فيما ينشغلُ العالم، مندهشاً ومصدوماً، بالجرائم البشعة التي يرتكبها الارهابيون باسم دين الله تعالى، وبينما ينشغل المسلمون بالتساؤلات (الشرعيّة) التي اثارتها جرائمهم، ومدى صدقيّتها في كتاب الله تعالى وسنة رسوله الكريم (ص) تنبري المرجعية الدينية العليا مرةً اخرى لرسم معالم قضية مهمة جداً طالما اثارت الجدال على مر التاريخ، الا وهي قضية العلاقة مع الاخر ومفردة التكفير بالاضافة الى اخلاقيات الحرب من منظور الاسلام.

ففي رسالةٍ توجيهية للمرجعية الدينية العليا الى المقاتلين في ساحات الجهاد، نُشرت اليوم، وضّح المرجع السيستاني الاستراتيجيّات اللازم اتباعها والالتزام بها فيما يخص المستويات الثلاثة المشار اليها آنفاً.

ولقد اعتمدت المرجعية في رسالتها التي شرعنت فيها الموقف والأدوات بكل حكمة وعقلانية وبرؤية عقدية، إنسانية ودينية، صافية، ساقت الكثير من النصوص والشواهد التاريخية التي فضحت بها قراءات الارهابيين القتلة، الأسس التالية؛

اولاً؛ اعتماد البعد الإنساني في ساحة القتال، ما يعني وجوب القفز على كل الأبعاد الضيّقة الاخرى كالبعد الديني او المذهبي او ما أشبه، فلا يجوز مثلاً تجاوز القواعد الشرعية بذريعة الاختلاف في الدين او في المذهب او ما الى ذلك.

ثانياً؛ وجوب الالتزام بأخلاقيات الحرب مهما كانت الظروف، فلا ينبغي ان تجبرنا تعقيدات الامور التجاوز على الأرواح او الأعراض او الأموال بغير حق، فلقد حدّدت الشريعة لكل ذلك قواعد وقوانين ينبغي الالتزام بها مهما كانت الظروف والتعقيدات في ساحة الحرب، فلا شيء البتّة يبرر الجريمة في ساحة الحرب.

ثالثاً؛ حُرمة التعامل مع الاخر على أساس الدين، فلا يجوز التفتيش في دين الاخر وعقيدته، الامر الذي يؤسس للمجتمع المدني بعيداً عن كل انواع التّمييز الديني او المذهبي او الاثني او ما الى ذلك، فالعلاقة مع الاخر ينبغي ان لا تقوم على أساس الانتماء، وباي شكل من اشكاله، وانما على أساس الإطار العام الاوسع، الإنساني مثلا او الوطني.

رابعاً؛ حُرمة التجاوز على حقوق الاخرين بأية ذريعة من الذرائع، فالحقوق مصانة للجميع بلا اي تمييز ديني مثلا او مذهبي او اثني او ما الى ذلك، الامر الذي يؤسس، كذلك، الى حاكمية المجتمع المدني.

خامسا؛ً تجريم التّكفير بأيّ شكلٍ من الأشكال والتحذير منه، خاصة اذا ترتّب عليه اثر القتل وازهاق الأرواح والتعدّي على الحقوق، فانه جريمةٌ لا تغتفر ابداً، ولقد اوردت الرسالة التوجيهية نصاً رائعاً لأمير المؤمنين عليه السلام أكّد فيه بانّ معيار قتاله للخوارج ليس لانه كفّرهم، على الرغم من انهم كفّروه وأخرجوه من الملّة والدين، انما يقاتلهم بصفتهم معتدون ومتجاوزون وخارجون عن القانون.

سادساً؛ انّ ايّ فعلٍ في ساحة القتال يتجاوز اخلاقيّات الحرب المنصوص عليها في الشرع هو بحكم الجريمة، وهو إرهابٌ بامتياز، فحزّ الرقاب بالطريقة التي يمارسها الارهابيون من على القنوات الفضائية والتّمثيل بجثث الضحايا وسبي النساء وبيعهن كالاماء في سوق الرقيق ورفع الرؤوس ونصبها في الأماكن العامة وحرق الضحايا وهم احياء، ان كل هذه الممارسات هي افعال غير شرعية وهي اعمال ارهابية بامتياز.

انّ قراءة متأنّية لرسالة المرجعية الدينية العليا تبيّن بانّها اكثر من توجيهات للمقاتلين، فهي؛

اولاً؛ رسالة ادانة وتجريم لكلّ افعال الارهابيين وجرائمهم البشعة التي لا تعتمد على أساس شرعي حتى اذا اعتمدت التفسير الخاطئ والناقص وأحادي النظرة لهذا النص الديني او ذاك، فالإرهابيون ليسوا في موقع يؤهلهم لاستنباط الأحكام والتشريعات من النصوص الدينية ولذلك جاءت قراءاتهم خاطئة ارتكبوا بسببها كل هذه الجرائم.

ثانياً؛ رسالة توضيحية لحقائق الاسلام، فهي أجابت على الكثير من التساؤلات والشبهات التي اثارتها جرائم الارهابيين خاصة في الفترة الاخيرة.

انها رسالة توضيحيّة لإنسانية دين الله تعالى ونبل قيمه وأسسه حتى في ساحة القتال والحرب.

ثالثاً؛ رسالة تمييز بين مدرستين، مدرسة اهل البيت عليه السلام ومدرسة الخلفاء، وهذا الامر يجب ان يفهمه العالم بشكل جيد جداً، اذ لا ينبغي خلط الاوراق والأمور والتصيّد بالماء العكر.

لماذا لا نصدح بالحقيقة التي لا غبار عليها والتي أثبتتها الوقائع والحقائق خاصة في العقدين الاخيرين، والتي تقول انّ كلّ الارهاب (الديني) الذي يضرب شمالاً وجنوباً مصدره قراءات مدرسة الخلفاء؟ الم يحرق الارهابيون آخر ضحاياهم بفتوى احد ابرز منظري هذه المدرسة واقصد به ابن تيمية؟ الم يدمّر الارهابيّون كل شيء في الموصل ويعتدون على اَهلها الأصليين بفتاوى فقهاء التكفير التابعين لهذه المدرسة؟ خاصة القابعين والمحميّين بنظام القبيلة الفاسد الحاكم في الجزيرة العربية، فلماذا لا نسمّي الأشياء بأسمائها؟ لماذا نحمّل الحق وزر الباطل؟ والضحية وزر الجلاد؟.

لقد وضّحت رسالة المرجعية الدينية العليا كلّ الامور مورد الخلاف والاختلاف، فبيّنت الخيط الأبيض من الخيط الاسود من الفجر، لتضع حداً للأقاويل والادّعاءات الكاذبة والباطلة والتقوّل بغير حق.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق