ملفات - عاشوراء

طبِيعةُ المُشكِلَة

عْاشُورْاءُ السَّنَةُ التَّاسِعةُ (٢)

ما هي طبيعةُ المُشكلة التي كانت بين الحُسين السِّبط (ع) والطَّاغية يزيد؟! أَهيَ مُشكِلةٌ شخصيَّةٌ؟! أَو أَنَّها مُشكِلةٌ دينيَّةٌ وعقديَّةٌ وأَخلاقيَّةٌ؟!.

برأيي فإِنَّها الإِثنان، فالحُسين السِّبط (ع) رفضَ البَيعة لأَنَّ يزيد كشخصٍ ساقِطٌ لا يستحقُّ مثل هذا المَوقع الحسَّاس في الدَّولة بوصفهِ (ع) لهُ {ويَزيدٌ رجُلٌ فاسِقٌ شارِبُ الخمرِ قاتِل النَّفس المُحرَّمة مُعلِن بالفُجُور}.

وهيَ جزءٌ بسيطٌ من الصِّفاتِ الشخصيَّة التي أَجمعَ كُلُّ المُؤَرِّخين على نعتهِم للطَّاغيةِ يزيد إِبن الطُّلقاء بها.

ولأَميرِ المُؤمنينَ (ع) مقارنةٌ راقيةٌ بين النَّموذجَينِ، نمُوذج أَهل البيت (ع) ومنهُم الحُسين السِّبط (ع) وبين الشَّجرة الخبيثة ومِنها الطَّاغية القاتل يزيد، بقولهِ في رسالةٍ جوابيَّةٍ للطَّاغية الطَّليق مُعاوية {وَأَنَّى يَكُونُ ذَلِكَ وَمِنَّا النَّبِيُّ وَمِنْكُمُ الْمُكَذِّبُ وَمِنَّا أَسَدُ اللَّهِ وَمِنْكُمْ أَسَدُ الْأَحْلَافِ وَمِنَّا سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَمِنْكُمْ صِبْيَةُ النَّارِ وَمِنَّا خَيْرُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ وَمِنْكُمْ حَمَّالَةُ الْحَطَبِ فِي كَثِيرٍ مِمَّا لَنَا وَعَلَيْكُمْ}.

وقولهُ (ع) في رسالةٍ جوابيَّة للطَّليق مُعاوية {لَيْسَ أُمَيَّةُ كَهَاشِمٍ وَلَا حَرْبٌ كَعَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَلَا أَبُو سُفْيَانَ كَأَبِي طَالِبٍ وَلَا الْمُهَاجِرُ كَالطَّلِيقِ وَلَا الصَّرِيحُ كَاللَّصِيقِ وَلَا الْمُحِقُّ كَالْمُبْطِلِ وَلَا الْمُؤْمِنُ كَالْمُدْغِلِ}.

أَميرُ المُؤمنينَ (ع) هنا يتحدَّث عنهُم كأَشخاص فيُبيِّن الفَرق الشَّاسع بينَ أَهل البيت (ع) وبين الشَّجرة الخبيثة حتَّى قبلَ البِعثة عندما لم تكُن المُفاضلة على أَساس الدِّين والعقيدة.

من جانبٍ آخر فإِنَّ الحُسين السِّبط (ع) رفضَ البيعةَ لأَنَّ يزيد لا يُمثِّلُ شيئاً من الإِسلام قائلاً (ع) {إِنَّا أَهلُ بيتِ النبوَّة ومعدِنِ الرِّسالة ومُختلفِ الملائِكة وبِنا فتحَ الله وبِنا ختمَ} وقولهُ (ع) مُخاطباً جيشَ البغي في كربلاءَ يومَ عاشُوراء {أَمَّا بعدُ؛ أَيُّها النَّاس فإِنَّكمُ إِن تتَّقُوا الله وتعرفُوا الحقَّ لأَهلهِ يكُن أَرضى لله عنكُم، ونحنُ أَهلُ بيتِ مُحمَّدٍ، وأَولى بولايةِ هذا الأَمرِ عليكُم مِن هؤُلاء المُدَّعين ما ليسَ لهُم والسَّائرينَ فيكُم بالجَورِ والعُدوان}.

وهوَ الرَّأي الذي أَعلنَ عنهُ أَبيهِ أَميرِ المُؤمنينَ (ع) من قبلُ بقَولهِ {لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي أَحَقُّ النَّاسِ بِهَا مِنْ غَيْرِي} وقولهُ (ع) {فَوَاللَّهِ مَا كَانَ يُلْقَى فِي رُوعِي وَلَا يَخْطُرُ بِبَالِي أَنَّ الْعَرَبَ تُزْعِجُ هَذَا الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ (ص) عَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ وَلَا أَنَّهُمْ مُنَحُّوهُ عَنِّي مِنْ بَعْدِهِ}.

بمعنى آخر فإِنَّ مُشكلة الحُسين السِّبط (ع) مع الطَّاغية يزيد مُركَّبةٌ فيها بعدٌ شخصيٌّ وآخر دينيٌّ وعقديٌّ وأَخلاقيٌّ، ولا يُمكنُ أَبداً الفصل بين البُعدينِ في هذا الصِّراع بينَ الحقِّ والباطل.

فالحُسين السِّبط (ع) ضدَّهُ كشخصٍ لأَنَّهُ إِبنُ طليقٍ لا يحقُّ لهُ من الأَمرِ شيءٌ كما يقولُ أَميرُ المُؤمنينَ (ع) في رسالتهِ الجوابيَّة لأَبيهِ الطَّاغية مُعاوية {وَمَا أَنْتَ وَالْفَاضِلَ وَالْمَفْضُولَ وَالسَّائِسَ وَالْمَسُوسَ وَمَا لِلطُّلَقَاءِ وَأَبْنَاءِ الطُّلَقَاءِ وَالتَّمْيِيزَ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ وَتَرْتِيبَ دَرَجَاتِهِمْ وَتَعْرِيفَ طَبَقَاتِهِمْ} وكذلكَ ما وردَ في خُطبةِ الحُسين السِّبط (ع) {سمِعتُ رسولَ الله (ص) يقولُ؛ الخِلافةُ مُحرَّمةٌ على آل أَبي سُفيان وعلى الطُّلقاء وأَبناء الطُّلقاء} وضدَّهُ كمنهجٍ لأَنَّ الأَمويِّين لزمُوا جادَّة الباطِل في السُّلطة وإِدارة الدَّولة من خلالِ الإِرهابِ والتَّضليلِ الدِّيني والإِتِّجار بالمُقدَّس.

وكانَ أَميرُ المُؤمنينَ (ع) قد حذَّرهُم من فتنتهُم بقَولهِ {أَلَا وَإِنَّ أَخْوَفَ الْفِتَنِ عِنْدِي عَلَيْكُمْ فِتْنَةُ بَنِي أُمَيَّةَ فَإِنَّهَا فِتْنَةٌ عَمْيَاءُ مُظْلِمَةٌ عَمَّتْ خُطَّتُهَا وَخَصَّتْ بَلِيَّتُهَا وَأَصَابَ الْبَلَاءُ مَنْ أَبْصَرَ فِيهَا وَأَخْطَأَ الْبَلَاءُ مَنْ عَمِيَ عَنْهَا وَايْمُ اللَّهِ لَتَجِدُنَّ بَنِي أُمَيَّةَ لَكُمْ أَرْبَابَ سُوءٍ بَعْدِي كَالنَّابِ الضَّرُوسِ تَعْذِمُ بِفِيهَا وَتَخْبِطُ بِيَدِهَا وَتَزْبِنُ بِرِجْلِهَا وَتَمْنَعُ دَرَّهَا لَا يَزَالُونَ بِكُمْ حَتَّى لَا يَتْرُكُوا مِنْكُمْ إِلَّا نَافِعاً لَهُمْ أَوْ غَيْرَ ضَائِرٍ بِهِمْ وَلَا يَزَالُ بَلَاؤُهُمْ عَنْكُمْ حَتَّى لَا يَكُونَ انْتِصَارُ أَحَدِكُمْ مِنْهُمْ إِلَّا كَانْتِصَارِ الْعَبْدِ مِنْ رَبِّهِ وَالصَّاحِبِ مِنْ مُسْتَصْحِبِهِ تَرِدُ عَلَيْكُمْ فِتْنَتُهُمْ شَوْهَاءَ مَخْشِيَّةً وَقِطَعاً جَاهِلِيَّةً لَيْسَ فِيهَا مَنَارُ هُدًى وَلَا عَلَمٌ يُرَى نَحْنُ أَهْلَ الْبَيْتِ مِنْهَا بِمَنْجَاةٍ وَلَسْنَا فِيهَا بِدُعَاةٍ ثُمَّ يُفَرِّجُهَا اللَّهُ عَنْكُمْ كَتَفْرِيجِ الْأَدِيمِ بِمَنْ يَسُومُهُمْ خَسْفاً وَيَسُوقُهُمْ عُنْفاً وَيَسْقِيهِمْ بِكَأْسٍ مُصَبَّرَةٍ لَا يُعْطِيهِمْ إِلَّا السَّيْفَ وَلَا يُحْلِسُهُمْ إِلَّا الْخَوْفَ فَعِنْدَ ذَلِكَ تَوَدُّ قُرَيْشٌ بِالدُّنْيَا وَمَا فِيهَا لَوْ يَرَوْنَنِي مَقَاماً وَاحِداً وَلَوْ قَدْرَ جَزْرِ جَزُورٍ لِأَقْبَلَ مِنْهُمْ مَا أَطْلُبُ الْيَوْمَ بَعْضَهُ فَلَا يُعْطُونِيهِ}.

كما شرحَ ذلكَ الحُسين السِّبط (ع) في خطابٍ لهُ في الجيشِ الذي معَ الحُر بن يزيد الرِّياحي بقولهِ {أَمَّا بعدُ فقد علِمتُم أَنَّ رسولَ الله (ص) قد قالَ في حياتهِ؛ مَن رأَى سُلطاناً جائِراً مُستحِلّاً لحُرَمِ الله ناكِثاً لعهدِ الله مُخالِفاً لسُنَّةِ رسولِ الله يعمَل في عبادِ الله بالإِثمِ والعُدوان ثُمَّ لم يُغيِّر بقَولٍ ولا فعلٍ كانَ حقيقاً على الله أَن يُدخِلهُ مدخلهُ، وقد علِمتُم أَنَّ هؤُلاء القَوم قد لزِموا طاعة الشَّيطان وتولَّوا عن طاعةِ الرَّحمن وأَظهرُوا الفسادَ وعطَّلُوا الحدُودَ واستأثرُوا بالفَيئ وأَحلُّوا حرامَ الله وحرَّمُوا حلالهُ وإِنِّي أَحقُّ بهذا الأَمرِ لقرابتي من رسولِ الله (ص)}.

وإِلى اليَوم فإِنَّ الصِّراعات السياسيَّة الحقيقيَّة غَير المُزيَّفة تحمل هذَين البُعدَين، الشَّخصي والعقَدي، والمقصُود بالعقَدي تارةً يكونُ عقيدةً دينيَّةً وأُخرى يكونُ عقيدةً سياسيَّةً أَو فكريَّةً، وإِنَّ مَن يسعى لتجاهُلِ البُعد الشَّخصي في أَيِّ صراعٍ فهو واهمٌ لا يفقهُ شيئاً من الأُمور وحقيقة الصِّراعات وجوهرَها.

حتَّى إِبليس تقمَّصَ هذا البُعد من مُشكلتهِ مع آدم (ع) عندما خلقهُ الله تعالى كخليفةٍ في الأَرضِ وأَمرَ الملائِكة أَن تسجدُ لهُ.

فعندما رفضَ إِبليس أَن يسجُدَ ردَّ على سؤَالِ الله تعالى {مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ}ۖ قائلاً {أَنَا۠ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِى مِن نَّارٍۢ وَخَلَقْتَهُۥ مِن طِينٍۢ} مُحاولاً تجاهُل البُعد الإِيماني والعقدِي في الموضُوع.

هذهِ إِذن هي طبيعة الأَشياء وطبيعة الصِّراعات التي رسمت ملامحَها قصَّة الأَخوَين قابيل وهابيل بقولِ الأَوَّل للثَّاني {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَىْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلْءَاخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ}.

ولهذا السَّبب نحنُ نسمِّي المُجرمينَ القتَلة في زيارةِ عاشُوراء بأَسمائهِم واحداً واحداً ولا نكتفي بلعنِ المنهجِ أَو التبرُّء منهُ من دونِ أَسماء الأَشخاص الَّذينَ يمثِّلونهُ.

فنقرأ في الزِّيارة {يا أَبا عَبْدِ الله إِنِّي سِلْمٌ لِمَنْ سالَمَكُمْ وَحَرْبٌ لِمَنْ حارَبَكُمْ إِلى يَوْمِ القِيامَةِ، وَلَعَنَ الله آلَ زِيادٍ وَآلَ مرَوْانٍ وَلَعَنَ الله بَنِي اُمَيَّةَ قاطِبَةً وَلَعَنَ الله ابْنَ مَرْجانَةَ وَلَعَنَ الله عُمَرَ بْنَ سَعْدٍ وَلَعَنَ الله شِمْراً وَلَعَنَ الله اُمَّةً أَسْرَجَتْ وَأَلجَمَتْ وَتَنَقَّبَتْ لِقِتالِكَ}.

فلا تلُومونا إِذا لعنَّا الفاسِد والفاشِل والظَّالِم والقاتِل بإِسمهِ بذريعةِ الإِبتعادِ عن [شخصنةِ الأُمور]!.

اضف تعليق