تميزّت منطقة كُردستان العراق منذ عام 1992 بمميزات عدة جعلت منها وكأنها منطقة شبه مستقلة عن السلطة المركزية، بعد أن أنشأت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا منطقة الحظر الجوي في شمال العراق، ومنذ ذلك الوقت، سيطر حزبان كبيران على إقليم كُردستان، هما الحزب الديمقراطي الكُردستاني والإتحاد الوطني الكُردستاني، ومع أن الحزبين حاربا النظام العراقي في الثمانينات، فقد حاربا أيضا بعضهما بعضا في منتصف التسعينات، قبل التوصل إلى تسوية سلمية لتقاسم السلطة.

وقد قدم الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 فرصة سانحة للأكراد الذين أصبحوا يتمتعون بمزايا الاستقلال، ويعيشون مظاهر الدولة المستقرة، بعد أن توفرت لهم مظاهر الدولة العصرية من علم ودستور ونشيد قومي، وإستقلالية المؤسسات الكُردية، كالرئاسة والبرلمان وحرس حدود وجمارك موزعة على المنافذ الحدودية، وأصبحت تستقبل البعثات والوفود الرسمية في مطاراتها، وتتحاور معهم على أرضها، وتعقد معهم الصفقات والإتفاقيات الثنائية، كما يعمل ممثلو الإقليم بشكل مستقل عن البعثات العراقية في الخارج، ويمتلك الإقليم قوات خاصة هي البيشمركة يصل عددها إلى نحو (200) الف جندي. فضلاً عن فرض إجراءات مشددة على أبناء المحافظات الأخرى الراغبين بزيارة الإقليم، وهي تشبه الإجراءات التي تتخذها الدول ذات السيادة التامة.

إلى جانب ما تقدم، فقد كان الدستور الكُردي واضحاً في رسم حدود الدولة الجديدة، إذ أشارت المادة الأولى إلى أن كُردستان العراق تتكون من محافظة دهوك بحدودها الإدارية الحالية ومحافظات السليمانية وأربيل وأقضية عقرة والشيخان وسنجار وتلعفر وتلكيف وقرقوش ونواحي زمار وبعشيقة من محافظة نينوى وقضائي خانقين ومندلي من محافظة ديالى وقضاء بدرة وناحية جصان من محافظة واسط بحدودها الإدارية قبل عام 1968.

وهو ما يعني أن إقليم كُردستان العراق يمتلك العديد من المقومات السياسية والجغرافية والإقتصادية ليصبح في لحظة ما دولة مكتملة المواصفات الإعتبارية على الصعيد الدولي، وقد ساعده في ذلك إعتبارات ذاتية وموضوعية عراقية، أسهمت في تكريس واقع سعى إليه الكُرد عقودا طويلة دون جدوى.

وهنا يمكن للمرء أن يتساءل: إذا كانت مقومات الدولة قد تأمّنت، فهل هي قادرة على الإنطلاق دون مواجهة مصاعب ومعوقات؟. وهل أن التمدد الإرهابي (داعش) تمثل حالة توظيفية لظهور دعوات الإنفصال في المرحلة التي تلي القضاء على هذا التنظيم شمال العراق، مما يعني أولا وأخيراً إعادة رسم خرائط سياسية جديدة في المنطقة.

وللإجابة على ما تقدم، نجد من الضروري الإشارة إلى التقرير الذي نشرته مجلة القوات المسلحة الأمريكية في حزيران 2006، والذي قدمه مجموعة من الجنرالات الأمريكان ومسؤولين في الإستخبارات العسكرية الأمريكية، إذ يتحدث التقرير عن إعادة ترتيب الواقع العِرقي والطائفي والقومي وفق تركيبة تناسب المخططات الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط ولا سيما في الدول الأكثر تنوعاً مثل العراق، أفغانستان، السودان، الجزائر ولبنان.

وذكر التقرير بأن العامل الرئيس في تحقيق ذلك الهدف يتمثل في القضاء على الوحدة الوطنية والإندماج الوطني في هذه المجتمعات، والحيلولة دون إندماج الأقليات والطوائف في مجتمعاتها كي تبقي برميل بارود يمكن تفجيره في الوقت المناسب، وإعادة توزيعه ورسمه وفق المخطط الأمريكي، وهذا لن يتم دون سفك الدماء للوصول إلى هذه الغاية إختصاراً لعامل الوقت، مما يعني فقدان بعض الدول الموجودة لأجزاء كبيرة من حدودها الحالية وإعادة رسم حدود دول أخرى.

وذهب التقرير إلى أن نقطة الإنطلاق في تنفيذ هذا المشروع تتمثل في إستغلال الظروف التي يعيشها العراق، والشروع في تحقيق المشروع الأمريكي في العراق ثم ليكون نقطة الإنطلاق والإنتقال إلى دول أخرى.

ومن هنا يمكن القول أن بروز خطر (داعش) الإرهابي وتوظيفه إقليمياً ودولياً، لا يبتعد عن تلك المخططات والمشاريع التقسيمية لدول المنطقة عموماً والعراق على وجه التحديد، إذ وفرت هذه الظروف فرصة تأريخية، وأعطت الكُرد هامشاً حركياً كبيراً للتلاعب في المناطق العراقية خارج الإقليم عبر السيطرة على المناطق المحررة أو محاولة تغيير ديمغرافيتها، وإذا كان دافع القتال ضد (داعش) هو درء هذا الخطر وتحرير المدن المحتلة، فإن الدافع الأول لمعارك الأكراد ضد داعش في العراق هو لملء الفراغ وفرض حدود الدولة الكُردية عن طريق الإستيلاء على مناطق معينة وضمها إلى الإقليم وإعادة التموضع فيها وخلق متغيرات إجتماعية وسياسية وجغرافية جديدة في المنطقة، وصولاً إلى تنفيذ مخطط الإنفصال عن العراق.

ومن هنا يمكن القول أن ظهور تنظيم داعش الإرهابي ودخوله الأراضي العراقية وتحديداً الموصل شكل واقعاً جديداً، ساهم بدخول قوات البيشمركة الكُردية لتضم محافظة كركوك إليها، بهدف تأمين القدرات الإقتصادية للدولة الموعودة من نفط كركوك، والذي له ميزة إقتصادية وسياسية بدول الجوار ولاسيما تركيا على سبيل المثال.

ومما ساهم في تقوية النزعة نحو الإستقلال عن الحكومة المركزية في بغداد لدى العديد من قادة إقليم كُردستان هو الإختلاف في وجهات النظر بين الجانبين بشأن المسائل الإقتصادية وحصة الإقليم من موازنة الدولة العراقية، والذي وصل إلى ذروته في عام 2015 عندما قررت حكومة الإقليم بيع النفط بشكل مستقل عن الحكومة المركزية، وبعيداً عن مراقبة وإشراف شركة تسويق النفط العراقية (سومو). فضلاً عن أن الوضع السياسي في العراق وصل إلى مرحلة من الإنغلاق السياسي وعدم الإنفتاح على الآخر، بسبب تمسك القوى السياسية بالمناصب والمكاسب التي حصلت عليها بعد عام 2003، الأمر الذي يعني أن كل طرف من أطراف العملية السياسية أصبح غير قادر بعد الآن عن التنازل عن جزء ولو بسيط من تلك الإمتيازات والمكاسب لكي يكون العيش المشترك وقبول الآخر وزرع الثقة المتبادلة هو السائد بين جميع الفرقاء.

لا شك أن مسألة حق تقرير المصير مطروحة في الدستور العراقي لعام 2005، وقد أكد عليها دستور إقليم كُردستان عام 2007، ومن ثم فإن إعلان رئيس اقليم كُردستان مسعود البارزاني على تنظيم إستفتاء للإنفصال عن العراق، إنما هي محاولة لتوظيف وإستغلال الفرص للإنتقال إلى حالة جديدة تتمثل بإعلان الإستقلال. إلا أنه لم يعلن ما هو نوع الدولة الكُردية التي يريدها، هل هي دولة كُردية في إطار الكونفدرالية العراقية، أم دولة كُردستان الكبرى والتي تشمل أربع دول هي (العراق، تركيا، إيران، وسوريا)، وهذه الخطوة هي التي تقلق الجميع ولاسيما دول الجوار المعنية بالمسألة الكُردية.

وهنا شكل القرار الذي أتخذه مجلس محافظة كركوك، في 28 آيار 2017، برفع علم كُردستان العراق بجانب العلم العراقي، إحدى المحاولات الكُردية للإقرار بكُردية كركوك وضمها إلى الإقليم تمهيداً للإنفصال، على الرغم من أن كركوك لا تزال منطقة متنازع عليها ولم تطبق عليها إجراءات المادة (140) من الدستور، كونها محافظة غير منتظمة بإقليم وفقاً للدستور ووفقاً لقانون مجالس المحافظات رقم (21) لعام 2008 المعدل عام 2010. والذي أثار إنتقادات قوية سواء من جانب أطراف سياسية عراقية في بغداد وفي مقدمتها الحكومة الإتحادية، أو من قبل قوى إقليمية مثل تركيا التي اعتبرت إنه قرار غير صائب وهددت بإتخاذ إجراءات أحادية الجانب للتعامل معه.

الأمر الذي دفع رئيس حكومة إقليم كُردستان العراق نيجيرفان برزاني إلى القول في 5 نيسان 2017، على أن "مدينة كركوك ليست للأكراد فقط"، في إشارة إلى توافقه في الرأي مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إلا أن ذلك ربما يمثل خطوة متعمدة من جانب الأكراد لتقليص تداعيات الرفض التركي القوي سواء لإستقلال الإقليم أو لضم كركوك إليه، وهو أحد أهم المتغيرات التي سوف تؤثر في مدى نجاح الأكراد في تنفيذ مبادرتهم لإجراء إستفتاء على إنفصال الإقليم. فتركيا تنظر إلى إقليم كُردستان كحليف إستراتيجي ومما يعزز ذلك حجم التبادل التجاري بين الطرفين الذي وصل إلى أكثر من 10 مليار دولار وتواجد قرابة 1600 شركة تركية في الإقليم والإستعداد لتصدير النفط الكُردي إلى تركيا ومنه إلى العالم.

وعلى الرغم من ذلك، فثمة إتجاهان رئيسيان يتحكمان في النظرة الى الدولة الكُردية المرتقبة، لا يختلفان على الفكرة وإنما على التوقيت، الإتجاه الأول: يتزعمه رئيس إقليم كُردستان والحزب الديمقراطي الكُردستاني مسعود بارزاني، والذي يرى أن الظروف مهيأة إلى حد كبير للعمل على إعلان الدولة، لا سيما بعد المشكلات والأزمات العديدة مع الحكومة الإتحادية في بغداد، فيما يتعلق بالمادة 140 من الدستور والخاصة بالمناطق المتنازع عليها، وقانون النفط والغاز وتوزيع الثروات والمشاركة في القرار السيادي في البلاد.

أما الإتجاه الثاني: فتتزعمه قيادات الصف الأول في الإتحاد الوطني بالتحالف مع حركة التغيير وهو إتجاه، لا يختلف مع الإتجاه الأول سوى بالتوقيتات الزمنية، سواء بإجراء الإستفتاء او إعلان الدولة الكُردية المستقلة، ويعتقد هذا الإتجاه أن الوقت غير مناسب بعد لتحقيق الحلم الكُردي بسبب مشكلات البلاد الداخلية اولاً والظروف الخارجية المتعلقة بموقف كل من إيران وتركيا، وربما ينتظر هذا الإتجاه إلى حد كبير متغيرات الخارطة الجديدة للشرق الاوسط، التي أعلن عنها الأميركان ولا سيما فكرة أن لا عراق ولا سوريا سيكونان كما هما على الخارطة الجديدة، ما يعني أن الخارطة الجديدة، ربما ستظهر فيها حدوداً للدولة الكُردية.

إن التجربة التأريخية والتعمق في المسألة الكُردية وعلى مدى العقود السابقة تكشف لنا أن القادة الكُرد وعلى إختلاف مسمياتهم كانوا يعتمدون (سياسة إستغلال الفرص)، لتحقيق مصالحهم وسياستهم، وهو ما يدفعنا الى القول أن التحرك الكُردي نحو الإستفتاء ومن ثم الإستقلال لاحقاً إنما يندرج ضمن السياسة المشار لها آنفاً. فلماذا صبر الكُرد إلى الآن للمطالبة بحقوقهم؟، ولماذا إنتظر الأكراد طيلة هذه المدة حتى يطالبوا بإنفصالهم عن العراق؟.

إن الكُرد يدركون قبل غيرهم أن الإنفصال عن الوطن الأم العراق هو خسارة لهم بمعنى الكلمة، وأن إمكانية الإستقلال تعترضها صعوبات وتحديات جمة لعدة أسباب:

1- إن المشكلات والأزمات السياسية والإقتصادية والإجتماعية داخل إقليم كُردستان هي من التأزم والتوتر بحيث لن تحقق نوع من الاستقرار في حال إنفصالهم، ولا سيما الخلافات بين الحزب الديمقراطي الكُردستاني الذي يتزعمه مسعود البارزاني والأحزاب الأربعة الرئيسية الأخرى (الإتحاد الوطني، حركة التغيير، الإتحاد الإسلامي، والجماعة الإسلامية). ولعل ما قامت به قوات الإتحاد الوطني بتاريخ 2 آذار 2017 بسيطرتها على مقر شركة نفط الشمال في كركوك التي تصدر النفط المستخرج من الحقول إلى ميناء جيهان التركي عبر أنابيب إقليم كُردستان، وكذلك تمركز قوات حزب العمال الكُردستاني التركي الـ PKK ومنظومته العسكرية في مناطق الإقليم، فضلاً عن تداعيات الأزمة المالية، إنما هي مؤشرات على خطورة الأوضاع والتهديدات التي يواجهها إقليم كُردستان العراق في المستقبل.

2- طبيعة البيئة الإقليمية المحيطة بالعراق هي بيئة غير مهيئة لبروز دولة جديدة في المنطقة، ولا سيما إذا كانت تمثل الأكراد، بسبب التمدد والوجود الكُردي في الدول المجاورة مثل تركيا وإيران وسوريا تحديداً، مما يعني إمكانية إمتداد التجربة الكُردية إلى هذه الدول للمطالبة بخطوات مماثلة، الأمر الذي سيخلق فراغاً او فوضى سياسية وأمنية فيها، مما يعني عدم القبول بوجود كيان كُردي في المستقبل من جانب هذه الدول. وهو ما يفرض على الأكراد قراءة إعلان الدولة الكُردية بشكل أفضل، إذ كيف ستكون الدولة الكُردية دون الإنفتاح على الجوار الجغرافي، وإن فرض الأمر الواقع سيجلب للكُرد المشاكل والأزمات التي تثقل كاهله ولا يقوى على مواجهتها، إنطلاقاً من أن مشروع إعلان الدولة الكُردية لا يعني العراق فحسب بل يمس دول الجوار المعنية بالقضية في الوقت نفسه. ولعل ذلك الإدراك كان في أوضح صوره عندما صرح زعيم حزب الإتحاد الوطني جلال طالباني في مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية BBC بتاريخ 8 نيسان 2006، بأن: "فكرة إنفصال الأكراد عن العراق أمر غير وارد وغير عملي، لكون أكراد العراق محاطين بدول ذات أقليات كردية لم تحسم فيها القضية الكُردية لحد الآن".

3- إن الجانب الكُردي يدرك جيداً بإن مطالبته بضم محافظة كركوك ومناطق أخرى في محافظات نينوى وصلاح الدين وديالى وواسط الى إقليم كُردستان، هو أمر مرفوض من قبل الحكومة الإتحادية في بغداد، مما يترتب عليه إمكانية قطع حصة الإقليم من الموازنة الإتحادية بشكل كامل، أو حدوث صدام مع بغداد في حال فرض الأمر الواقع وهو بالتأكيد أمر لا يصب في مصلحة الجميع.

4- العامل والبيئة الدولية هي الأخرى غير مرحبة بالخطوة الكُردية لتوقيتها غير المناسب، لا سيما وأن الجميع الآن في معركة واحدة وهي مواجهة الإرهاب، فضلاً عن تداعياتها السلبية المحتملة سواء على الإقليم نفسه أم على دول الجوار.

وعليه نجد أن الخطوة الكُردية لا تبتعد عن كونها محاولة لتحقيق إمتيازات ومكاسب إضافية، وخلق إنطباع دائم وإن كان هذا الإنطباع موجود منذ فترة طويلة وهو أن الطرف الكُردي هو الأقوى والقادر على قلب الموازين إذا تطلب الأمر، ومما ساعد على ذلك هو ضعف وتراجع الدولة العراقية بسبب التحديات والأزمات التي تواجهها منذ عام 2003، مما دفع الجانب الكُردي لزيادة مطاليبه بإستمرار سعياً وراء تحقيق أكبر قدر من المكاسب وأقل قدر من الخسائر، وهي بالتأكيد تندرج ضمن سياسة مصلحية نفعية بالدرجة الأساس، فضلاً عن كونها محاولة للهروب والخروج من المشاكل الداخلية الكُردية عن طريق سياسة تصدير الأزمات وإشغال الداخل بمواضيع أخرى.

ومما تقدم، يمكن القول أن الخطوة الكُردية نحو الإنفصال متى ما وجدت توافقاً عراقياً وإقليمياً ودولياً يقف إلى جانبها سوف نرى حينئذ دولة كُردية بالمعنى الحقيقي، وطالما أن هكذا توافق غير موجود أصلاً وغير مهيأ له مطلقاً فإن الحديث عن الدولة الكُردية تبقى مجرد أحلام سرعان ما تتلاشى أمام صاحبها عندما يدرك الواقع جيداً.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية/2001–2017 Ⓒ
http://mcsr.net

اضف تعليق