الإسلام هو الحل، هذا شعار يردده القائمون بالمشروع الإسلامي، بل كل مسلم ملتزم.

وإذا كان الأمر كذلك فلماذا نرى اكثر المرددين لهذا الشعار يعيشون حالة التخلف الفكري والعملي إذن؟ وما هو السبب في تشوه صورة الإسلام عند البعض؟

لا شك أنّ كل مسلم يعتقد بأن الإسلام هو الطريقة التي ارتضاها الله عز وجل للبشرية منهجاً يحقق لها السعادة والرفاه (إن الدين عند الله الإسلام) آل عمران:19، ولا يقبل بأي دين أو طريقة أخرى بدلاً عنها (ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) آل عمران:85 ولأنه تعالى هو الخالق للإنسان ولكل ما يرتبط به - مادياً كان أم معنوياً ـ فإنه يعلم كل ما يصلحه ويفسده، ولذا جعل الطريقة المناسبة التي تلائم طبيعته وحياته، فأحلّ كل طيب يستلذه الناس وحرّم كل خبيث يستقبحونه (ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث) الأعراف:157 كما أنه حرم كل فاحشة والاثم والبغي والافتراء (إنما حرّم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والاثم والبغي بغير حق...) الأعراف:33.

وهذا التطابق بين أحكام الشريعة والطبيعة السليمة للبشر، دليل على أكملية الدين وواقعيته في معالجة ازمات الإنسان وحل مشاكله.

لكنا نرى أن بعض المنادين بهذا الشعار لا يعرفون الإسلام حق معرفته، أو يعرفون منه زاوية واحدة كما قال سبحانه (ومن الناس من يعبد الله على حرف) الحج:11 وعدم معرفتهم بسائر الزوايا يوجب تخبطهم في العمل مما يسبب اضطراب حياتهم وبالتالي اضطراب حياة الناس الذين يعملون من أجلهم، ومن الطبيعي أن يتجاوز الناس كل ما يسبب خللاً في حياتهم وأن يلتفتوا إلى مشاريع أو مناهج أخرى كي توصلهم إلى حياة مستقرة وأمن دائم.

والعصر الحاضر قد تجاوز حالة الشعارات التي لا تحتوي على حقائق واضحة في العديد من جوانبه، ولو انخدع الناس في فترة فإن الغطاء سرعان ما ينكشف ويبدأ التمرد والمخالفة، لأن الكذب حبله قصير وإن طال..

ولا شك بأن المسلمين يعتقدون بالقرآن الكريم وبالرسول(ص) وما جاء في الشريعة من أحكام وقواعد وآداب وسنن، وقد جرّبوا مختلف الأفكار والانظمة طيلة حوالي قرن من الزمن، وفي العقدين الأخيرين حصلت صحوة إسلامية تنادي بالرجوع إلى الإسلام وانه الحل، ولكن إذا لم يتمكن القائمون على المشروع من ايجاد رؤية إسلامية واضحة في قضايا العصر ولم يوجدوا البدائل الصحيحة لمشاكل الناس ولم يعملوا على التطبيق الصحيح ـ فيما امكن ـ، فإن الثقة بهم تتلاشى، وتحصل ـ لا سمح الله ـ نكسة قد تطول لأمد بعيد.

الثقة بالمشروع

يقول أمير المؤمنين(ع) ـ كما في نهج البلاغة ـ (أوّه على إخواني الذين قرءوا القرآن فأحكموه، وتدبروا الفرض فأقاموه، أحيوا السنة، وأماتوا البدعة، دعوا للجهاد فأجابوا، ووثقوا بالقائد فأتبعوه)(1).

المجتمع السليم يبتني على الثقة المتبادلة بين اعضائه، لأن الثقة هي الأساس التي ينطلق منها الإنسان في تعامله مع بني نوعه، ولولاها لما استقر حجر على حجر، فثقة الزوج بزوجته وبالعكس توجب السعادة في الحياة الزوجية، واكثر ما يرى من طلاق ناتج عن فقدان الثقة والصدق والاخلاص بين الزوجين واتهام احدهما الآخر، كما أن التجارة تبنى على الثقة ولو لاها لوقفت الدورة التجارية، كما أن العلاقات السياسية تحكمها الثقة بين الحاكم والمحكوم ولولاها لعمّ الاضطراب والفوضى..

ومن هذا المنطلق يرشدنا الإسلام إلى عدة أمور تزيد من الثقة وينهانا عما يخلّ بها: فالأمانة، والصدق، وحسن الظن بالآخرين، وحمل فعل السلم على أحسن وجه، والوفاء بالوعد، وقبول المعذرة، وترك التجسس، وعدم الغيبة، وغير ذلك، قد ملأت صفحات الفقه وكتب الاخلاق، وكلما كان الأمر أهم كانت الحاجة إلى الثقة آكد.

ومن جهة أخرى ينبغي مراعاة ما يزيد من الاطمئنان والوثوق، مثلاً الإشهاد، والكتابة، والمحاسبة، والمراقبة وأمثالها قال تعالى (واشهدوا ذوى عدل منكم) الطلاق:2 (إذا تداينتم بدين إلى اجل مسمى فاكتبوه... ) البقرة:282.

والإمام علي(ع) في قوله: (ووثقوا بالقائد فاتبعوه) فرّع الطاعة والاتباع على الثقة، وهذا يفتح لنا آفاقاً مهمة في مسألة القيادة:

حيث لا يصح الاتباع بلا وثوق، فانه يجر المآسي والويلات، كما يشاهد في الحكومات المستبدة، والمسلمون الأوائل وثقوا بالرسول(ص) وبالقرآن الكريم فطبقوا ذلك على حياتهم فتقدموا وبنوا حضارة إنسانية لم تعرف البشرية لها مثيلاً حتى يومنا هذا.

كما أنه يجب الوثوق بمن هو أهل لذلك ـ مع جعل الضمانات الكافية ـ فليس من الصحيح تحكيم الاهواء والمصالح الشخصية فلا نثق بمن يستحق الثقة وهو أهل لها أو نمنح الثقة من لا يستحقها..

فيجب أن تكون الثقة الواعية المنطلقة من العلم بعيداً عن الاهواء، مثل هؤلاء الأصحاب الذين يتأسف الإمام علي(ع) على استشهادهم، فهؤلاء قرأوا القرآن وأحكموه أي فهموه فهماً واعياً، وتأملوا في الواجبات والفرائض فأقاموها على احسن وجه قلباً وقالباً، وعملوا بكلام وسنة الرسول(ص) ولم يتركوها، بل تركوا كل ما خالف السنة الشريفة من البدع، وبعد كل ذلك وانطلاقاً من القرآن ومن السنة عرفوا القائد الصحيح ـ وهو الإمام علي(ع) ـ فحصلت لهم الثقة به لأنه المنصوب من قبل الله، فأدركوا أن اتباعه مرضاة للباري عز وجل، وانطلاقاً من تلك الثقة اتبعوه واستجابوا لندائه للجهاد واستشهدوا في ركابه (رضوان الله عليهم).

استعادة الثقة

وفي زمان الغيبة حيث لا توجد قيادة معصومة من الخطأ والمعصية والنسيان، بيّن الإسلام لنا الصفات الملازمة للمتصدين للمشروع الإسلامي، كما أنه بيّن الضمانات الكافية.

أولاً: صفات المتصدين

هناك صفات متعددة يلزم توفرها في القائد أو المتصدي، ذكرت في القرآن الكريم والسنة المطهرة ومن أهمها:

1ـ النزاهة الدينية والدنيوية

في الحديث الشريف (فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه فعلى العوام أن يقلدوه)(2) يجسد هذا الحديث لنا أهم صفات القائد فلا نفسه نفس ضعيفة، ولا عمله عمل باطل فهو يتبع كلام الله تعالى ويصون نفسه من الانزلاق في المهاوي وكلما أمره هواه خالفه وحفظ دينه.

فكم من أناسٍ تربعوا على القيادة أو تصدّوا لمشروعٍ ما لكنهم نسوا كلام الله تعالى أو انجروا إلى أمور ثانوية ترضية لأهوائهم وتركوا الأهم الذي يصب في صميم المشروع.

فمثلاً ترى جماعات رفعوا راية الإسلام لكنهم وبعد فترة جعلوا من تلك الراية تجارة مادية، أو انضووا تحت لواء الجائرين مقابل الحصول على مناصب صغيرة أو بنية الحصول عليها، كل ذلك تحت شعارات إسلامية وتأويلات غير صالحة، مما يوجب انعكاس سلبياتهم على اصل المشروع الذي ابتدأوا المناداة به، وفي الحديث الشريف (ولا تكونوا علماء جبارين فيذهب باطلكم بحقكم)(3).

2ـ فهم العصر ومتطلباته، وايجاد الحلول الناجحة

إن البعض لا يدرك حاجات العصر فيبقى جامداً، مما يجعل المشروع الذي يطرحه غير منسجم مع حياة الناس ومتطلبات المرحلة، بل قد يكون معوقاً لحركة المجتمع، وذلك مما يسبب رفض الناس لذلك المشروع والالتجاء إلى مشاريع أخرى.

وهذا لا يعني التنازل عن الثوابت الاسلامية، ذلك لأن تلك الثوابت لا تنافي فطرة الإنسان ومعيشته، بل مخالفتها هو خروج عن قوانين الكون وطبائع الأشياء، وانما المقصود تطبيق الكليات والقواعد الإسلامية على العصر، فكل ما توصل إليه العلم الحديث من اختراعات وافكار وطرق يؤيدها الإسلام ما لم تتعارض من الثوابت الدينية، لان الإسلام لا يعارض العلم والتطور بل يدعو إليها، قال الله تعالى (الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه) الزمر:18 وقد روي أن الرسول(ص) قد سمع باختراع سلاح جديد في اليمن فارسل بعض أصحابه ليتعلم صنعته عملاً بقوله تعالى (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة) الأنفال:60.

فالمشروع الإسلامي بحاجة إلى خبراء واخصائيين في مختلف المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والقانونية والقضائية ويستنبطون الطريقة الفضلى في تلك المجالات ويعرضونها على الفقهاء الذين هم أهل الخبرة في استنباط الحكم الشرعي من الكتاب والسنة، فعلى هؤلاء تعيين وتشخيص الموضوع وعلى الفقهاء استنباط الحكم، في إطار من التحاور والتشاور وانتخاب الأفضل.

3ـ ديمقراطية القائمين على المشروع

ويتم ذلك عبر الانتخابات الصحيحة والنزيهة التي تجعل الجمهور مشاركاً في القرارات وانتخاب القيادات.

فإن من لا يتخلى عن كرسي حزب أو جماعة مثلاً ويمارس الدكتاتورية والاستبداد، لجدير بان لا يتخلى عن السلطة ـ لو تسنت له ـ لان من يحتكر الأقل يحتكر الأكبر أيضا، كما قال سبحانه (إن الإنسان ليطغى) العلق:6 وفي الحديث (من ملك استأثر)(4) ومن المعلوم أن الاستبداد يعود عليه بفقدان الثقة به من قبل الجمهور.

إن من ينادي بأن الإسلام هو الحل، أجدر الناس بالعمل بكتاب الله حيث يقول (وأمرهم شورى بينهم) الشورى:38.

فما اكثر الانشقاقات التي حصلت بسبب تمسك القيادة بالكرسي رغماً على رغبة الأفراد، وما اكثر الجماعات التي ضعفت بسبب نموّ القاعدة وعدم اشراكها في القرار مما جعلها تنفصل لتجد لنفسها دوراً في مكان آخر.

4ـ التطبيق الصحيح فيما يمكن

إن تخبط بعض الذين ينادون بالمشروع الإسلامي في التطبيق وفعل ما يرفضه الإسلام والعقل السليم باسم الإسلام، سبّب عدم الثقة بالمشروع الإسلامي عند كثيرين.

مثلاً: تصرف حركة طالبان في أفغانستان، وتحكيم نظام من أسوء الأنظمة وأشدّها قمعاً وتخلفاً وأبعدها عن مبادئ الإسلام واعتباره هو الإسلام الصحيح، سبب تخوف كثير من المسلمين من المشروع الإسلامي.

فالتطبيق الصحيح ـ ولو بالمقدار المستطاع ـ يوجب عود الثقة، فإن لم يمكن في الدولة، ففي المؤسسة أو الجماعة أو الحسينية أو المسجد أو...

إن تطبيق فكرة شورى المراجع تثمر الكثير، ومن ثمارها: توطيد ثقة الناس بالمرجعية الدينية، لان هذا المشروع يمنع أي نوع من التجاوزات الفردية التي قد تحصل جراء غياب المؤسسة الشوروية وفقدان المراقبة الصحيحة، كما تمنع من تصدي غير الاكفّاء لقيادة المسلمين.

إذ أن تنظيم القيادة الدينية ـ إن صح التعبير ـ وتوحيد الجهود فيما هو لصالح الإسلام والمسلمين، واحتواء مختلف الطاقات في ذلك والعمل بأكثرية الآراء في مواقع الاختلاف والانصياع إلى ذلك، لكفيل بإيجاد قفزة في العمل، مما يزيد من ثقة الجمهور فيتفاعل مع تلك القيادة التي توصله إلى شاطئ الأمان، وهل يعقل أن ننادي بالديمقراطية أو الشورى في الحكم ونتوقع أن يثق بنا الناس، ونحن عاجزون عن تطبيقها فيما هو اقل حجماً من الدولة بكثير؟

ثانياً: الضمانات الكافية

كما ذكرنا أن الثقة وحدها لا تكفي، لأنه ما اكثر من انحرفوا بعد استقامة، وخانوا بعد أمانة، فاللازم ايجاد ضمانات مختلفة تبقي الثقة وتصون من الانحراف، وفي القرآن الكريم والسنة الشريفة اشارات جليّة لأمور هامة تكون ضمانة واقعية لاستمرار الثقة ، كما أن هنالك بياناً واضحاً للبدائل الصحيحة وبطرق سليمة فيما لو زالت الثقة، نذكر بعضها:

1ـ عدم التقديس الجاهل

يقول الإمام علي(ع) ـ كما في نهج البلاغة ـ (فلا تكلموني بما تكلّم به الجبابرة، ولا تتحفظوا مني بما يتحفظ به عند أهل البادرة، ولا تخالطوني بالمصانعة، ولا تظنوا بي استثقالاً في حق قيل لي، ولا التماس اعظام نفس، فانه من استثقل الحق أن يقال له أو العدل أن يعرض عليه كان العمل بهما عليه أثقل)(5).

إن الإمام علي(ع) لا يحتمل أن يصدر منه الخطأ أو أن يغتر بما يقال له، لأنه كما قال رسول الله(ص) (علي مع الحق والحق مع علي)، ومن كان هذا شأنه يكون معصوماً إذ لا يعقل أن يكون الحق مع الخطأ، كما أنه(ع) منصوب من قبل الله عز وجل، ومن كان هذا شأنه يستمر على جادة الصواب قطعاً، ولكنه مع ذلك يرفض التعامل معه معاملة صنمية وكما يتعامل مع الجبابرة، إذ أنهم لا يريدون إلا استماع التملق، ويغضبون من سماع الحقائق، ويعجبون بالمنافقين الذين يصانعونهم، حيث يستثقل هؤلاء استماع الحق ويرفعون انفسهم استكباراً.

إن معاملة أي إنسان ـ إلا من عصم الله ـ معاملة صنمية، توجب الغرور فيه وكأن ما يراه وحيٌ منزل، فلا يتحمل أي فكرة أو فعل تخالف مزاجه ويوجب ذلك اجتماع المتملقين واصحاب المصالح، قال تعالى: (فاستخف قومه فاطاعوه انهم كانوا قوماً فاسقين) الزخرف:54 وكما قال الإمام الصادق(ع) للمنصور العباسي (من أراد الدنيا لا ينصحك ومن أراد الآخرة لا يصحبك)(6) لان ابن الآخرة لا يعايش الظالم ولا يرضى بأفعاله فان انكرها قتله الظالم وإن سكت عنه خسر آخرته لان الله سبحانه يقول (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار) هود:113 ويقول الرسول(ص) (الساكت عن الظلم شيطان اخرس)، وابن الدنيا حيث يخاف على مصالحه فانه لا يقوى على أن يعارض أو يستنكر بل يسلك طريق التزلف حفاظاً على مصالحه.

ويتم رفض حالة الصنمية والتقديس الجاهل عبر:

بيان الرأي الآخر:

وذلك عن طريق الحرية العملية لمن يريد الانتقاد مع الضمانة لحفظ أمنه، بحيث لا يتمكن المنتقد من معاقبته على نقده، وإذا لم تكن هنالك معوقات للنقد فإن الاخطاء تظهر مما تمنع من الصنمية.

وما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا نموذج رائع من حرية النقد البناء الذي يقف عقبة أمام التجبر، قال الإمام الباقر(ع): (أربع من قواصم الظهر منها: إمام يعصي الله ويطاع أمره)(7) ، إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة على كل مسلم ومسلمة ـ بنحو الوجوب الكفائي ـ، والقرآن كما يبين وجوبه على الجميع، كذلك يبين وجوب أن تكون هناك طائفة من الناس همها المراقبة بنحو مستمر، فإن رأت ما يعارض الشرع بينته وأذاعته قال الله تعالى (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) آل عمران:104 ويدخل تحت هذا العنوان كل ما يمنع التجاوزات، كالمجلس النيابي المنتخب، والصحافة الحرة، والاحزاب المعارضة و... فكل هذه إن تحولت إلى جماعات أو مؤسسات تعنى بحفظ الحدود، تكون من مصاديق الأمة التي تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر.

ولعل الحديث الشريف (لتأمرن بالمعروف ولتنهنّ عن المنكر أو ليسلطن الله شِراركم على خياركم فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم)(8) إشارة إلى هذه الحقيقة حيث أن غيابهما توجب ـ فيما توجب ـ الصنمية التي تهوى بالإنسان إلى مرتبة شرار الخلق.

2ـ الفصل بين القدرات

إن الديمقراطية اليوم تؤمن بلزوم فصل السلطات بعضها عن البعض الآخر، لأن اجتماعها يوجب الطغيان من غير رادع، أما فصلها أو توزيعها فانه يوجب حالة التوازن بحيث لو أراد احدهم الطغيان فإن للأطراف الأخرى من القدرة ما يمنعه.

وليس هذا مختصاً بسلطات الدولة، بل تشمل جميع القدرات الأخرى، ومنها الاحزاب أو التجمعات الاسلامية، وقد قال الله تعالى (إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى) العلق:4 فإن اجتماع كل القوى بيد شخص واحد تجعله قادراً على التلاعب ـ عمداً أو غفلة ـ كما يشاء مما ينتهي إلى العصيان عليه ومن ثم الانشقاق وما يلازم ذلك من مهاترات وغيرها مما يوجب فقد الثقة بالجميع.

ويكون من ضمن فصل القدرات عدم تمركز المال بيد واحد حتى لا يتمكن من اركاع الآخرين عبر تعريض مصالحهم المالية للخطر، وكذلك وجود لجنة مستقلة تكون المرجع لدى النزاع، وغير ذلك.

ولا يخفى أن فصل السلطات وتوزيع القدرة إنما يكون مؤثراً إذا كان واقعياً حقيقياً يحفظ لكل قوة حريتها في الرأي والعمل مع حفظ نسبة جيدة من التنسيق والتعاون، واما إذا كان التوزيع صورياً ورجعت الأمور كلها بيد شخص واحد كما يقع في العديد من الأنظمة المستبدة فهو يضر ولا ينفع.

3ـ وضع دستور ديمقراطي وثقافة دستورية

إن ضبابية المشروع الإسلامي وعدم وضوح الرؤية لدى الكثير من المنتمين إليه، يفسح المجال أمام من يريد الالتفاف على رأي الأكثرية، ويكون سبباً لتفاقم الصراع والنزاع، فلذا نحن بحاجة إلى مرجع دستوري واضح يتخذ من الشورى منطلقاً له، ومتكامل يسد الثغرات المختلفة التي قد تتحول ـ مع الزمن ـ إلى نقاط تجاذب سلبي.

ثم أن الدستور وحده لا يكفي، لأنه ما أكثر الدساتير الجميلة التي لا يعمل بها، بل يلزم أن تكون ثقافة دستورية لدى القاعدة بحيث تلتفت إلى التجاوزات وتطالب برجوع الأمر إلى حده.

4ـ التغيير والتحديث

يجب أن تكون المراتب العليا متاحة للجميع، فكل من كانت فيه المواصفات اللازمة فهو أهل للوصول إليها، ولو وجدت في أحدهم وتربع على القمة فليس معناه انحصار الأمر فيه إذ الزمان ليس عقيماً من أن يلد مثله أو أحسن منه، فكم من خلف هو خير من سلفه، وتقنين التغيير في القيادات بعد انقضاء مدة معينة من تسلمها مـــهامها ومن ثم خلق التنافس الايجابي فيمن يخلفهم ضمانة كافيــة لاستمرار الثقة ولتحقيق المزيد من الانتصارات.

وختاماً:

فإن كل ذلك يتم عبر التوعية، فإن الوعي والعلم هو الأساس الذي تبتني عليه كل تلك الأمور المشار إليها، وليعلم بأن الطريق طويلة وليست مفروشة بالورود، فلابد من الاستقامة والتواصي بالصبر حتى نجتاز الأزمات بسلام ونحوز على رضا الرب ونخرج عن الخسران الدائم (والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصلوا بالحق وتواصوا بالصبر) العصر:1-3.

* مقال نشر في مجلة النبأ- العدد 49- جمادي الثاني 1421/ أيلول 2000

...............................................
1 - نهج البلاغة، الخطبة رقم 182.
2 - الوسائل، ج27، ص131.
3 - الكافي، ج1،ص36
4 - الوسائل، ج12، ص39.
5 - نهج البلاغة، الخطبة رقم 216.
6 - البحار، ج47، ص184.
7 - البحار، ج25، ص110، ورويت عن الرسول(ص) البحار، ج72، ص39.
8 - البحار، ج93، ص378، ورويت عن الإمام الكاظم(ع) بألفاظ متقاربة.

انقر لاضافة تعليق