نحن بحاجة الى العقل المثقف، الى كل العلوم الانشائية والنفسية والعلمية الى التألق في استثمار حصانة هذه الشعائر، ومؤازرة الرفض السياسي التاريخي أي الصوت الحسيني لصالح الرفض المعاصر لكل صنوف التجسيد السياسي، أو المصلحي، فشعائر بهذا الحجم بحاجة الى وقفة فكرية وعلمية الى جانب الخدمة الولائية...

تقدم أحد المختصين بعلم النفس بدراسة الطقوس الدينية ضمن حدود اختصاصه للبحث في قيمة التحكم في سلوك ومشاعر الجموع، ونحن نريد أن نأخذ منها ما يهم اختصاصنا أيضاً، ونقول: إن تفرد الطقس العاشورائي بما يمتلك من استقلالية حصنت وجوده؛ ليتمكن من منع امكانية توظيف تلك الطقوس لصالح خدمة السلطة والسياسة لتميزها عن بقية الطقوس الحياتية تمثلت باسم الشعيرة.

واستشهد هذا المختص ببعض الأسماء التي تهمنا آراءها أكثر من أسمائها، فأحدهم يرى أن الناس تتمسك بأفعال دلالية دون الانتباه الى انتظامها الرمزي، وهذا التشخيص يجعلنا أمام بعض التشخيصات الاخرى التي ناقضت هذا المحور التشخيصي، فهي ترى أن للشعائر امكانية توحيد الجماهير باختلاف أعمارهم وجنسهم ومستوياتهم الثقافية والاقتصادية والاجتماعية.

ويرى أن تلك الشعائر تفردت بممارسة حركات ورموز وضوابط تنسجم مع ايقاعات درامية، وثم وصف الطقس بأنه خطاب مصاغ بلغة موجزة مشحونة بانفعالات توحد الجموع وتضبط أداءها، ويترك هذا المختص العديد من الأسئلة المهمة والتي يراها السيكولوجيون حسب ما ذكره الموضوع بالخطيرة..

السؤال الأول:

هل تعمل الطقوس الدينية على تعبئة الجموع، وشحن الوجدان، وتجييش الوعي الجمعي بما ينسجم مع متطلبات العصر أم ضدها؟

الجواب:

ماذا يريد السائل وهو يعرف تماماً أن تعبئة الجموع تأتي لصالح قيم انسانية ومعانٍ وجدانية تعني مناصرة الحق والاحتفاء برمز من رموز النصيحة والنداء الرسالي، فهل نحتاج لهذا الاحتفاء أن ينسجم أو لا ينسجم مع متطلبات العصر، ولماذا لا تقر بأن العصور الآدمية خاضعة لوجدان التآلف الانساني؛ لكون القضية الحسينية هي قضية تخلدت على الترقيم التقويمي، وتنامت عبر مكوناتها الى تكوين خصوصية تتعايش معها الأزمنة على شريطة عدم تعميم بعض الحالات التي لا تمثل الشعائرية، تحمل بعض السلبيات لتماثلها مع الواقع الشعائري، ولاشك أن السيطرة على الجماهير مسألة ذات مسؤولية كبيرة تحتاج الى جهود وإمكانيات عالية.

السؤال الثاني:

هل تنسجم الطقوس الدينية الجماهيرية مع القيم الديمقراطية أم تعارضها؟

الجواب:

هل استطاعت القيم الديمقراطية أن تقدم نفسها بالشكل المطلوب في جميع الانشطة والفعاليات الجماهيرية، فنجد أن صلب الموضوع الشعائري هو ديمقراطي بحت، فليس هناك من أجبر على تقديم التمويل والمشاركات طوعية، وتصل طوعيتها الى التماهي مع لذة التضحوية والفخر والاعتزاز بما تقدمه الناس لتلك الشعائر، ولاحظنا أن أغلب المعارضات هي معارضات سياسية لا تمثل الواقع بشيء، وإنما تمثل مصالحها. البعض يعترض على ضخامة الاستهلاك، وتكاليف هذه الشعائر، وهي تجمع بتمويلات ذاتية تطوعية ومعارضة هذا النوع من التمويل يعد مخالفة للأطر الديمقراطية.

السؤال الثالث:

هل ينجح السياسيون دائماً في توظيف الطقوس الدينية لصالح بقائهم في السلطة أم أن الطقوس الدينية يمكنها أن تطيح بالسياسي الذي يستغلها لمصلحته الشخصية؟

الجواب:

أولاً: لنتقرب من ماهية هذه الشعائر وتكوينها المقدس؛ كونها فرضاً وسنة وجزءاً حياتياً وجدانياً، ونمطاً سلوكياً مع تقاليد اجتماعية تبارك الشعائر، ولا تسمح لجهد سياسي أن ينال من قداستها، ويرفض أن تسخر لمجالات السياسة عندما تشتغل سياسياً ستفقد بريقها العقائدي، وتسلبها القمة الانسانية.

المهم أن الجميع حريصون على عدم اقحام الشعائر بهذا الجانب، فرفض الجمهور رفضاً قاطعاً للشعائر الحسينية أن تؤدلج، وتنحرف عن مسارها.. الآن بدل أن تستنفر القضية بهذا المنحدر علينا أن نقف أمام ظاهرة اجتماعية وضعت بصمتها على خارطة الواقع.

نحن الآن بحاجة الى العقل المثقف، الى كل العلوم الانشائية والنفسية والعلمية الى التألق في استثمار حصانة هذه الشعائر، ومؤازرة الرفض السياسي التاريخي أي الصوت الحسيني لصالح الرفض المعاصر لكل صنوف التجسيد السياسي، أو المصلحي، فشعائر بهذا الحجم بحاجة الى وقفة فكرية وعلمية الى جانب الخدمة الولائية.. نحن نحتاج وعيكم العلمي دون النظر الى تفرعات مذهبية ودينية.

السؤال الرابع:

هل تعمل الطقوس الدينية على اضفاء الشرعية على سلطة غير عادلة أم تعمل على سحبها منها؟

الجواب:

تأسست الشعائر الحسينية وكبرت وتعملقت جماهيرياً؛ لكونها تكونت على رفض النهضة الحسينية لسياسة السلطات غير العادلة، فضحى بروحه (عليه السلام) وبأهل بيته وأصحابه، وتماثل مع أسمى الحالات التضحوية لسحب الشرعية الدينية من سلطات التحزب الأموي.

الظاهرة العاشورائية

يحاول البعض استثمار ثقافته في محاولة لتشخيص الظاهرة العاشورائية، وتحليل مجرياتها عبر مؤهلات فكرية خاصة، تعبر عن وجهة نظر محدودة، تعمل على اثارة بعض الاسئلة، فهو يسأل: هل بإمكان الطقوس الولائية مقاومة عصر سيطرت فيه التكنلوجيا والعقل النفعي، أم انها تضعف امامه وتنحسر؟

انا اعتقد ان الطقوس الولائية قد اجابت عن هذا السؤال بقوة، ولابد ان نعرف معنى ان يستغرب العقل المادي من هذه المعنويات الروحية التي تريد ان تقدم نفسها، تريد ان تعطي، لا تريد أن تأخذ شيئاً إلا معنويات الشفاعة الاخروية، تتقرب الى معناها من خلال ما تقدمه من خدمات للزوار، وهذه القضية قد تزاح الى السؤال الذي يعقبه: أ جميع الممارسات الولائية عقلانية أم غير عقلانية؟

يبدو ان مهمة مثقفي العولمة هي اثارة الاسئلة دون الوقوف على جدية الظاهرة، فاستقبال عشرين مليون زائر في مدينة بهذا الحجم مسألة غير خاضعة الى التنظير المتفلسف، بل الى جهد الوعي من اجل الانصهار في بوتقة المجتمع دون النظر الى فرعيات الانتماء.

ومن ثم لابد ان يقف العلمانيون امام تجربتهم، وما اضافت للمجتمع، للناس، للحقيقة، للفعل الساعي الى التقدم.. ام حرروا الجهد بالتنظير، قدموا معايير لم تستطع أن تضيف شيئاً الى جوهر مفهوم الحضارة، بل راحت تسيس لنا انجازات الثورة العلمية في الغرب دون الوقوف امام الاحاسيس والرؤى التي ساهمت وفعلت الانقلاب الجذري في المجتمعات، فتجاوزت نكباتها؛ لكونها آمنت بما تمتلك، وقادت نهضتها من تلك المحاور الاجتماعية، فهل عجز مفكرونا عن احتواء هذه المعاني الانسانية المترسخة في الشعائر، وهو تجمع الملايين، وما زال الجهد الفكري لأكاديميينا غير قادر على مواكبة النهضة الشعائرية، وبقي عملهم مناطاً في الشكل العدمي للثقافة، يحاول الوصول الى مبررات لتقاعسهم عن الانضمام الى هذا الجوهر أم تراهم فلسفوا آراءهم امام الحشود الولائية، كما فعلوا ايضا امام الحشود المتطوعة في فتوى الدفاع المقدس، وهم يدفعون اعمارهم من اجل الوطن والناس، فإذا كان الانتقاد موجها الى خلاصة التجربة الجماهيرية في تظاهرات سلمية عفوية، يعني هناك ميل نحو نخبوية ممصلحة لا علاقة لها باهتمامات الناس ومعتقداتهم وطقوسهم.

وبعد هذا، لماذا الاعتراض والاحتجاج مستند على شواهد فكرية غربية، فمالنا وتلك الرموز الفكرية الغريبة..؟ نحن مع التواصل الانساني، لكننا لسنا مع التبعية الفكرية، احدهم يرى ان الطقس الولائي، يعمل لإحياء واقعة مضت تشحن بالقداسة وباسترجاعها تلهم الذاكرة بدلالات ومعان لها قيم عليا، تمكن الممارسين لها ان يعيشوا زمنين في آن واحد، زمن ماضوي يعتبره الغرب متخيلاً ولآخر حقيقي فعلي، وتعد القضية عند التقاء الزمانيين سيحدث توقف زمني، هذا الوصف بذاته جميل، وهذا الكلام مقبول، اذن اين المشكلة؟

وحتى صاحب الاسئلة يؤطر خلاصته بالوصول الى نتيجة، ان في عمق الذات الفردية ذاتا جمعية كامنة، تجعل هذه الممارسات الطقوسية الخلاقة، تستفيق..! والنظر الى مثل هذه التمنطقات يضعنا بمواجهة قضية احتواء الحقيقة الى حيز معين ثم ليّ عنقها اتجاه مستقر فكري، يقاد بقصدية متوارية باتقان، فهو يستشهد بأحد الرموز الفكرية المستوردة، باعتبار ان تكرار الطقس الولائي في كل علم بحسب توقيتات المواليد ووفيات الائمة (عليهم السلام) تعمل على ترسيخ المعتقد في تطبع الذهن والجسد.

ان تكرار الطقوس بعمليات الشحن الروحي والنفسي، يؤدي الى انتقال قواعدها عبر الاجيال بعمليات تنشئة واكتساب ثقافي، يؤدي الى ترسيخ المعتقدات والقناعات والميول، هذا الامر المعروض الى الآن هو مقبول، لكنه انطلاقا من موقفه السياسي والفكري، لابد من ليّ التشخيص لصالح قناعاته، فهو يشخص هذا الاحياء الزماني الى مسألتين: اولاهما: احياء زمني ماضوي على حساب الزمن المعاش، والمستقبلي مقاومة تجدد زمن حاضر، والثانية: تعود إلى صيرورة الظاهرة؛ بسبب الاختلال الاجتماعي الناجم عن التغير السريع في الحياة الاجتماعية، معتبرا هذه الطقوس نكوصا يلجأ اليها المقهورون؛ لكونها تمنح الانسان الشعور بالاطمئنان، ويصل التفلسف ذروته، حين يعتبرها منشطات للاوعي الجمعي العربي، لمعالجة الحرمان والاغتراب، والشعور باليأس، من خلال استحضار الماضي والشكوى، ولأشخاص قضوا نحبهم والتوسل بهم لحل مشاكلهم.

هذا الدكتور للأسف يتغاضى عن مسألتين مهمتين: الأولى.. أين كانت العولمة والعلمانية والمدارس النفسانية عن تلك المجتمعات لتصل ذروة مآسيها، فهل كانت تلك المآسي بسبب ولائيتها أم بسبب السياسات العلمانية والتواترات المستوردة التي سببت الحرمان والاغتراب؟

أين كنتم انتم؟ ولماذا لم تساهموا في استثمار هذه الطقوس، وبث الوعي؛ ليكون استحضار هذا الماضي داعما وبناء.. والمسألة الثانية: ما معنى هذا الماضي الذي تستحضره هذه الجماهير ومنذ عشرات القرون؟ كم كان تأثيرهم النفسي على الشعوب؟ كم هو حضورهم الفاعل؟ لماذا لا تتوجه الشعوب الى التوسل بكم للتخفيف عن تلك المعاناة؟ هل انتم النفسانيون علتكم في ايجاد شكل القضية أم ايجاد حلول ايجابية تساهم في تقدم الشعوب؟ الى متى يبقى اولئك العلمانيون تنظيريون.. إلى متى..؟

اضف تعليق