ملفات - عاشوراء

نُبلُ القِيَم

عْاشُورْاءُ السَّنَةُ التَّاسِعةُ (٩)

لقد فتحَ الحُسينُ السِّبط (ع) بابَ الخَيرِ لكُلِّ مَن قرَّرَ اللِّحاقَ بهِ لأَنَّ طريقَ الشَّهادةِ هوَ طريقُ الإِنسانِ بِلا تمييزٍ من أَيِّ نَوعٍ، كما أَنَّ دَولةَ الحقِّ التي نشدَها الحُسينُ السِّبط (ع) هي الأُخرى دولةُ الإِنسان!.

كما انتزعت عاشُوراء، وهذا مُهِمٌ جدّاً، الغِلَّ وروح الإِنتقام والتشفِّي من النُّفوس {وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَٰنًا} {وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا} ولذلكَ فعندما قرَّرَ الحُر بن يزيد الرِّياحي، قائد الفِرقة الأَمويَّة التي حاصرت الحُسين السِّبط (ع) وأَهل بيتهِ في طريقهِم إِلى الكوفةِ، الإِنقلاب على واقعهِ واللِّحاق بجبهةِ الحقِّ، لم يعيِّرهُ أَحدٌ على ذلكَ كما لم يرفض الحُسين السِّبط (ع) توبتهُ أَو منعهِ من اللِّحاقَ بهِ لينتقلَ من خلالِ جهته إِلى جنَّةِ الخُلدِ بعدَ أَن كانَ يقفَ على شفيرِ جهنَّم لَولا قرارهُ التَّاريخي في اللحظةِ المُناسِبة، وليكونَ من أَنصارهِ الذين قالَ عنهُم (ع) {فإِنِّي لا أَعلَمُ أَصحاباً أَوفى ولا خَيراً مِن أَصحابِي} وإِنَّما قبِلهُ برحابةِ صدرٍ ثمَّ قبِلَ منهُ أَن يكونَ أَوَّلَ المُقاتلينَ والمستَشهَدينَ بينَ يدَيهِ.

لقد كانَ الحُسين السِّبط (ع) نبيلاً في كُلِّ خُطوةٍ خطاها في حركتهِ منذُ بدايتِها وحتَّى خاتمتِها.

نبيلاً مع أَهلِ بيتهِ وأَصحابهِ وأَنصارهِ، ونبيلاً في خطابهِ الذي كانَ يشرح ويوضِّح فيهِ للعالَم، وحتَّى لعدُوِّهِ، كُلَّ ما يرتبط بأَهدافهِ ومسيرتهِ إِن على صعيدِ الجانبِ المادِّي [كجُغرافيةِ حركتهِ] أَو على صعيدِ الجانبِ المعنوي، فلم يُخفِ شيئاً ولم يتحايَل أَو يغُش أَو يُضلِّل أَو يخدع أَحداً [والعِياذُ بالله] كما يفعل [القادة الدنيويُّون] الذين يقولُونَ شيئاً ويفعلُون خلافهُ أَو يعِدُونَ بشيءٍ ولا يلتزمُون بهِ أَو يُناقضُونهُ.

لم يشأ الحُسين السِّبط (ع) أَن يكسِباً صَوتاً بأَيِّ ثمنٍ أَبداً، بل حرِصَ على أَن يكسِبَ كُلَّ واحدٍ إِلى صفُوفهِ بصدقٍ، أَمَّا الدجَّالون فهمُّهُم أَن يكسِبوا صَوتاً إِنتخابيّاً واحداً بأَيِّ ثمنٍ!.

لقد كانَ الحُسين السِّبط (ع) حريصاً على أَن يكونَ واضحاً في كُلِّ ذلكَ لسببَينِ اثنَينِ؛

١/ لأَنَّهُ صاحبُ رسالةٍ سماويَّةٍ وإِنسانيَّةٍ عظيمةٍ لا تقبل لصاحبِها أَن يسيرَ في الظَّلامِ أَو يتحرَّك بغمُوضٍ أَو يخطُبَ بوَجهَينِ، أَبداً.

فعندما دعا نصارى نجران رسولَ الله (ص) للحِوارِ للتثبُّت من صحَّةِ نبوَّتهِ دعاهُم أَن يكُونَ ذلكَ [في الهواءِ الطَّلِق] كما يقُولونَ {فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَآءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَٰذِبِينَ} ليكونَ كُلَّ شيءٍ مكشُوفاً للعيانِ تحتَ ضَوءِ الشَّمس، ليسَ فيهِ غمُوضٌ أَو شكٌّ أَو تردُّدٌ أَو قابِلٌ للتَّأويلِ فيما بعدُ.

٢/ لأَنَّهُ لم يشأ أَن يفرُضَ شيئاً من قناعاتهِ وكُلَّ ما يرتبطُ بحركتهِ من مُنطلقاتٍ وأَهدافٍ وأَدواتٍ ونتائجَ ونِهاياتٍ على أَحدٍ {قَالَ يَٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍۢ مِّن رَّبِّى وَءَاتَىٰنِى رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِۦ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَٰرِهُونَ} والسَّببُ واضِحٌ لأَنَّهُ كانَ يريدُ ممَّن يلتحقَ بهِ أَن يكونَ على بصيرةٍ من أَمرهِ كما هوَ {قُلْ هَٰذِهِۦ سَبِيلِىٓ أَدْعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِى ۖ وَسُبْحَٰنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} وبالتَّالي من أَجلِ أَن يتحمَّلَ المسؤُوليَّة فلا يقولُ أَحدٌ غداً إِذا سُئِلَ عن سببِ مُشاركتهِ في عاشُوراء أَو عدم مُشاركتهِ [لا أَدري] لأَنَّ [اللَّاأَدريَّة] طريقٌ لخداعِ الذَّاتِ للهربِ من المسؤُوليَّة وهي مِن أَهمِّ خطُوط الرَّجعة يتركهُ مَن يُفكِّر بالهربِ من المسؤُوليَّة ورميِها بالتَّالي على الآخرِين.

أَبداً، فالحُسين السِّبط (ع) أَرادَ لكُلِّ واحدٍ واحدٍ ممَّن يلتحقُ بهِ أَن يكونَ عارفاً بهدفهِ وواعياً لرسالتهِ ومُطَّلعاً على كُلِّ تفاصيلِ حركتهِ ليتحمَّلَ مسؤُوليَّة قرارهِ إِن أَقدمَ أَو أَحجمَ.

كانَ يُريدهُم بنمُوذج العبَّاس بن عليٍّ (ع) صاحبَ لوائهِ الذي يصفهُ المعصُوم (ع) بقَولهِ {كانَ عمِّيَ العبَّاس نافِذَ البصيرةَ صُلبَ الإِيمانِ}.

وبالفعل فهذا ما كانَ في كربلاء يومَ عاشُوراء.

لقد كانَ الكربلائيُّونَ في يومِ عاشُوراء يتسابقُونَ للشَّهادةِ وقبلَ النِّزالِ قالُوا كلاماً وخِطاباً يُثبِتُ وبشَكلٍ قطعيٍّ وعيهُم العميق لكُلِّ ما سيقدِمُونَ عليهِ ويُنجِزُونهُ وليسُوا مغفَّلينَ أَو مصدُومينَ أَو مخدُوعينَ!.

إِنَّهُ الفارق الأَساس بينَ الزَّعيم الحقيقي صاحب الرِّسالة الذي خاطبَ جنودهُ بالقَولِ {نفسي معَ أَنفُسكُم وأَهلي معَ أَهليكُم} وبين الزَّعيم المُزيَّف، فالأَوَّلُ صادقٌ والثَّاني دجَّالٌ يوظِّف كُلَّ شيءٍ لخداعِ النَّاسِ ليلتحقُوا بهِ حتَّى إِذا اضطرَّ لغسلِ أَدمغتِهِم.

وهذا هوَ الفارق بين [الأَصحابِ] الحقيقيِّينَ الذي يخيِّرهُم الزَّعيم الحقيقي للإِنسحابِ مِن ساحةِ المعركةِ بنتائِجها الحتميَّة {أَنتُم في حلٍّ من بيعتي، وهذا اللَّيلُ فاتَّخِذُوهُ جمَلاً} فيكونُ جوابهُم قطعِيّاً [هَيهاتَ أَن نترُككَ وحدكَ] وبينَ المزيَّفين الَّذين لم يخيِّرهُم النَّبيِّ وإِنَّما بادرُوهُ بالخُذلانِ بقَولهِم {قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَآ أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا ۖ فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَٰتِلَآ إِنَّا هَٰهُنَا قَٰعِدُونَ}.

اضف تعليق