من يتابع المشاريع المنجزة في المحافظات خلال السنوات الثماني الماضية يجد تشابها كبيرا فيما بينها، فما إن تقوم إحدى المحافظات ببناء مشروع ما حتى تبادر المحافظات الأخرى إلى تقليدها حرفيا؛ حتى إذا لم تكن بحاجة لمثل هذا المشروع، مثلما في موضوع النافورات الراقصة، والمطارات المحلية بالرغم من قرب المحافظات من بعضها، جاهلين أن المطارات في العواصم العالمية يقع بعضها على مسافة تزيد على مائتي كيلو متر عن مقر العاصمة، وهي المسافة المشتركة بين أغلب محافظاتنا.

وفي حمى التقليد هذه لا تجد مكانا للإبداع إلا ما ندر، وفي حدود ضيقة جدا لا علاقة للمبلغ المرصود للمحافظة بها، ولاسيما المحافظات ذات الحقول النفطية والمنافذ الحدودية.

الآن بعد أكثر من اثني عشر عاما على التغيير أرى لزاما على الحكومات المحلية أن تنتهج أسلوبا جديد في بناء وإعمار المدن فيه فسحة لتحقيق دخل إضافي للمحافظة، يسهم في تطوير المشاريع الخدمية والصحية والتعليمية التي لا تعطي مردودا ماديا عادة.

واحد من المشاريع الكسبية الناهضة التي يهتم بها العالم كله هو موضوع السياحة وما تدره من عملة صعبة، وتخلقه من فرص عمل، وتنجزه في محفل التبادل الثقافي. حيث يجد المتابع أن جميع محافظاتنا ولاسيما منها تلك العامرة بالمواقع الدينية والمزارات والمواقع الأثرية والطبيعة المتميزة؛ لم تولي موضوع السياحة أي أهمية تذكر، بل أسهم بعضها عمدا أو تقصيرا في قتل حالات السياحة الفردية على ندرتها من خلال إهمال المناطق السياحية والآثارية؛ التي أصابها التخريب، أو تعرضت إلى النهب.

ولنأخذ على سبيل المثال محافظة واسط، هذه المدينة التاريخية التي يعود تاريخ نشأتها الأولى إلى ما قبل الميلاد، ويعود تاريخ نشأتها الثانية إلى القسم الثاني من القرن الهجري الأول، حيث بنيت على يد الحجاج بن يوسف الثقفي والي العراق بحدود عام 85 هجرية، الذي أرادها وسطا بين الكوفة والبصرة لتكون مثابة لجيشه، قريبة من هذين المصرين اللذين يشهدان ثورات متكررة ضد حكم الأمويين.

لم تقم هذه المدينة إلا على أنقاض الحضارة الأولى حيث قام البناءون بهدم الآثار القديمة وسرقة حجارتها التاريخية لبناء قصر الحجاج ومسجد المدينة، فقلدهم الآخرون لبناء بيوتهم، فأسهم ميلاد مدينة بضياع مدينة.!

شهدت واسط في الحرب العالمية الأولى واحدة من المعارك الشرسة بين الجيش البريطاني الزاحف لاحتلال بغداد بعد أن كان قد نزل البصرة واحتلها، ثم بدأ الزحف نحو بغداد عن طريق مدينة الكوت التي احتلتها في التاسع والعشرين من أيلول سنة 1915، مواصلا تقدمه نحو المدائن (سلمان باك) وفي هذه المدينة واجهته القوات التركية فانهزم أمامها بعد أن خسر أكثر من 30% من قواته، وتراجع إلى مدينة الكوت وتحصن بها، فتبعه الجيش العثماني، وضرب حصارا رهيبا على المدينة، عرف عنه انه أطول حصار حدث في الحرب العالمية الأولى. وبعد مائة وسبعة وأربعين يوما اضطر (13،000) جندي بريطاني وهندي للاستسلام للقوات العثمانية، بعد أن كانت القوات البريطانية قد خسرت أكثر من 23،000 جندي في محاولاتها المستميتة لفك الحصار.

هذه القصة التاريخية ستكون محور حديثنا عن التجديد والتقليد، فالمعروف أن مدينة (نجيف) الروسية التي تقع على الحدود مع ألمانيا تعرضت أثناء الحرب العالمية الثانية إلى خراب كبير على يد القوات الألمانية، تسبب بمقتل الآلاف من سكانها ومن المهاجمين الألمان خلال المدة المحصورة بين 1941و1943، وبعد تاريخ طويل قامت الحكومة المحلية فيها ببناء مقبرة غاية في الروعة والتنظيم والنظافة، تضم فضلا عن قبور الجنود الروس والألمان متحفا هو عبارة عن بيت نزله ستالين حينما زار المدينة، ومنذ ذلك التاريخ ولحد الآن هنالك فرق من المتطوعين تبحث في حقول وغابات المدينة عن رفات الجنود وتجمعها في مكان مخصص ليتم دفنها في احتفال مهيب يخصص له يوم في السنة، يحضره ذوو الضحايا الذين لا زالوا على قيد الحياة.

وقد قام أحد النحاتين الألمان المشهورين بتصميم نصب لوالد ووالدة يصليان قرب ضريح ابنهما وأهداه مؤخرا إلى المقبرة ليتم نصبه في القسم الألماني منها. اللافت للنظر أن آلاف الألمان يأتون سنويا إلى هذه المدينة ويلبثون فيها عدة أيام لزيارة تلك القبور مما يوفر موردا ماليا للمدينة، ويخلق فرص عمل هم بحاجة إليها، والأعداد تزداد باستمرار نظرا لجمال وتاريخية المنطقة.!

ليس هذا مقصدي لأني على يقين أن أي حكومة محلية عراقية لم تضع في حساباتها أن تبني مقبرة لشهداء الإرهاب مثلا وفق مواصفات خاصة، يزورها الناس لاستذكار أبنائهم وتزورها الأجيال لاستذكار الجرائم التي سببها الإرهاب والطائفية، مثلما لم تضع في حساباتها بناء متحف أو مكتبة عامة أو دار علوم.

إن قصدي من وراء كتابة هذا الموضوع أن محافظة واسط تحوي نتفا من كل ما مر من حديث، والربط بين العلاقتين يوصلنا إلى نتيجة أن أمام هذه المحافظة فرصة ذهبية لبناء سياحة متعددة الجوانب تدر عليها ملايين الدولارات، فهناك في مركز مدينة الكوت وليس بعيدا عن بيوتها ومحلاتها وشوارعها مقبرتان تاريخيتان تعودان إلى حقبة الحرب العالمية الأولى وتحديدا إلى حقبة حصار الكوت، واحدة تضم رفات الجنود الانكليز والثانية تضم رفات الجنود الأتراك العثمانيين. كانت مقبرة الانكليز مسيجة ومنظمة، والقبور فيها تأخذ صفوفا منتظمة وعليها شواهد رخامية تحمل أسماء وتواريخ مقتل الجنود ورتبهم، ولكنها لم تحظى بأي عناية تذكر من قبل الحكومة المحلية؛ التي لم تكلف نفسها تعيين حارس بأجر يومي ليحافظ عليها، ولذا تعرضت الشواهد إلى التخريب والتكسير من قبل جهات مجهولة، فتم رفعها وبناء شواهد حديثة بدلا عنها لا تحمل أي دلالة، ففقدت المقبرة لمحتها التاريخية المهمة، بينما كان بإمكانهم تطوير المقبرة وتنظيمها والترويج لها إعلاميا لكي تعود إلى ذاكرة البريطانيين فيبدأون بزيارتها.

والحديث نفسه ينطبق على موضوع الاهتمام المماثل بمقبرة الأتراك للغرض نفسه. وحتى هذه اللحظة أجد أن الفرصة لا زالت متاحة إذا ما توفرت لها عوامل مساعدة على يد متخصصين أكفاء وما أكثرهم في المحافظة، ولكن هل نجد تجاوبا من قبل المسؤولين مع هكذا مقترحات ومشاريع، أم انه سيذهب طي النسيان مع ما ذهب من قبل، فالنافورة والمطار أهم من كل المشاريع البنائية المهمة الأخرى؟!

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق