يتحدد الإطار السياسي الخارجي لحركة الدولة في إطار علاقاتها الدولية عن طريق العلاقة التفاعلية بين ما هو ثابت من أهدافها، والمتغيرات الإقليمية والدولية بقصد الإسهام في الوسائل التي تعتمدها هذه الدولة من أجل تنفيذ مقوماتها الأساسية ضمن إطار توجهاتها السياسية. وهو ما يفترض إنتهاج الدول للسلوك العقلاني والموضوعي من خلال إدراكها لطبيعة الأحداث والتطورات الجارية في الجوار الجغرافي، ومدى التأثير الذي يمكن أن يتركه ذلك على نفوذها ومكانتها في المنطقة، مع الأخذ بنظر الإعتبار إمكانات وقدرات الدول في تحقيق أهدافها.

بمعنى أن الدول وهي تسعى لتطوير علاقاتها الخارجية، فإنها تعتمد في سبيل ذلك عدة وسائل وأدوات، تحاول من خلالها ترجمة الأهداف المخطط لها إلى واقع ملموس، وهذه الوسائل تتنوع وتتعدد بحسب طبيعة تلك الأهداف وأهميتها، وهي تختلف من دولة لأخرى حسب إمكانيات كل دولة وقدراتها، وتأتي في مقدمة تلك الوسائل (الوسيلة الإقتصادية، السياسية، العسكرية والأمنية).

وفي ضوء ما تقدم، فإن دراسة علاقات العراق مع دول مجلس التعاون الخليجي تكتنفها العديد من عناصر التعقيد والتشعب نظراً لطبيعتها المزدوجة التي تجمع بين عناصر التعاون وعناصر الصراع. فقبل دخول القوات العراقية للكويت في آب 1990 تميزت العلاقات بين الطرفين بالإنسجام والتناغم في المصالح المشتركة، إلا أن تداعيات تلك الأحداث أدت إلى إصابتها بالجمود والإنقطاع.

أما بعد الإحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، فقد اتخذت دول مجلس التعاون الخليجي تجاه العراق مواقف مترددة بدءاً من ظهور مجلس الحكم العراقي الإنتقالي، إلا أن ذلك لا يعني عدم منح الأولوية للأوضاع الداخلية في العراق بسبب إدراك الدول الخليجية أنه من الضروري مراقبة الوضع العراقي خوفاً من إنعكاس تلك الأوضاع مستقبلاً سواء سلباً أو إيجاباً على الأوضاع الداخلية فيها، إذ أن دول مجلس التعاون الخليجي كانت تخشى من أن تنتقل مظاهر الإنفلات الأمني وعدم الإستقرار التي تلت الإحتلال إلى دولها، مما يؤثر سلباً على أوضاعها الداخلية.

وإنطلاقاً من أن مصالح الدول لا يمكنها أن تكون على الدوام متقاربة أو متباعدة مع الأطراف الأخرى، إذ يحدد ذلك مجموعة من المتغيرات السياسية السائدة، فضلاً عن العوامل الإقليمية والدولية المحيطة بتلك العلاقات. لذا يلاحظ أن العلاقات العراقية ـــ الخليجية بعد الإحتلال الأمريكي للعراق أخذت تتسم بالتقارب والإنفتاح، إنطلاقاً من طبيعة المصالح المتبادلة بين الطرفين.

ومهما تكن تلك المصالح التي تجمع بين الطرفين، فإن دخول الولايات المتحدة الأمريكية إلى الساحة العراقية ترك أثراً فاعلاً في طبيعة تلك العلاقات، ولا سيما في جانب الدول الخليجية، إذ أعطى رسالة واضحة إلى دول مجلس التعاون الخليجي مفادها: أهمية منح العلاقات مع العراق درجة عالية من الأهمية والنضوج لإعتبارات عدة لعل في مقدمتها "لكي تكون هذه الدول قريبة من الخريطة السياسية العراقية لتفهم إرهاصاتها والتي يمكن أن تصيب الجسد السياسي الخليجي، فضلاً عن إتاحة المجال أمام القطاع الخاص الخليجي للدخول من البوابة الإقتصادية في العراق".

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن دراسة مستقبل أي ظاهرة سياسية أو مشكلة ما يتطلب رؤية علمية موضوعية وشفافة لما هو واقع في تلك الظاهرة، والبيئة التي تعيش في أحضانها، ناهيك عن تأثير حدود حركتها الدولية، ومسارات تفاعلاتها الإقليمية والدولية. فالدول يجب أن تهتم بالنظر إلى المستقبل ليس لأسباب تتعلق بممارسة نوع من الترف الفكري أو لقياس مدى تأثير الإحتمالات المستقبلية على النظام السياسي من حيث بقاءه أو إندثاره فحسب، وإنما تسعى الدول التي تبحث عن تحقيق مصالحها القومية أن تستكشف أو تضع صورة تقريبية لما سيكون عليه المستقبل المنظور، ووضع البدائل لنمط حركتها الدولية، ومجابهة التحديات التي تحد من حركتها الخارجية.

لقد حالت وعلى مدى عقود من الزمن العديد من الأسباب الذاتية والموضوعية دون بناء علاقات وثيقة بين العراق ودول مجلس التعاون الخليجي، على الرغم من كون العراق بلد خليجي الإنتماء جغرافياً وتأريخياً، إلا أن طبيعة التحديات والتهديدات التي تمر بها منطقة الشرق الأوسط عموماً والخليج العربي على وجه الخصوص يؤكد على ضرورة إعادة الثقة المتبادلة وتطور العلاقات العراقيةــ الخليجية كونها تعود بالفائدة والمصلحة على الجميع، وإن هذه العلاقات تستمد قوتها من معطيات ثابتة لعل في مقدمتها الجغرافية والتأريخ والعلاقات الإجتماعية ووحدة الحضارة والإنتماء، مما يعني الحاجة إلى مراجعة موضوعية لتلك العلاقات وتحويلها إلى علاقات مثمرة ومتطورة.

ولعل الوصول إلى تلك القناعة يتطلب من دول مجلس التعاون الخليجي إدراك أن العراق يشكل محور جيوسياسي مهم وفعال على الصعيد العربي والإسلامي والإقليمي ويلقي بظلاله على معادلة التوازن الدولي وتوازن المصالح ويشكل همزة الوصل السياسية والإقتصادية والأمنية والعسكرية بين أوروبا والخليج العربي، وهو حجر الزاوية في الجسد العربي ويفترض من دول المجلس أن تتعامل مع الملف العراقي وفق تلك الحقائق والمعطيات.

وإستناداً إلى هذا الثقل الإستراتيجي الذي يحتله العراق فأن الحاجة إلى خلق توافق عراقي -خليجي حول متطلبات وشروط الأمن الإقليمي تبدو حاجة ملحة وضرورية. غير أن ذلك التوافق قد لا يقود إلى نوع من التحالفات أو عقد معاهدة للأمن الجماعي، نظراً لظروف المنطقة وخصوصية بنيتها السياسية، لذلك فأن النظرة الأكثر واقعية هي بإتجاه خلق قواسم مشتركة بين الأطراف كافة بحيث تقود إلى بناء علاقات تقوم على أساس المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة وصولاً إلى دمج العراق في محيطه والقبول به كطرف في معادلات الأمن والتعاون الخليجي مستقبلاً.

ولاشك فإن حرص دول مجلس التعاون الخليجي على العراق ووحدته، والحفاظ على كينونته، يمكن أن تشكل حافزاً نحو تطوير مجالات العلاقات مع العراق في المجالات السياسية، والإقتصادية، والمجتمعية، وقد يكون التعامل (البراغماتي) الخليجي مع المشهد السياسي العراقي الجديد هو السبيل لوضع لمسات تعاونية مع العراق لأنها قد تسهل عملية تواجدها الإقتصادي، وتنمي إستثماراتها في العراق إنطلاقاً من تغليب المصلحة القومية الخليجية في المجال الإقتصادي وهي القناة الأمثل لصيغة التعاون مع العراق، وقد تراعي دول المجلس التداعيات المحتملة عليها بحيث تبدو فرصة ميلها لوضع هذا التطور حافزاً لها لتجنب تلك التداعيات لإجراء بعض التعديلات الداخلية فيها ولاسيما في المجالات السياسية والبرلمانية تتناغم مع ما ظهر في العراق من تطورات سياسية داخلية بعد الإحتلال الأمريكي.

وما تقدم، نخلص إلى أن العراق بموقعه الجغرافي المهم، ولعمقه التأريخي الممتد عبر العصور والأزمان، فضلاً عن مقومات القوة التي يمتلكها وعلى مختلف الأصعدة يعد عنصراً فاعلاً في كافة التفاعلات الإقليمية والدولية، الأمر الذي يستوجب إبراز دور العراق المؤثر في النطاق الإقليمي وتعزيز مكانته بوصفه عاملاُ موازناً في المنطقة، بدلاً من محاولة تحجيم دوره والحيلولة دون تقدمه، مما يرتب على الدول الإقليمية ولاسيما دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية ضرورة الحفاظ على مكانة العراق ووحدته وإستقراره وإستمرارية دوره في المنطقة والعمل على تجاوز آثار الماضي والتخطيط نحو المستقبل وفقاً لمنطق العقل والحكمة والمصالح المتحققة من التقارب مع العراق، ولا شك فأن ذلك يعتمد بالدرجة الأساس على مدى توفر الإرادة السياسية الخليجية للسير بهذا الطريق وصولاً إلى تفعيل المصالح المشتركة بين العراق ودول المجلس.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية/2001–2017Ⓒ
http://mcsr.net

اضف تعليق