تشكل الأزمة الخليجية القائمة بين قطر والمملكة العربية السعودية من جهة، وبين قطر والإمارات والبحرين من جهة أخرى، أزمة متعددة الأبعاد وذات مضامين وأهداف تتجاوز كونها إختلاف في وجهات النظر حول معالجة بعض القضايا الإقليمية، فضلاً عن كونها أزمة ليست جديدة، إذ سبق وإن اتسمت العلاقات القطرية الخليجية بالتوتر وغياب الثقة خلال السنوات السابقة.

ولعل أزمة أو نزاعات الحدود بين قطر والسعودية وقطر والبحرين في حقبة التسعينيات من القرن الماضي كادت أن تعصف بالمنظومة الخليجية، متمثلة بمجلس التعاون الخليجي ثم عادت تلك الخلافات مرة أخرى خلال عام 2014 والتي عرفت (بأزمة السفراء)، عندما قامت السعودية والإمارات والبحرين بسحب سفراءها من قطر إحتجاجاً على خروجها عن التوافق الخليجي آنذاك، وهو ما دفع الأسرة الحاكمة في قطر إلى إعطاء ضمانات إلى الأطراف الخليجية عبر إتفاق جرى بين الأطراف المعنية مهد لتجاوز تلك الخلافات في تلك المرحلة.

ويبدو أن لعنة التاريخ لازالت تتحكم بالعلاقات القطرية الخليجية، إذ أن ما يجري الآن من أزمة ثقة وغياب التوافق الخليجي في العديد من القضايا والأحداث الإقليمية والدولية يؤشر على عمق تلك الأزمة وتداعياتها المحتملة على منظومة مجلس التعاون لدول الخليج العربية، كونها أخطر أزمة تعصب بالمنطقة وتهدد ذلك الكيان لما وصلت إليه هذه الأزمة من تصعيد وتوتر وصل إلى حد قطع العلاقات الدبلوماسية مع قطر من قبل ثلاثة دول خليجية (السعودية، الإمارات والبحرين) وإغلاق الحدود والمجال الجوي والبحري معها، الأمر الذي يعني تهديد المنظومة الخليجية إذا لم يتم تدارك تداعيات تلك الأزمة وإحتوائها ضمن حدودها الدنيا وعدم وصولها إلى مستويات لا يمكن السيطرة عليها.

وهنا لابد من الإشارة بأن ما يجري من توتر وتصعيد خطر بين الدول الخليجية ليس ببعيد عن المشهد العربي الذي يعاني تدهوراً سياسياً وإقتصادياً وأمنياً وغياب الثقة بين أطراف النظام العربي وفقدان التواصل والحوار البناء بين جميع الأطراف، إذ لم تكن الدول الخليجية في مأمن من أجواء التوتر التي طالت بعض الدول العربية نظراً للطبيعة البنيوية والخلافات الخليجية-الخليجية على الرغم من حالة التوافق الظاهرية المبنية على المصالح والأهداف المحلية الضيقة لكل بلد من البلدان وتقاطع تلك المصالح مع بعضها البعض بحثاً عن الدور والنفوذ في النطاق الجغرافي الإقليمي.

قطر.. وتداعيات الأزمة داخلياً

إن الأزمة الخليجية الراهنة لها تأثيرات وتداعيات خطيرة على مجمل الأوضاع السياسية والإجتماعية والإقتصادية في قطر نظراً لإعتماد قطر في تلبية إحتياجات السوق المحلية ومتطلبات التنمية الإقتصادية على دول الجوار الجغرافي ولاسيما السعودية والإمارات وهو ما يترتب على قطع العلاقات وإغلاق الحدود والموانئ بوجه السفن القطرية تدهور تلك الأوضاع.

ومما يعزز من ذلك إنخفاض مستوى دخل الفرد القطري الذي يصل إلى نحو (100) ألف دولار سنوياً مما يترتب عليه تدهور وتراجع ذلك المستوى، فضلاً عن كون البنية التحتية القطرية تعتمد بالدرجة الأساس على العمالة الأجنبية الوافدة التي يقدر عددها بنحو (3) مليون نسمة، وهي نسبة تفوق عدد سكان قطر الأصليين ومن ثم فإن غياب تلك العمالة وخروجها من البلاد يترتب عليه توقف عجلة البناء والإقتصاد القطري في المستقبل.

إلى جانب ذلك فإن عملية الحصار المفروض على قطر كونها جزء من مجلس التعاون لدول الخليج العربية ربما يتجاوز الحدود المرسومة الحالية ليصل إلى مرحلة تدفع بقطر إلى تعليق عضويتها في هذا المجلس مما يترتب عليه تصعيد الموقف ووصوله إلى مستويات خطيرة إنطلاقاً من أن قطر ستكون عدواً مشتركاً للدول الخليجية الأخرى.

الأهداف الخفية من الأزمة الحالية

إن التبريرات التي إنطلقت منها الدول الخليجية في مقاطعتها لقطر لا تبتعد عن كونها مبررات ليست بجديدة وصلت إلى إتهام قطر بدعم الإرهاب وتمويل الحركات الإسلامية المتطرفة متناسية تلك الأطراف إنها جزء لا يتجزأ من عوامل ديمومة تلك التنظيمات الإرهابية وتمويل الإرهاب في دول المنطقة، ولا سيما في العراق وسوريا وهو ما يدفعنا إلى التساؤل عن الأهداف الحقيقية التي تقف وراء تصعيد الموقف ووصوله إلى مستوياته الحالية؟

يمكن القول أن الأزمة الراهنة هي إحدى تداعيات القمة الأمريكية ـ السعودية ـ الإسلامية، إذ كان أحد أهداف تلك القمة إبراز دور السعودية كونها الدولة الإقليمية القائدة التي لا يمكن لأحد أن يناظرها أو يعترض على أدوارها المرسومة مسبقاً من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، وقد شكلت قطر بسياساتها السابقة وخطها المستقل داخل منظومة مجلس التعاون الخليجي، فضلاً عن مواقفها من القضايا والأحداث في العديد من الدول العربية إبتعاداً عن النهج المتبع في دول مجلس التعاون الخليجي وخروجاً عن الإطار الجامع لهذه الدول وهو التوافق التام في معالجة القضايا الإقليمية، فضلاً عن طبيعة السياسة القطرية التي ترى أن إيران دولة إقليمية لا يمكن إغفال دورها في المنطقة وهو ما شكل رفضاً للدور السعودي وللسياسة المتبعة تجاه إيران.

إن الأزمة الحالية لا تخرج عن كونها صراع على الدور الإقليمي بين السعودية وقطر وأزمة تعكس صراع الإرادات بين هذه الدول لفرض قرارها وسياساتها على معظم القضايا والأحداث التي تجري على الساحة العربية والخليجية، ومما ساهم في تسارع تلك الأحداث هو دور الولايات المتحدة وتدخلها القوي في المنطقة وسعيها إلى إعادة ترتيب البيت الخليجي مما يتناسب مع مصالحها وأهدافها القومية إنطلاقاً من أن إدارة العلاقات بين دول المنطقة يتم من الخارج ولكن بأدوات محلية من خلال الإعتماد على دول إقليمية محددة مسبقاً.

حدود الأزمة.. والحلول المتوقعة

قد يذهب البعض في تصوره للمراحل التي يمكن أن تصلها الأزمة إلى المبالغة بنتائجها ووصولها إلى مستويات خطيرة بناءاً على التاريخ المليء بالتوترات والأزمات بين الدول الخليجية ولاسيما السعودية وقطر. إلا أن الواقع يشير إلى عكس ذلك كون المنطقة هي جزء لا يتجزأ من لعبة دولية كبرى ومن صراع إرادات إقليمية ودولية تسعى كل منها لأن تكون الطرف الغالب لا المغلوب في هذه اللعبة.

وبالإستناد إلى المعطيات والأحداث الإقليمية وطبيعة البيئة الدولية يمكن القول بأن هذه الأزمة هي من نوع الأزمات المسيطر عليها والتي لن تخرج عن حدودها كونها تمس منطقة الخليج بصورة عامة والتي تعد جزء مهما من المصالح القومية للولايات المتحدة الأمريكية.

وعليه فإن الوصول إلى حلول لهذه الأزمة إذا ما فشلت الجهود المبذولة خليجياً تبقى مرهونة بالدور الأمريكي وكيفية التعاطي مع هذه الأزمة، والذي يتابع ويستقرأ تطوراتها وتداعياتها دون الدخول فيها حالياً، إلى أن يحين الوقت المحدد للتدخل وهنا سوف يكون الدور الأمريكي دور محوري ورئيس في الوصول إلى تفاهمات وحلول وسطية إنطلاقاً من منطق لا غالب ولا مغلوب حفاظاً على تماسك البنية الخليجية ومما يعزز ذلك إن الولايات المتحدة لا زالت تعتمد على قاعدتها العسكرية في العديد بقطر في القيام بتحركاتها العسكرية في الجوار الإقليمي.

فضلاً عن ذلك فإن عدم الوصول إلى حلول لهذه الأزمة ربما يغري ويحفز دول أخرى مثل روسيا وإيران وتركيا على دخول الميدان ومحاولة التأثير على قطر ودفعها للتقارب مع هذه الدول بغية الوصول إلى قواسم مشتركة لتحقيق تكتل أو محور مضاد للمحور الخليجي-الأمريكي، ومما يعزز من خشية ذلك التوجه أن قطر وإيران وروسيا تأتي في مقدمة دول العالم من حيث إحتياطي وإنتاج الغاز الطبيعي عالمياً ما يعني الإستحواذ على الإنتاج العالمي للغاز ومحاولة تحقيق أهدافها عبر المساومة في هذا الجانب، وهو أمر لا يمكن للولايات المتحدة أن تسمح بالوصول إليه، مما يشير إلى محورية الدور الأمريكي مستقبلاً في السيطرة على هذه الأزمة وتطويقها في حدودها الخليجية، وهو ما يفسح المجال أمام التوصل إلى حلول توافقية تصل بالأزمة إلى نهايتها الأخيرة.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية 2001–2017 Ⓒ
http://mcsr.net

اضف تعليق