بعد أن افرزت الجولة الأولى من الانتخابات الفرنسية صعود كل من المرشح الوسطي إيمانويل ماكرون ومرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان للجولة الثانية من الانتخابات الفرنسية، شهدت الحملة الانتخابية للجولة الثانية أجواء مشحونة بين المرشحين "ماكرون ولوبان"، لاسيما المناظرة التلفزيونية التي اتسمت بعنف غير مسبوق، إذ اتهمت لوبان ماكرون بأنه يؤيد "العولمة المتوحشة"، أما ماكرون المؤيد للاتحاد الأوروبي، فاتهمها بـ "الكراهية" و"التزوير" و"الأكاذيب".

وهذه هي المرة الأولى التي يكون فيها حزب الجبهة الوطنية أحد طرفي المناظرة الرئاسية، فجاك شيراك رفض عام 2002 المناظرة مع مؤسس الحزب جان مارين لوبان. ومارين لوبان إبنة مؤسس الحزب لم تكن برأي معظم المحللين وحتى برأي والدها على مستوى النقاش، إلا أنها نجحت في احراج المرشح الوسطي للحظات لدى اتهامه بتساهل مع ما أسمته بالأصولية الإسلامية، قبل أن يرد متفوقاً عليها في نقاطٍ كثيرة.

ووصفته بالمنبطح أمام أوروبا والإسلاميين وقوى المال، إلا أن نقطة ضعفها كانت حول اليورو، عندما اقترحت عملة مشتركة بدل العملة الموحدة، بمعنى استخدام الفرنك الفرنسي من قبل المواطنين واليورو من قبل المصرف المركزي. وهذا كان يمثل ذروة التخبط في حديثها أمام المشاهدين الفرنسيين.

هذه المناظرة الرئاسية كانت لها انعكاسات ايجابية لصالح المرشح الوسطي إيمانويل ماكرون في الشارع الفرنسي، الذي وصفه بأنه كان أكثر اقناعاً من المرشحة المتطرفة مارين لوبان وبأن كلامه أكثر حكمة من منافسته، إذ وصف البعض طرحها بأنه طرح غير مسؤول.

وبعد المناظرة رأى 64% من الفرنسيين بأن إيمانويل ماكرون يحمل مواصفات رئيس، بينما رأى 33% أن هذه المواصفات تنطبق على لوبان. ومع اختلاف الطرح الانتخابي والبرامج السياسية ووجهات نظر الناخبين وتحفظ بعضهم، وبعد توقف الحملات الانتخابية يوم الجمعة 5آيار/مايو، سيكون المرشحان على موعد جديد من الجولة الثانية والأخيرة التي سيعلن من خلالها الرئيس القادم لفرنسا يوم الاحد المقبل 7آيار/مايو.

فمن سيكون الرئيس القادم، هل سيكون المرشح الوسطي إيمانويل ماكرون أم ستكون مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان رئيسة لفرنسا؟

المرشحان ذوا توجهات مختلفة ومتناقضة، فماكرون هو سياسي وموظف سامي ومصرفي استثماري سابق، ونائب الأمين العام لرئاسة الجمهورية الفرنسية (2012-2014)، ووزير الاقتصاد والصناعة والاقتصاد الرقمي (2014-2016). تحول ماكرون إلى ظاهرة سياسية منذ استقالته من منصبه الوزاري في شهر آب/أغسطس 2016 ليؤسس حركة "إلى الأمام"، ويبدو أن حظوظه في الوصول إلى الرئاسة كبيرة جداً.

حركة أو حزب إلى الأمام، هو حزب سياسي وسطي وليبرالي اجتماعي فرنسي، أسسه ماكرون في 6 أبريل 2016، وغالبا ما يقدمه على أنه حزب وسطي تقدمي. يمتاز بارتكازه الشديد على شبكات التواصل الاجتماعي، ويتميز الحزب بقبول عضوية أعضاء الأحزاب الأخرى، وعدم فرض أي اشتراك مالي على أعضائه. يضع الحزب مشروع الوحدة والاتحاد الأوروبي أحد قيمه الأساسية، ويقدم بذلك على أنه الحزب الأكثر تأييدا لأوروبا في المشهد السياسي الفرنسي. وهو ما يخالف تطلعات الاحزاب اليمينية الفرنسية التي تناصب العداء للاتحاد الأوروبي، والذي ترى في تفكيك الوحدة الأوروبية والخروج من الاتحاد هدفها الاساس، كتلك التطلعات الانتخابية التي ترفعها مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان.

مارين لوبان هي رئيسة حزب الجبهة الوطنية اليميني المتطرف، وهي ابنة مؤسسه ورئيسه السابق جان ماري لوبان، الزعيم اليميني الذي خاضت ضده صراعا حول زعامة الحزب، لتطرده من زعامة الحزب عام 2015. أصبحت منذ عام 2016 مرشحة عن حزبها واليمين المتطرف للانتخابات الرئاسية 2017، وقد حققت أفضل نتيجة في تاريخ اليمين المتطرف بتأهلها للدورة الثانية من الانتخابات بمجيئها بالمرحلة الثانية بعد إيمانويل ماكرون الذي احتل المرتبة الأولى بفارق صغير عنها.

لوبان تناقض ماكرون سياسياً واقتصادياً وفكرياً، وربما توافقه الرأي فقط في إعادة خدمة التجنيد الالزامي للجيش الفرنسي، وتخالفه الرأي في كل شيء، لاسيما فيما يتعلق بمنظومته السياسية المحافظة على التقاليد الفرنسية والسياسات الأوروبية التقليدية. فمارين لوبان تمثل الطروحات الترامبية في الانتخابات الفرنسية، وهي تناصب أوروبا والاتحاد الأوروبي العداء، فضلاً عن مواقفها المتطرفة فيما يخص اللاجئين والمسلمين والاقليات الفرنسية الأخرى.

وهذا الاختلاف الفكري والسياسي بين المرشحين قد يرجح أحدهما على الأخر، وبالتأكيد فقد رشح كفة إيمانويل ماكرون داخليا وخارجياً، أي بمعنى أخر بأن ماكرون كان له قبول ودعم داخلي خارجي "أوروبي وأمريكي" وربما حتى شرق أوسطي، على العكس من مرشحة اليمين التي كان لها انتقاد واضح وكبير داخليا وخارجياً، وقد وصل الحال بزعماء المسلمين واليهود والبروتستانت في فرنسا بأن يصدروا بياناً مشتركاً يدعمون فيه المرشح إيمانويل ماكرون علناً.

ويشبه المترشحون للانتخابات الرئاسية الفرنسية المترشحون للانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة إلى حدا كبير، فماكرون قريب جداً من المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون، ومارين لوبان تشبه كثيرا المرشح الجمهوري والرئيس الحالي للولايات المتحدة الأمريكية دونالد ترامب، وعلى الرغم من ترشح ترامب على حساب منافسته الديمقراطية هيلاري كلينتون في الانتخابات الأمريكية، إلا أن احتمالات ترشح وتفوق المرشح الوسطي ماكرون على حساب لوبان كبيرة جداً؛ وذلك بسبب تأييد النخبة السياسية الفرنسية لماكرون، فضلاً عن التأييد الأوروبي له، والقبول الداخلي الذي يتمتع به على حساب منافسته.

فماكرون الوسطي من الممكن أن يقنع الناخبين الفرنسيين غير المتطرفين أو غير المؤدلجين، على العكس من منافسته التي من غير الممكن أن تقنع الناخبين الفرنسيين غير المتطرفين؛ وذلك لأن خطاب التطرف لا يمكن أن يجلب عدد كبير من الناخبين، ولربما فقط يقنع بعض المتأرجحين. إن أغلبية الناخبين الفرنسيين وفقاً لاستطلاعات الرأي، وبالرغم من مآخذهم الكثيرة على الاتحاد الأوروبي، إلا أنهم ليسوا مستعدين حاليا لمغادرة الاتحاد؛ وذلك بسبب خشيتهم من قيمة العملة ومعاشاتهم التقاعدية وحول القروض التي تقترضها الحكومة الفرنسية لتسير الأمور يومياً.

وبذلك قد ترجح كل تلك التطلعات كفة المرشح الوسطي إيمانويل ماكرون في الجولة القادمة على حساب منافسته لوبان، ومن الممكن أن يشهد يوم غداً الأحد إعلان ماكرون رئيساً لفرنسا وفق المعطيات الحالية "الداخلية والخارجية".

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2017
www.fcdrs.com

اضف تعليق