للحضارة وعولمة الشعوب للإقتناع بقيم الغير حتى وأن كانت تتنافى مع خصوصيتها.

فالولايات المتحدة الأمريكية التي تعول على الأبعاد العسكرية والإقتصادية والتكنولوجية للقوة، لم تغفل أهمية سلاح الإعلام والثقافة والذي يقوم بدور التمهيد وإستكمال عملية السيطرة بإضفاء الشرعية المطلوبة عليها وإحلال القناعة بها وإحداث تغييرات فكرية وثقافية تجعل شعوب العالم ودولها راضية بالدور الجديد للولايات المتحدة الأمريكية، ولعل قيام الولايات المتحدة بإنشاء إذاعة (سوا) الأمريكية ومحطة (الحرة الفضائية) اللتان تبثان برامجهما باللغة العربية ما هي إلا محاولة لتحسين صورة الولايات المتحدة والترويج لسياستها الرامية إلى الهيمنة على الشؤون العالمية.

ولا شك فإن مجمل المواد الإعلامية والثقافية المنتجة في الولايات المتحدة الأمريكية تتميز بخصائص أساسية لعل في مقدمتها الإنتاج الواسع والتنوع، ومن ثم فأنها تتخذ طابعاً ثقافياً عاماً يعكس طريقة الحياة الأمريكية، فهي أمريكية ليس بمعنى مصدر التصنيع، وإنما بالمعنى الثقافي الذي يجعلها تعبر عن نمط معين من الثقافة، كما أن جانب من الإنتاج الذي يبدو إستهلاكياً له مردودات تتميز بالخطورة على صعيد التأثير على الآراء والأفكار أو في تشكيل قوة ضاغطة ومؤثرة على متخذي القرار في كثير من دول العالم.

وعليه فإن الولايات المتحدة الأمريكية قد تلجأ إلى إستخدام وسائل الإعلام للتأثير في الجماهير في بعض الدول التي تعتبرها الولايات المتحدة معادية لنهجها السياسي من خلال ما يسمى بـ(إستراتيجية التوتر)، والتي تتمثل في تنشيط الحركات التي تزعزع النظام القائم وإثارة التذمر وخلق الشك في السياسة الداخلية والخارجية وإثارة مشاعر المعارضة والتقليل من مكانة وهيبة القادة السياسيين، من خلال الإستخدام الفعال لآخر تقنيات الإتصال لكي تلعب بالعواطف وتسيطر على العقل بالإعتماد على التلفزيون وبالتالي الإتجاه نحو إستبدال اللغة بالصورة وهي عالمية أكثر مما تكون وطنية.

فالولايات المتحدة الأمريكية ومن خلال عملية الإختراق الإعلامي والثقافي لبقاع عديدة من العالم تسعى إلى إيجاد إنموذج حضاري مركزي مدعوم بخطاب إعلامي قوي وتقنية مؤثرة تهدف من خلاله إلى محو الهويات الوطنية والى تجاوز عملية التلاعب بالعقول إلى مرحلة إخضاعها، كسبيل لبسط نفوذها وسيطرتها على العالم، ولتحقيق الشعار الذي رفعه الرئيس الأمريكي الأسبق جورج دبليو بوش في بداية عام 1992 بأن القرن القادم هو قرن أمريكا، وأن الزعامة فيه ستكون للولايات المتحدة فقط.

ولعل ما يدعم ذلك هو أن الولايات المتحدة تتحكم لوحدها بنحو (65%) من المادة الإعلامية في العالم، الأمر الذي يشير إلى هيمنة الثقافة والقيم الأمريكية على معظم مناطق العالم، كما أن اللغة السائدة حالياً في بث قنوات الإنترنت هي اللغة الإنكليزية، والتي يبدو أن العولمة تتجه إلى جعلها لغة العالم، إذ أن 88% من معطيات الإنترنت تبث بهذه اللغة مقابل 9% بالألمانية، و2% بالفرنسية، و1% يوزع على بقية اللغات الغربية.

فالإنتشار الواسع للغة الإنكليزية ومن ثم الثقافة الأمريكية لم يؤد إلى جعلها إنموذجاً للغات والثقافات الأخرى في العالم وفي مختلف الميادين، وإنما كذلك ساعد الولايات المتحدة على توظيفها لنشر إنموذج الحياة الأمريكية في العالم وبما يديم هيمنتها الثقافية والإقتصادية والعسكرية العالمية.

ومما تقدم نجد أن الولايات المتحدة الأمريكية أخذت تعول كثيراً على وسائل الإعلام والثقافة كونها أدوات للتفاعل الضاغط والمؤثر في تعاملها الخارجي لغرض التغلغل في بلدان العالم الأخرى من أجل فرض ثقافتها وقيمها لضمان إستمرار مصالحها وإمتداد نفوذها على الصعيد العالمي.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية/2001–2017Ⓒ
http://mcsr.net

اضف تعليق