من غير الطبيعي ان يتصور المرء ان القيادة الكردية في اقليم كردستان العراق لاتدرك مسبقا طبيعة المواقف المحلية والاقليمية والدولية المضادة لموضوع استفتاء الاقليم لغرض الانفصال عن الدولة العراقية.

وطبقا لذلك تتوافر لدى تلك القيادة قراءة واضحة لطبيعة هذه المواقف والتي تتصاعد في رفضها لإجراء الاستفتاء. تعتمد القيادة الكردية منهجية براغماتية قائمة على ضمان المصالح الكردية عبر وضع سقوف عليا لمطاليبها، وهذا ما اعتمدته في تعاملها مع الحكومة الاتحادية في بغداد منذ 2003. وهي تعتمد ذات المنهجية اليوم تجاه الحكومة الاتحادية والمحيطين الاقليمي والدولي، وما موضوع الاستفتاء الا لغرض تحقيق تلك المصالح وانتزاعها من الحكومة الاتحادية وضمانها اقليمياً ودولياً.

مؤكد ان القيادة الكردية لديها قراءة حول طبيعة المتغيرات الاقليمية والدولية على اقل تقدير لاسيما طبيعة المخاوف التركية والايرانية من وجود دولة كردية في شمال العراق الامر الذي قد يزيد من وتيرة النزعة الكردية تجاه نظام الحكم في تركيا. وليس خافيا كيف تتعاطى انقرة مع اكراد سوريا في الشمال والعمليات التي قامت بها في منطقة الباب فيما سمي بعملية " درع الفرات". وكذلك الحال مع ايران التي يوجد فيها ملايين الاكراد ولهم احزاب سياسية تعتقد الادارة الايرانية انها ترتبط بعلاقات دعم مع حكومة اقليم كردستان العراق. اذ سبق وان قُتل ضابط برتبة عميد في الحرس الثوري في شمال ايران. وتتكرر العمليات العسكرية ضد القوات الايرانية من قبل حزب "بيجاك" الذي يعتبر أيديولوجيا وتنظيميا امتداداً لحزب العمال الكردستاني "ب ك ك" في تركيا، ويتواجد على المثلث الحدودي بين إيران والعراق وفي داخل اقليم كردستان العراق.

كذلك تدرك القيادة الكردية ان الاولوية لدى المجتمع الدولي وبالأخص الولايات المتحدة الاميركية والاتحاد الاوروبي هو القضاء على داعش والتنظيمات الارهابية الاخرى في اطار التحالف الدولي، وانه لابد من تعاون الاطراف في العراق على الخلاص من تلك التنظيمات الارهابية. وعلى هذا الاساس تقدم الولايات المتحدة الاميركية والاتحاد الاوربي المساعدات العسكرية والاستشارة والتدريب والمساعدات الانسانية للحكومة الاتحادية وحكومة الاقليم لتحقيق هذا الغرض.

وفيما يخص مرحلة مابعد الاستفتاء واستقلال الاقليم، تدرك القيادة الكردية ان الدولة الكردية، اذا ما تشكلت، فإنها ستعاني من مشكلة الاعتراف الاقليمي بها، وهذا ما يترتب عليه تحديات سياسية واقتصادية ليس اقلها انعدام التعامل معها كدولة وفقا لقواعد القانون الدولي، وصعوبة توفر منفذ لتصدير مواردها النفطية وهي بلا شك المصدر الوحيد لإيرادات الموازنة فيها.

ومما تقدم يتبادر الى الذهن السؤال الآتي: اذا كانت القيادة الكردية تتوافر على هكذا قراءة واقعية لطبيعة الاوضاع التي يمر بها العراق والمنطقة، فلماذا هذا الاصرار على اجراء الاستفتاء في 25 ايلول 2017 والاصرار على إجراءه في موعده؟

تعاني القيادة الكردية من ازمات ومشاكل داخلية على الصعيدين السياسي والاقتصادي بالدرجة الاساس. سياسيا، تعاني القيادة الكردية من ازمة شرعية كبيرة بعد انتهاء مدة حكم مسعود البرزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني. وهذا الامر سبب ازمة تناحر بين الاطراف الكردية وأصبح احد اطرافها هو الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال الطالباني الحليف الاقرب للحزب الديمقراطي الكردستاني. وكذلك تصاعد التوتر مع حركة التغيير وبما يهدد التحالف بين حركة التغيير والاتحاد الوطني الكردستاني.

اقتصاديا، يعاني الاقليم من ازمة مالية انعكست بشكل سلبي ومباشر على حياة المواطنين واسفرت عن انخفاض مدخولاتهم بسبب عدم القدرة على دفع المرتبات الشهرية. واذا كانت القيادة الكردية تتحجج ببغداد وانخفاض اسعار النفط الا ان السكان يلاحظون انعدام الشفافية في ايرادات الاقليم ونفقاته، وكذلك رفاهية المقربين من الحزب الحاكم وهذا ما سبب ضجر واسع دفع الكثير من السكان الى الهجرة خارج الاقليم. وطبيعي امام تلك الازمات يسعى القائمون على السلطة الى ابعاد الرأي العام الداخلي عن الازمات الداخلية بافتعال قضايا اخرى وآخرها هي قضية الاستفتاء بعد افتعال ازمات الاتفاق مع الحكومة الاتحادية حول تصدير النفط ورواتب موظفي الاقليم والبيشمركة والمناطق المتنازع عليها وديون الشركات النفطية وغيرها.

وفي ضوء ذلك، ايقنت القيادة الكردية ان نفض غبار تلك الازمات والاشكاليات وتحقيق مآربها يتطلب وضع حد اعلى لسقف المطالب وبالشكل الذي يثير الاطراف المحلية والاقليمية والدولية لكسب ضغط تلك الاطراف –وانطلاقا من مصالحهم ومخاوفهم من استقلال الإقليم- على الحكومة الاتحادية للاستجابة لطلبات الاقليم لتجاوز هذه المرحلة العصيبة التي باتت تشكل خطر وجودي يخيم على نظام الحكم الذي تمتع به الاقليم منذ عام 1992 وتعزز اكثر بعد 2003.

ويؤكد صحفي كردي "ان هناك حالة من الانقطاع الكامل بين الحاكمين والمحكومين في كردستان، فكبار المسؤولين يعيشون في عالم منفصل تماما عن عالم الناس. ذلك الانقطاع بقدر ما يهدد مستقبلا بوقوع أزمات وكوارث سياسية واجتماعية، بقدر ما يهدد مستقبل الأحزاب الحالية ذاتها". مضيفا "ان صراع الاجنحة يتواصل، قادة يتعرضون للمحاسبة والعقوبة، وآخرون للتهديد، والقاعدة غاضبة من القيادة وتطالب بالتصحيح قبل فوات الأوان. والجميع يحذر من هزيمة انتخابية مدوية اذا لم تعالج الامور، وهذه المرة لن يكون هناك منقذ خارجي".

وجاءت تصريحات الخارجية التركية لتصب بمصلحة الاقليم حينما دعت الحكومة الاتحادية وحكومة الاقليم الى الحوار للخروج بتوافق لحل المشاكل بينهما، الا انها لازالت لاتحقق طموحات الاقليم. ومع ذلك، وبعد الموقف الثابت للحكومة العراقية بعدم دستورية الاستفتاء، شكلت قيادة الاقليم وفدا من لجنة اجراء الاستفتاء لزيارة بغداد واللقاء مع الاطراف السياسية والدينية. وطرح الوفد الكردي في بغداد امكانية تأجيل الاستفتاء اذا ما ساعدت الحكومة الاتحادية الاقليم على تخطي ازمته المالية وتسوية ديون مستحقه على حكومته.

وهذا ماصرح به القيادي في الاتحاد الوطني الكردستاني ملا بختيار لوكالة رويترز:

"الكرد قد يدرسون احتمال تأجيل الاستفتاء على الاستقلال مقابل تنازلات مالية وسياسية من الحكومة المركزية في بغداد كبديل لتأجيل الاستفتاء وان بغداد مستعدة أن تحقق أي شيء للاقليم... على بغداد أن تكون مستعدة لمساعدة الكرد على تخطي أزمة مالية وتسوية ديون مستحقة على حكومتهم... وعلى الصعيد السياسي على بغداد الالتزام بالموافقة على تسوية مسألة المناطق المتنازع عليها مثل منطقة كركوك". مؤكدا ان الوفد الكردي سينقل المقترحات التي سيتلقاها إلى الأحزاب السياسية الكردية لاتخاذ قرار بشأن ما إذا كانت كافية لتبرر تأجيل الاستفتاء". وقدر ملا بختيار حجم تلك الديون بما يتراوح بين 10 و12 مليار دولار بما يساوي تقريبا الميزانية السنوية لكردستان وهي ديون مستحقة لمقاولين نفذوا أعمالا عامة وموظفين حكوميين ومقاتلين من البيشمركة لم تصرف رواتبهم كاملة منذ شهور. واكد ملا بختيار ان الوفد الكردستاني تساءل خلال اجتماعاته مع الاطراف السياسية في بغداد "هل لديكم اي بديل آخر لضمان حقوقنا؟ عندئذ سنكون على استعداد لدراسة مسألة تأجيل الإستفتاء....اي بديل قد يقدم الينا، لا يحتوي على المادة 140، وحل مسألة ميزانية ورواتب الموظفين، فنحن لن نعترف به، وسنعتبره مؤامرة تحاك ضدنا". كذلك تتكرر التصريحات الكردية حول ماهية الضمانات الدولية لتحصيل مصالح الاقليم مقابل تأجيل الاستفتاء.

لذا لابد من توافر الاطراف المحلية ولاسيما الحكومة الاتحادية على متابعة جدية لطبيعة المرحلة التي يمر بها الاقليم، وتطورات المواقف حول الاستفتاء لدى الاطراف السياسية في الاقليم. ويبدو ان تلك المتابعة موجودة وهي ما شكلت المواقف المحلية التي واجهها الوفد الكردي والتي في جلها رافضة للاستفتاء واستقلال الاقليم وخطورة الاجراء على الدولة العراقية.

تحتاج الحكومة الاتحادية الى الاستمرار بالتعامل مع الاقليم وفقا للدستور وان تهيئ الرأي العام الكردي الى ضرورة تراجع الاقليم عن سياساته الحالية وان يؤمن بأن موارد البلاد في اي محافظة او اقليم هي للبلاد ككل وبدون ذلك لن تتراجع الحكومة الاتحادية عن تعاملها مع الاقليم وستستمر بذات السياق وان التهديد بالاستفتاء والاصرار على اجراءه لن يثني الحكومة عن تعاملها الجاري. كذلك نتوقع ان يكون هناك ضغط اقليمي ودولي على الحكومة قريب موعد الاستفتاء لتحقق مطالب الاقليم وهذا يحتاج الى توضيح الامر وابعاد الشأن العراقي عن الضغوط والتدخلات الخارجية.

* رئيس قسم حقوق الانسان-مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2017
www.fcdrs.com

اضف تعليق