هل كانت وسائل الاعلام العراقية بمستوى الحرب ضد الارهاب؟ سؤال شغل بال الكثير من المواطنين، والقليل من المختصين! منذ بداية الحرب ضد داعش، والاجابة عنه كانت تعتمد في اغلبها الى التبسيط الذي لا يستند الى دليل علمي او حجة منطقية.

انشطرت الاجاب الى فريقين، هناك من يقول ان الاعلام العراقي نجح في الاسناد النفسي للحرب على الارهاب، ويستدل بذلك على مرابطة الصحفيين مع القوات العراقية منذ اليوم الاول للحرب وليس انتهاء بيوم اعلان النصر، كما يرى هذا الفريق ان مستوى الاقدام لدى الصحفيين يحتم علينا تقديم الشكر والامتنان لهم، وان "الكم" الهائل في التغطيات الاعلامية والمساحة الزمنية المخصصة دليلا على النجاح.

ويرى الفريق الثاني ان وسائل الاعلام العرقية فشلت بتأدية واجباتها في مواجهة الاعلام المضاد اولا، وتسويق النصر ثانياً، لان الامكانات المادية والبشرية التي تمتلكها، وخاصة المراسلين المرابطين في الخطوط الامامية لم تترجم الى تأثير واضح على اتجاهات الراي العام المحلي والاقليمي، (لان الدعاية الناجحة حسب وجهة النظر هذه لا تقاس بقدرة الصحفي على المرابطة مع المقاتلين في الميدان والدخول الى الخطوط الامامية للمعارك فقط ، ومهمة الاعلام ليس احتلال الارض كما يفعل الجيش بل التوغل داخل العقول، فهو رسالة في النهاية).

ميزان القياس

قبل تاييد او رفض وجهتي النظر انفة الذكر يتفق الخبراء والحكومة العراقية ايضا على ان الحرب ضد داعش كانت حربا اقليمية ودولية جرت على ارض العراق، ووظفت الدول مختلف ادواتها للتاثير على مسار الحرب (نفسيا وعسكريا)، وبما ان لكل دولة ادواتها العسكرية والنفسية بحسب حجمها وقوتها، فقد اختلفت موازين الانتصار العسكري والتاثير النفسي، (الاقوى يحقق انتصارات اكثر)، والعراق كان ضعيفا في كل المجالات، فجاءت فتوى المرجعية الدينية لتحقق تفوقا عسكريا بتشكيلات الحشد الشعبي، لكن الادوات الاعلامية (النفسية)، بقيت نفسها وهي ادوات محلية اريد لها ان تواجه ماكنة دعائية دولية!.

في اي عملية تقييم هناك معيار او ميزان لمعرفة حجم الشيء، وفي تغطية وسائل الاعلام العراقية للحرب ضد داعش تكمن المشكلة في المقارنة من اصلها، فالكفة الثانية لميزان النجاح كانت من الوزن الثقيل على عكس وسائل اعلامنا الفتية، فهل يمكن ان نقارن بين فضائية تلفزيونية محلية برامجية عامة مع وسيلة اعلام عربية او عالمية متخصصة في مجال الاخبار؟

فوسائل الاعلام العراقية منذ عام 2003 وحتى احتلال داعش للموصل اتسمت بالطابع المحلي، وان حاولت بعض القنوات محاكات القنوات الكبرى، لكن لم تخرج اي قناة عراقية عن طابعها المحلي، والخطاب الاعلامي العام يتمحور حول الصراعات السياسية والموضوعات الداخلية التي تهم المواطن العراقي، وبالتالي فهي تفقد لمقومات الاعلام العالمي، وهذه ليست جريمة المراسل او المحرر الذي يرابط مع العسكريين في الخطوط الامامية، انها جريمة الادارات العليا والقيادات في البلد سواء الحزبية او الحكومية التي لم تعد الذخيرة الاعلامية لمثل هكذا ايام.

وتقول بعض استطلاعات الراي ومنها الاستطلاع الذي اجرته وكالة المسلة الاخبارية والتي قالت بان الاعلام العراقي فشل في مواكبة الحرب على الارهاب والفساد، بسبب سوء ادارة المؤسسات الاعلامية العراقية وغياب المهنية في العمل، وحتى الذين اجابوا بالإيجاب اكدوا ان مواكبتها كانت لنطاق محدود لا تلبي الطموحات.

وسائل الاعلام المؤثرة بالراي العام هي الشبكات العالمية الكبرى، التي تعتمد على اساليب مبتكرة في عرض مضامينها الاعلامية، وهي بالكاد لا تتجاوز اصابع اليدين، يضاف لها ارتباطها بالدول الكبرى عسكريا او ماليا، وهذه خاصية مهمة تسهم في زيادة انتشار القنوات الفضائية، وتزيد من حضورها على الساحة الاعلامية.

انها تتمتع بمستوى عال من الاقناع، مقارنة بوسائل الاعلام المحلية التي ينظر اليها على انها مكاتب علاقات عامة للجهات التي تمولها، وهي لا تنشر الا جوانب صغيرة من المعارك بما يتناسب وحجم تطلعات مموليها (السياسيين)، ومن ثم فهي لم تؤثر في الجمهور لدرجة اجباره على الاعتماد عليها، خاصة مع توافر البدائل الدولية التي تقدم صورة اوسع عن الحدث حتى وان لم تكن كاملة بما يكفي لكنها افضل بكثير عن تلك التي تنشرها وسائل الاعلام المحلية.

خطوات مستقبلية

بما ان معيار النجاح لاي مؤسسة اعلامية يقاس بمدى تاثيرها على جمهورها، وبما ان وسائل الاعلام العراقية قد افتقدت هذه الميزة، يمكن القول انها لم تصل الى مستوى الطموح في هذه الحرب، لكن ذلك لا يقلل من قيمة الجهود التي بذلت من قبل الصحفيين الذين كانوا جنودا حقيقيين لنقل ما يستطيعون نقله بادواتهم البسيطة والدعم المحدود من ادارات مؤسساتهم الاعلامية، ونعتقد ان الازمة التي يعاني منها الاعلامي العراقي، لها ارتباط بالازمات السياسية والاجتماعية التي يعاني منها البلد، وانعكس ذلك بشكل واضح على وسائل الاعلام لانه دائما ما تكون المرآة التي تعكس حالة البلد، ومن اجل مواجهة التحديات الاعلامية في المستقبل هناك بعض الخطوات التي لا بد منها لتحقيق فاعلية اكبر لوسائل الاعلام العراقية وهي كالاتي:

اولاً: استحداث مراكز للدراسات الاعلامية، مهمتها تقييم عمل وسائل الاعلام العراقية، وتقديم الرؤى من اجل تشخيص الاخطاء وتوضيح سبل علاجها، وابراز الجوانب الايجابية وسبل الافادة منها.

ثانياً: فتح مراكز للتدريب الاعلامي، اذ من غير المعقول ان لا يخضع الصحفي الى دورات مكثفة بشكل دوري (على الاقل مرة كل عام) ليواكب اليات التحرير الحديثة واستخدام التقنيات الجديدة والتعرف الى طبيعة التطورات المتسارعة في المجال الاعلامي.

ثالثاً: منح مساحة اكبر من الحرية للصحفيين والادارات الاعلامية، من اجل القيام بوظيفتها بالشكل المطلوب، لا سيما مع ما يتعرض له الصحفيين من ضغوطات من قبل الجهات التي تدعم مؤسساتهم، والتي تهدف الى تحقيق اهداف قد تاثر على سمعة المؤسسة الاعلامية نفسها، من حيث انخفاض مستوى المصداقية وبالتالي عزوف الجمهور عنها.

رابعاً: العمل على صناعة نجوم اعلاميين او كسب اعلاميين عراقيين يعملون في مؤسسات اعلامية دولية، ما يدعم مؤسساتنا المحلية ويزيد من اقبال الجمهور عليها.

خامساً: العمل على فتح قناة فضائية عراقية تخاطب الجمهور الخارجي (العربي والدولي)، وما يرتبط بذلك من حيث عدم خضوعها للكثير من معايير اللغة الاعلامية المحلية، بما يسهم في صناعة صورة ايجابية عن العراق توازي حجمه الحقيقي على الساحة الاقليمية والدولية.

سادساً: انشاء وكالة انباء عراقية وطنية تكون مصدرا رئيسياً لفهم القرارات التي تصدر من الحكومة العراقية، اذ تفهم الكثير من سياسيات الدول وخاصة في الشرق الاوسط عن طريق ما تعرضه وكالة الانباء الوطنية وهذا ما نفتقده في العراق.

سابعاً: اصدار قانون للاعلام العراقي تحت مسمى "قانون الاعلام العراقي" يركز فيه على حرية "الوصول والحصول" على المعلومات، من مصادرها الرسمية، اذ نرى ان اغلب القيادات العراقية والمؤسسات الرسمية لا تعطي معلومات لوسائل الاعلام العراقية في حين نجد ان الكثير من تلك المعلومات تصل الى وسائل الاعلام العالمية! كما يجب ان يتضمن هذا القانون بنودا محددة تفرض على وسائل الاعلام تعزيز القيم الوطنية العراقية واحترام سيادة البلد.

ثامناً: وضع سياسة اعلامية وطنية محددة بعد نقاشات معمقة من قبل المؤسسات الاعلامية العراقية، تمثل اطاراً عاما للتعامل مع مختلف الاحداث التي تجري في البلد او حتى خارجه، وهذا بطبيعة الحال يفترض ان يتوافق مع استقرار سياسي او على الاقل اتفاق سياسي بين مختلف القوى الفاعلة من اجل تنحية الخطاب الاعلامي الوطني عن الخلافات الحزبية الجانبية.

تاسعاً: تاسيس النوادي الاعلامية والمهرجانات السنوية من اجل تشجيع التنافس الاعلامي، والانتقال من حالة الجمود التي يعاني من الصحفي العراقي، حيث تحول عمله الى روتين يومي.

.......................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق


التعليقات

حيدر
العراق
الاعلام هو القوة الناعمة المفقودة، بل العكس يقوم المثقفين بعملية تسقيط لمشروع بناء العراق، لكن هذا لايجوز للاعلاميين ان يبرروا فشل السياسيين وتسرطن الفاسدين، والنقد هو اهم عناصر القوة الاعلاميةالبناءة2017-07-11