تعريفي للمثقف هو الانسان الذي ينتج نقداً للدولة والمجتمع الذي يعيش فيه بهدف توجيهه نحو الأفضل.

ومن أشهر تعريفات القرن العشرين هو للمناضل الايطالي الماركسي والصحفي والفيلسوف السياسي انطونيو غرامشي حيث يقول (إن جميع الناس مفكرون) ويضيف (ولكن وظيفة المثقف أو المفكِّر في المجتمع لا يقوم بها كلُّ الناس). وهو التعريف الذي اعتمده إدوارد سعيد في كتابه (المثقف والسلطة).

يرى إدوارد سعيد أنَّ حقيقة المثقَّف الأساسية أنَّه فريد "يتمتَّع بموهبة خاصة" يستطيع من خلالها حمل رسالة ما أو تمثيل وجهة نظر معينة، فلسفة ما أو موقف ما.

هو ذلك الموهوب الذي يقوم علنًا (بطرح أسئلة محرجة) ويصعب على الحكومات أو الشركات استقطابه لأنَّه لو تمكَّنوا من استقطابه فقد المثقَّف بعده النقدي وخان نصَّه الإبداعي. كما وجب عليه مواجهة كلِّ أنواع التنميط والجمود لأنَّ المثقَّف عمومًا لديه الفرصة بأن يكون عكس التيار. إنَّ المثقَّف الحقَّ هو ذلك الذي يمثِّل المسكوت عنه وكلَّ أمر مصيره النسيان، التجاهل والإخفاء، لأنَّ المثقَّف الحقَّ لا يمثِّل أحدًا بل يمثِّل مبادئ كونية مشتركة لا تنازل عنها، فهو يمثِّل نبض الجماهير وهو الذي (لا يقبل أبدًا بأنصاف حلول أو أنصاف الحقيقة)، هو الشخص الذي يواجه القوَّة بخطاب الحقِّ ويصرُّ على أنَّ وظيفته هي أن يجبر نفسه ومريديه بالحقيقة، هو المثقَّف (المقاوم)، يقاوم بفكره ونشاطه هيمنة السلطة السائدة بمختلف أنماطها المادية والاجتماعية والسياسية التي تحتكر البنية الفوقية للمجتمع والسياسة.

عادة ما تكتنف العلاقة بين المثقف والسلطة مجموعة ملابسات وتناقضات. إذ تحكمها الريبة والتوجس، وافتقاد المصداقية. وإذا ما كانت السلطة هي التي تحدد هذه العلاقة، يبقى المثقف هو الجانب الأضعف.

المثقف والسلطة القمعية

يعاني المثقف في الحكومات الدكتاتورية من الرقابة والملاحقة تجاه ما يكتبه أو يجسده من فنون. ويتعرض إلى مصير غير متوقع إذا ما فكّر في مواجهة السلطة أو الكشف عن جرائمها وقمعها. وهذا ما عانى منه كثير من الكتاب والشعراء والفنانين الذين اضطروا إلى هجرة بلدانهم أو السجن والاعدام.

في دول العالم عادة ما يقود المثقفون الحركات والثورات والأحزاب السياسية المنهضة للنظام الدكتاتوري. إذ يعبئون الجماهير والأنصار من خلال خطاباتهم وبياناتهم ومؤلفاتهم التي ترسم خطوط المواجهة والثورة. كما أن بعضهم نال جائزة نوبل وهي أرفع جائزة عالمية.

في تلك الأجواء الخانقة يصبح المثقف بين مطرقة السلطة القمعية وسندان الحاجة والمعيشة. وقد يسقط بعضهم في فخ السلطة فيتحول إلى بوق يساهم في بروباغاندا السلطة، مدافعاً عن قراراتها وإنجازاتها !! بل وحتى قمعها وظلمها. وهذا ما كان سائداً في عهد الطاغية صدام وحزبه الشمولي. وتحول جيش من الشعراء والكتاب والفنانين والاعلاميين إلى مصفقين لرأس النظام معتقدين أنهم يمثلون الثقافة. وبذلك فقد المثقف أقوى أسلحته وهو النقد فيتحول إلى مثقف منافق ومتقلب، ويسبّح بحمد الحاكم ولي نعمته.

لقد تماهت أقلام أدبية وصحفية وفنية مع النظام البعثي وقبضت ثمن خضوعها له، ودفاعها عنه. فخانت رسالتها ونصوصها، وآثرت غيبة الوعي الطوعية، والاستسلام لتأثير السلطة وتحكمها في عقله وكتاباته.

في حين تعرض الرافضون للسجن والتعذيب والاعدام، وثالث آثر مغادرة العراق والهروب إلى الحرية ليكمل مشواره الوطني في رفض النظام، أمثال الشعراء محمد مهدي الجواهري ومصطفى جمال الدين وعبد الوهاب البياتي ونازك الملائكة، وفنانين أمثال بدري حسون فريد وخليل شوقي ويوسف العاني وناهدة الرماح وزينب وحمودي الحارثي، إضافة إلى جيش من الكتاب والصحفيين والإعلاميين والرسامين والنحاتين الذين انتشروا في جميع دول العالم. وكانت لهم نتاجات وحصلوا على جوائز وتكريم من مؤسسات تقدرهم أكثر من بلدهم.

كما لا ننسى أن قسماً من المثقفين كانوا ينتمون لأحزاب سياسية ممنوعة في زمن البعث مثل حزب الدعوة الإسلامية والحزب الشيوعي العراقي وغيرهما، بقيت كتاباتهم ممنوعة أيضاً.

المثقف في النظام الديمقراطي

في النظام الديمقراطي يتحرر المثقف من القيود السياسية والاجتماعية والثقافية، وينطلق نحو الابداع والانتاج ونشر الثقافة والمعرفة. ولا يمكن للمثقف أن يؤدي رسالته دون توفير متطلبات معيشته أولاً، وظروف اجتماعية وثقافية وسياسية تتيح له الكتابة والانتاج بحرية. كما تمنحه الفرصة للتأمل في مشكلات مجتمعه ودولته، ثم ينتج نصوصاً إبداعية، تنقد وتحلل وتحفر في الشخصية المجتمعية، وتفكك الأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي يعاني منها المجتمع.

إن توفير مصدر الرزق يبقى الشاغل الأول للمثقف العراقي لأنه مسؤول عن عائلة وأولاد إضافة إلى متطلباته الشخصية. وقد يجد مصدر رزقه في وظيفة حكومية أو شركة أو مصرف أو مدرسة أهلية وغيرها.

كما وجد بعض المثقفين العراقيين بعد 2003 طريقهم نحو البرلمان والوظائف الحكومية العليا كالوزراء والوكلاء والمحافظين والمدراء العامين. وكان لقربهم أو انتماؤهم للأحزاب السياسية المشاركة في السلطة تأثير في بلوغ مراكز عالية في الدولة. وعادة ما يتبنى هؤلاء مواقف أحزابهم ووجهات نظرها طالما أنهم في السلطة أو ما زالوا منتمين لأحزابهم.

وترأس بعضهم مؤسسات إعلامية وصحفية وشاركوا في صناعة الثقافة. كما وجد بعض الأدباء والشعراء والفنانين والأكاديميين والمختصين سبيلهم للتواصل مع الجمهور وانتاج نصوص جديدة. ولعل القسم الأخير يميل أكثر إلى النقد ومعارضة السلطة لأسباب منها ايمانهم برسالتهم الوطنية، ومنها تفريغ شعورهم بالغضب من السلطة واستيائهم لعدم منحهم مناصب وامتيازات. الغريب أن بعض المثقفين عندما يستلم منصباً يمارس التسلط والتعالي على زملائه.

يعاني قسم من المثقفين ظاهرة التقرب للمسؤولين حتى البسطاء ثقافياً منهم. وهناك من يسعى لكسب ودهم بأي ثمن، ويطلب ترشيحه في الانتخابات، أو يشرف على مواقع وصحف تابعة لهم. كما ينتقل بعضهم من العمل لدى مسؤول ذي توجه معين إلى مسؤول آخر لديه توجه نقيض الأول.

أما المثقف المسؤول الملتزم فيبقى هو القلب النابض للثقافة والفكر والمعرفة. فيسعى إلى تطوير الثقافة وخدمة القضايا الوطنية والشعبية. كما يسعى لتسخير إمكانيات دائرته قد الإمكان لخدمة المثقفين والمشاريع الثقافية.

خلال تسنمنا مسؤولية محافظة بغداد دعمنا ورعينا العديد من النشاطات والمهرجانات الثقافية. كما ساهمنا في تأسيس أكبر صرحين للثقافة في بغداد وهما: المركز الثقافي البغدادي ومبنى القشلة، اللذين صارا رئتين للثقافة العراقية. وللأسف لم يكرما من أية مؤسسة ثقافية أو إعلامية.

برقيات

- ما زالت كثير من مناصب الدولة تمنح لمن ليس كفاءة أو شهادة باختصاص عمله.

- وزارة الثقافة لم توفق في وصول وزير مثقف عدا السيد مفيد الجزائري.

- وزارة الثقافة دخلت المحاصصة ولا أحد يريها من الكتل السياسية فصار إكمال حصة للكتلة ليس أكثر.

- أنفقت وزارة الثقافة 500 مليون دولار على برنامج بغداد عاصمة الثقافة العربية عام 2013 ولم تشيد مبنى واحداً للثقافة ولا حتى دار الأوبرا المخصص له أرض قرب جسر السنك من جانب الكرخ. بل انشغلت في عروض وحفلات ومآدب وسفرات. نعم طبعت العديد من الكتب المختصة ببغداد، وهذا إنجاز يحسب لها.

- أقترح إخراج وزارة الثقافة من المحاصصة الحزبية وأن تشارك الاتحادات والنقابات الثقافية والأدبية والإعلامية والصحفية في اختيار الوزير وتتحمل نتائج اختيارها.

- أقترح تشكيل اتحاد السياسيين المثقفين ليكون مدخلاً لتغيير توجهات الأحزاب وقادتها بأهمية الاستفادة من استشارة المثقفين ودورهم في بناء الشخصية الوطنية الناضجة.

- من أسباب تسطيح الثقافة هو أن أغلب برامج الفضائيات التي تستغرق يومياً أربع ساعات ليلاً من وقت المشاهد، لا يرى فيها سوى الصراخ والاتهامات والشتائم والفضائح والألفاظ غير المهذبة. هذا بدلاً أن نرتقي بثقافة المواطن نحو الأفضل.

* الدكتور صلاح عبد الرزاق، محافظ بغداد سابقا، وعضو ملتقى النبأ للحوار

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق