البطولة والشجاعة والنخوة والثبات والحكمة على الموقف قيم لم تقتصر على شخصية من شخصيات الطالبيين، فقد كانت زرعاً ينمو وينتشر بين أجيالهم، وظهرت بينهم شخصيات تميزت بخصال جعلتهم يتخطون أقرانهم، وتسجل لهم صورا تاريخية وملحمية فذة، ولعل العباس بن علي بن ابي طالب (عليهما السلام) أحدهم...

عاشوراء ملحمة سجلت فيها اروع قصص الضحية والاباء والايثار، ملحمة ذهب ضحيتها فرسان الهيجاء تلك الثلة المباركة التي قدمت الدم في سبيل استمرار ضياء الاسلام واحقاق الحق ونبذ الظلم وفضح رؤوس الطغيان التي عاثت في الارض فساداً وظلماً، نهضة بكلّ ما للكلمة من معنى قدم فيها سيد شباب اهل الجنة الغالي والنفيس، قدم رضيعه وأولاده واخوته ونفسه فداء للدين، آي إنسان انت يا ابا عبد الله.

البطولة والشجاعة والنخوة والثبات والحكمة على الموقف قيم لم تقتصر على شخصية من شخصيات الطالبيين، فقد كانت زرعاً ينمو وينتشر بين أجيالهم، وظهرت بينهم شخصيات تميزت بخصال جعلتهم يتخطون أقرانهم، وتسجل لهم صورا تأريخية وملحمية فذة، ولعل العباس بن علي بن ابي طالب (عليهما السلام) أحدهم قمر بني هاشم وحامل راية الحسين (عليه السلام) وساقي العطاشى وأبي الفضل العباس هو من صميم الأسرة العلويّة، والدوحة الهاشميّة، فقد أخذ أبو الفضل العباس بأطراف رداء المجد من أبيه الإمام عليّ بن أبي طالب، ومن جهة الأمّ فهي السيدة فاطمة بنت حزام بن خالد الكلابية، وأبوها حزام من أعمدة الشرف عند العرب، في الجاهلية والإسلام، وكانت ولادته في سنة (26 ه‍ـ) في اليوم الرابع من شهر شعبان، حامل القربة وبطل القنطرة، وألقاب كثيرة اطلقت عليه، وأحداث كثيرة مرت كان فيها شاخصا ودورا مهما ومحوريا.

عن الشيخ الجليل أبي نصر البخاري النسّاب، عن المفضّل ابن عمر أنه قال: "قال الصادق جعفر بن محمد عليه السلام: كان عمّنا العباس بن علي نافذ البصيرة، صلب الإيمان، جاهد مع أبي عبدالله وأبلى بلاءً حسناً، ومضى شهيداً"، وقد أثبت له الإمام السجاد عليه السلام منزلة كبرى لم ينلها غيره من الشهداء ساوى بها عمّه الطيار، فقال عليه السلام: "رحم الله عمّي العباس بن علي، فلقد آثر وأبلى، وفدى أخاه بنفسه حتى قُطعت يداه، فأبدله الله عز وجل جناحين يطير بهما مع الملائكة في الجنة كما جعل لجعفر بن أبي طالب، إنّ للعباس عند الله تبارك وتعالى منزلة يغبطه عليها جميع الشهداء يوم القيامة".

نشأته

مما لا شك فيه أن لنفسيات الآباء ونزعاتهم وكمياتهم من العلم والخطر أو الانحطاط والضعة دخلا تاما في نشأة الأولاد وتربيتهم، إن لم نقل إن مقتضاهما هو العامل الوحيد في تكيف نفسيات الناشئة، بكيفيات فاضلة أو رذيلة، فلا يكاد يرتأي صاحب أي خطة إلا أن يكون خلفه على خطته، ولا أن الخلف يتحرى غير ما وجد عليه سلفه، ولذلك تجد في الغالب مشاكلة بين الجيل الأول والثاني في العادات والأهواء والمعارف والعلوم، اللهم إلا أن يسود هناك تطور يكبح ذلك الاقتضاء.

وعلى هذا الأساس يسعنا أن نعرف مقدار ما عليه أبو الفضل (عليه السلام) من العلم والمعرفة وحسن التربية بنشوئه في البيت العلوي، منبثق أنوار العلم، ومحط أسرار اللاهوت، ومستودع علم الغيب، فهو بيت العلم والعمل، بيت الجهاد والورع، بيت المعرفة والإيمان، وبسيف صاحب هذا البيت المنيع انجلت غواشي الإلحاد، وببيانه تقشعت غيوم الشبه والأوهام، إذن، فطبع الحال يدلنا على أن سيد الأوصياء لم يبغَ بابنه بدلا في حسن التربية الإلهية، هاهنا أن تحدث عن بقية أمير المؤمنين في أي ناحية من نواحي الفضيلة.

لم تكن كل البصائر في أبي الفضل (عليه السلام) اكتسابية، بل كان مجبولاً من طينة القداسة التي مزيجها النور الإلهي، حتى تكونت في صلب من هو مثال الحق، ذلك الذي لو كشف عنه الغطاء ما ازداد يقينا، فلم يصل أبو الفضل (عليه السلام) إلى عالم الوجود إلا وهو معدن الذكاء والفطنة، وأذن واعية للمعارف الإلهية، ومادة قابلة لصور الفضائل كلها، فاحتضنه حجر العلم والعمل، حجر اليقين والإيمان، وعادت أرومته الطيبة هيكلا للتوحيد، يغذيه أبوه بالمعرفة، فتشرق عليه أنوار الملكوت، وأسرار اللاهوت، وتهب عليه نسمات الغيب، فيستنشق منها الحقائق.

رضيع لبان العلم، في حجر أبيه مدرسة يتخرج منها مثل أبي الفضل (عليه السلام)! وما ظنك بهذا التلميذ المصاغ من جوهر الاستعداد، وذلك الأستاذ الذي هو عيبة العلم الإلهي، ومستودع أسرار النبوة، وهو المشيّد لنشر المعارف الربوبية، وتعلم الأخلاق الفاضلة، ونشر أحكام الإسلام، ودحض الأوهام والوساوس، وإذا كان الإمام (عليه السلام) يربي البعداء الأجانب بتلك التربية الصحيحة المأثورة، حتى استفادوا منه أسرار التكوين، ووقفوا على غامض ما في النشأتين، وكان عندهم بواسطة تلك التربية علم المنايا والبلايا، كحبيب بن مظاهر، وميثم التمار، ورشيد الهجري، وكميل بن زياد، وأمثالهم ; فهل من المعقول أن يذر قرة عينه، وفلذة كبده خلوا من أي علم؟!

ثم هلم معنا إلى جامعتين للعلوم الإلهية، ملازمتين للجامعة الأولى في نشر المعارف، وتفانيهما لإفاضة التعاليم الحقة لكل تلميذ، والرقي به إلى أوج العظمة في العلم والعمل، ألا وهما " كليتا " السبطين الحسن والحسين (عليهما السلام) وانظر إلى ملازمته لأخويه بعد أبيه سيد الأوصياء، ملازمة الظل لديه، فهناك يتجلى لك أن سماء علمهما لم تهطل نوراً ويقيناً إلا وعاد لؤلؤا رطبا في نفسه، ولا أنفقا شيئا من ذلك الكنز الخالد إلا واتخذه ثروة علمية لا تنفد، أضف إلى ذلك ما كان يرويه عن عقيلة بيت الوحي، زينب الكبرى، وهي العالمة غير المعلمة بنص الإمام زين العابدين.

وبعد ذلك فما أوشك أن يكون علمه وجدانيا، وإن برع في البرهنة وتنسيق القياس، ومن هنا جاء المأثور عن المعصومين (عليهم السلام): " ن العباس بن علي زُقّ العلم زَقّا " هذا من أبدع التشبيه والاستعارة، فإن الزق يستعمل في تغذية الطائر فرخه حين لم يقو على الغذاء بنفسه، وحيث استعمل الإمام (عليه السلام) ـ وهو العارف بأساليب الكلام ـ هذه اللفظة هنا، نعرف أن أبا الفضل (عليه السلام) كان محل القابلية لتلقي العلوم والمعارف، منذ كان طفلا ورضيعا، كما هو كذلك بلا ريب.

ومن أجل ذلك قال العلامة المحقق الفقيه المولى محمد باقر بن المولى محمد حسن بن المولى أسد الله بن الحاج عبد الله بن الحاج علي محمد القائيني، نزيل برجند، في كتاب الكبريت الأحمر ج3 ص45: "إن العباس من أكابر وأفاضل فقهاء أهل البيت، بل إنه عالم غير متعلم، وليس في ذلك منافاة، لتعليم أبيه (عليه السلام) إياه".

الدفاع عن الولاية عنصر أساسي في تحقق العزة والمعرفة

من الواضح أننا مدينين لآبائنا وأجدادنا الذين عرّفونا على نعمة ولاية أهل البيت عليهم السلام، لكي ننال فخر اتباع هؤلاء العظماء، ونسير في ركبهم وتحت لواء هديهم‏، وفي مجال بيان هذه النعمة الإلهية يجب الإشارة إلى سيرة أبي الفضل العباس(عليه السلام) باعتباره الأنموذج البديل في واقعة عاشوراء، حيث أنه مع مغيب شمس يوم التاسع من عاشوراء تحركت حشود الأعداء القادمة من جهة الصحراء نحو معسكر الإمام الحسين عليه السلام، فأرسل الإمام أخاه أبا الفضل العباس(عليه السلام) ومعه عشرون فارسا للحوار معهم، فقصدهم العباس عليه السلام ومن معه حتى وصلوا إليهم، ثم اتجه العباس نحو جيش الأعداء وقدم لهم طلب الإمام الحسين عليه السلام بأن يؤجلوا القتال هذه الليلة فقط.

عظمة معرفة أبي الفضل العباس (عليه السلام) في ليلة عاشوراء

لا ريب أن مشهد إعلان الوفاء الذي عرضه الأنصار في ليلة عاشوراء يعتبر من أجمل وأسمى مشاهد التاريخ الإنساني حيث تجلّى فيه وفاء وإخلاص ومعرفة أبي الفضل العباس عليه السلام في ليلة عاشوراء حيث أنه بعد أن خطب الإمام الحسين (عليه السلام) في أصحابه وأهل بيته وأحلهم من بيعته، قام العباس بين علي مجيبا على طلب أخيه وقال: معاذ الله والشهر الحرام ، فماذا نقول للناس إذا رجعنا إليهم ، إنّا تركنا سيّدنا وابن سيّدنا وعمادنا ، وتركناه غرضاً للنبل ، ودريئةً للرماح ، وجزراً للسباع ، وفررنا عنه رغبةً في الحياة ؟! معاذ الله ، بل نحيا بحياتك ، ونموت معك، وكذلك قال أخوة الإمام وأبناؤه وأبناء أخوته وأبنائهم، وأبناء عبد الله بن جعفر(أبناء زينب عليها السلام) كما قال العباس، وقد فرح الإمام الحسين عليه السلام لكل هذا الوفاء والإخلاص والشجاعة في اختيار الطريق الأسمى والمصير الأفضل.

وفي هذا المجال يمكن الإشارة ما روي عن فخر المخدّرات زينب (عليها السّلام) أنّها قالت: لمّا كانت ليلة عاشر من المحرّم خرجت من خيمتي لأتفقّد أخي الحسين وأنصاره، وقد أفرد له خيمة، فوجدته جالساً وحده يناجي ربّه ويتلو القرآن، فقلت في نفسي: أفي مثل هذه الليلة يُترك أخي وحده؟! والله لأمضين إلى إخوتي وبني عمومتي وأعاتبهم بذلك فأتيت إلى خيمة العباس، فسمعت منها همهمة ودمدمة فوقفت على ظهرها فنظرت فيها، فوجدت بني عمومتي وإخوتي وأولاد إخوتي مجتمعين كالحلقة، وبينهم العباس ابن أمير المؤمنين وهو جاثٍ على ركبتيه كالأسد على فريسته؛ فخطب فيهم خطبة ما سمعتها إلاّ من الحسين، مشتملة على الحمد والثناء لله، والصلاة والسلام على النبي وآله ثمّ قال في آخر خطبته: يا إخوتي، وبني إخوتي، وبني عمومتي، إذا كان الصباح فما تقولون؟ قالوا: الأمر إليك يرجع، ونحن لا نتعدّى لك قولاً.

ثم قال العباس عليه السلام: إنّ هؤلاء (أعني الأصحاب) قوم غرباء، والحمل ثقيل لا يقوم إلاّ بأهله، فإذا كان الصباح فأوّل مَنْ يبرز إلى القتال أنتم؛ نحن نقدمهم إلى الموت لئلاّ يقول الناس قدّموا أصحابهم، فلمّا قُتلوا عالجوا الموت بأسيافهم ساعة بعد ساعة فقامت بنو هاشم، وسلّوا سيوفهم في وجه أخي العباس، وقالوا: نحن على ما أنت عليه.

ملحمة الماء والعطش

العباس بن علي عليه السلام حامل لواء جيش أخيه الإمام الحسين عليه السلام. وحينما رأي جميع أنصاره وأخوته وأبناء عمومته شربوا كاس الشهادة، بكى شوقا إلى لقاء الله وتقدم وحمل اللواء وطلب من أخيه الإمام الحسين عليه السلام الإذن بالنزول إلى ساحة المعركة وحينئذ بكى الإمام عليه السلام حيث اعتصره الأسى لفراق أخيه بحيث بلل لحيته الشريفة من دموع عينيه وقال: الطريحي: وروي أن العباس بن علي(ع) كان حامل لواء أخيه الحسين(ع)، فلما رأى جميع عسكر الحسين(ع) قتلوا وإخوانه وبني عمه، بكى وأنّ إلى لقاء ربه، اشتاق وحن، فحمل الراية وجاء نحو أخيه الحسين(ع)، وقال: يا أخي! هل رخصة؟ فبكى الحسين(ع) بكاء شديدا حتى ابتلت لحيته المباركة بالدموع، ثم قال: يا أخي! كنت العلامة من عسكري، ومجمع عددنا، فإذا أنت غدوت يؤول جمعنا إلى الشتات، وعمارتنا تنبعث إلى الخراب.

فقال العباس: فداك روح أخيك يا سيدي! قد ضاق صدري من الحياة الدنيا، وأريد أخذ الثأر من هؤلاء المنافقين فقال الحسين(ع): إذا غدوت إلى الجهاد فاطلب لهؤلاء الأطفال قليلا من الماء، ثم ذهب العباس إلى الأعداء ووعظهم وحذرهم، فلم ينفعهم فرجع إلى أخيه فأخبره، فسمع الأطفال ينادون: العطش العطش، فركب فرسه وأخذ رمحه والقربة، وقصد نحو الفرات، فأحاط به أربعة آلاف ممن كانوا موكلين بالفرات، ورموه بالنبال فكشفهم، وقتل منهم على ما روي ثمانين رجلا حتى دخل الماء فلما أراد أن يشرب غرفة من الماء، ذكر عطش الحسين وأهل بيته، وقال:

يا نفس من بعد الحسين هوني وبعده لا كنت أن تكون

أتشربين بارد المعيــــن وهذا حسين شارب المنون

هيهات ما هذا فعال ديني ولا فعال صادق اليقين

ثم رمى الماء وملأ القربة وحملها على كتفه الأيمن، وتوجه نحو الخيمة، فقطعوا عليه الطريق وأحاطوا به من كل جانب، فحاربهم حتى ضربه نوفل الأزرق على يده اليمنى فقطعها، فحمل القربة على كتفه الأيسر، فضربه نوفل فقطع يده اليسرى من الزند، فحمل القربة بأسنانه، فجاءه سهم فأصاب القربة وأريق ماؤها، ثم جاءه سهم آخر فأصاب صدره، فانقلب عن فرسه وصاح إلى أخيه الحسين: أدركني.

تحقق العزة على ضوء ارتباط التدين وحب الاستشهاد

من عناصر عزة أبي الفضل العباس عليه السلام يمكن أن نذكر دفاعه التام عن الإسلام النبوي، وقد كان ثمن ذلك الشهادة في طريق التقرب إلى الله، لذلك نرى أنه بعد استشهاد ثلة من بني هاشم أحضر العباس عليه السلام أخوته – عبد الله وعثمان وجعفر – وطلب منهم قائلا: تقدّموا يا بني أمي حتى أراكم نصحتم لله ولرسوله والتفت إلى عبد الله وكان أكبر من عثمان وجعفر وقال: تقدم يا أخي حتى أراك قتيلا وأحتسبك فقاتلوا بين يدي أبي الفضل حتى قُتلوا بأجمعهم.

مشهد الفريد للتضحية حيث وصل أبو الفضل العباس عليه السلام إلى الماء ولم يشرب منه قطره حتى استشهد؟! هل هو الإمام الحسين عليه السلام أو أبناءه الذي كانوا يرقبون ما يحدث من بعيد؟! أو الأئمة اللاحقين وصلهم الخبر بالإلهام الإلهي؟ أو الملائكة أوصلوا هذا المشهد المليء بالإيثار والتضحية؟! أو بطرية أخرى؟! وعلى أي حال وأيا كان من أوصل الخبر، فقد سجل لأتباع الحق وعلى جبين التاريخ وللأبد طريق التضحية والفداء.

........................................................................................................................
- شبكة الكفيل
- مكتبة شبكة المنبر
- كتاب العبّاس (عليه السلام) للسيّد عبد الرزّاق المقرّم.
- شفقنا، كلام سماحة المرجع آیة الله الشیخ ناصر مکارم الشیرازي.

اضف تعليق


التعليقات

Taha Ghoneim
Egypt
بارك الله فيكم2021-05-29