لا يمكن تحديد قيمة النتائج دون الرجوع الى الاهداف، فكل عملية لا بد أن تمر بسلسلة من الإجراءات التي تكون نتيجتها تحقيق هدف مرسوم في ذهن القائم على تلك العملية، والأهداف لا تعني التقليل من قيمة الجوانب الأخرى بقدر ما هي وسيلة لتركيز الانتباه وضبط تسلسل للأولويات.

بعد هجمة داعش الوحشية على العراق؛ تطوع الرجال دفاعا عن الاراضي التي استبيحت، وكانت الأهداف العراقية عسكرية محضة تتمحور حول طرد التنظيم الارهابي من المدن التي احتلها، ودفعه الى أبعد نقطة عن المدن التي تجاور حدوده الجديدة. وخطاب المرجعية للمقاتلين كان الفيصل في هذا المجال حينما قالت: " إن من يضحي منكم في سبيل الدفاع عن وطنه واهله فانه يكون شهيدا". فالدفاع عن الوطن والحفاظ على أرواح المواطنين كانت الهدف (وقد تم ذلك). والاستشهاد بالنسبة للمقاتلين كان متوقعا منذ البداية لان الحرب مع داعش ليست نزهة لذلك من الطبيعي أن يسقط الكثير والكثير جدا من الشهداء والجرحى.

ومن هنا لا يمكن تقليل قيمة الانجاز بسبب حجم الخسائر المادية والبشرية (وربما سقط بعض رجالنا نتيجة اخطاء في التخطيط)، لكن قيمة النصر لا تقاس بهذه الطريقة انها تكمن بحجم الخطر الذي دفعه شبابنا عن العراق. فقد تم استرجاع الارض وعادت الكثير من العوامل النازحة والأخرى بالانتظار وتم القضاء على داعش (أليس هذا هو النصر؟ واذا لم يكن كذلك فكيف هو اذن؟)

في التاريخ دروس وعبر، وبقراءته فهم وحكم في كل ما اختلط فيه الفهم، ولو عدنا قليلا للحرب العالمية الثانية نجد ان الاتحاد السوفيتي خسر أكثر من 20,000,000 (عشرين مليون قتيل) ما بين عسكري ومدني وبعض التقارير تقول 26.6 مليون قتيل ما بين مدني وعسكري منهم 8.7 مليون من العسكريين. (الا تعد هذه الأعداد المهولة خسارة وليس نصرا!؟) لكن روسيا لا تعترف بلغة الارقام التي ذهبت بل تحتفل لانها اوقفت نزيف الدم الذي كاد يقتل شعبها ويدفن تاريخها الى الاربد، وهي سنويا تعد يوم القضاء على عدوها النازي اعظم اعيادها الوطنية.

اذن النصر لا يقاس بحجم الخسائر فقط بل بمستوى العدو الذي هزمناه وبحجم الخطر الذي تم دفعه وهذا الخطر لو استمر لحصد اكثر من هذه الأرواح أضعافا مضاعفة. لو استرجعنا مشاعر الذعر والخوف ايام احتلال داعش ٢٠١٤ لقدرنا قيمة المنجز الوطني هذه الأيام، فقد كانت النفوس تعيش القلق بأقصى حدوده والحياة اصبحت على حافة الهاوية، والكل يتوقع مجزرة جديدة قد لا تخطئه.

البعض لا يعد ما حدث نصرا وهو يطالب بنصر شامل، يتحقق عن طريق توافق سياسي وبناء حكومة ممثلة للشعب، وتوفير كل ما يحتاجه ابناء الوطن، وهذا مطلب جميل بل لا يرفضه الا فاقدي العقول والغيرة على الوطن، الا ان هذا يأتي في المرحلة الثانية من الحرب، انه الخطوة التالية للنصر والتي سوف تبنى على الاسس التي وضعها الرجال بتضحياتهم.

وما يثير في النفس سؤالا هو الطريقة التي تحقق استمرار مسيرة النصر العسكري ليتحول الى نصر سياسي، من يقوم بهذا بحمل راية هذه المسيرة الجديدة؟ وهل هو اهل لهذه الراية ام انه خاضع لقانون التجربة والخطأ؟ لنكتشف بعد حين اننا نعود لنقطة البداية وربما نقطة اللاعودة، وهل نستطيع تعلم الدروس من المعركة العسكرية، بان الاهداف لا يمكن ان تتحقق دفعة واحدة، بل تحتاج الى صبر وتخطيط سليم وفرز من هم خارج قواعد الحرب. هذه الاسئلة واسئلة اخرى تفرزها المرحلة المقبلة تحتاج الى اجابة متأنية من المتصديين لإدارة البلد، والمدافعين عن هيبة الدولة اصحاب الحناجر الوطنية (جيوش المتظاهرين). ومن لا يجيب على السؤال لا يمكنه ان يعبر للمرحلة التي تليها، مرحلة الاستقرار المجتمعي وتحقيق رفاهية المواطن العراقي.

وفي المحصلة النهائية يبقى النصر العراقي عظيم بعظمة الرجال الذين قاتلوا وما زالوا يقاتلون تحت اقسى الظروف، ومن يساندهم بالكلمة الطيبة او ينصرهم عن طريق اساليب التعبير عن الراي المتعارف عليها. أما محاولة ربط بعض الملفات السياسية والخدماتية مع ما تحقق على أرض المعركة وتشبيك الاوراق فهو إما نتيجة فهم خاطئ أو محاولة (حاسد لا منتمي للعراق) الغاية منها تحويل الأنظار عن الإنجاز العراقي العظيم.

.....................................................................................
* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة المعلوماتية.

اضف تعليق