شاب لم يزل تحت سقف العشرين، ملامح الشغف بالقراءة تظهر عليه، نظارة طبية تزيّن وجهه وتمنحه مظهرا أنيقا وعميقا، يتأبط رواية لكاتب أجنبي معروف، يتقرّب مني وثمة خجل واضح يغمرُ عينيه، لاحظت رغبته بالحديث معي، بادرتهُ بالتحية ورجوته أن نجلس معا ونبدأ النقاش حول الكتابة الإبداعية، جلسنا على مقعد خشب في حديقة عامة، كان الخجل لا يزال يغمر محيّاه، تحدثتُ معه في قضايا ومواضيع تتعلق بالشباب وتهم حياتهم.

مع الوقت غادره الخجل وأظهر لباقة في الكلام ودقة في الحوار، وبدت شخصيته مرحة ساخرة وعميقة في الوقت نفسه، هذه العلامات منحتني رغبة مضاعفة في مواصلة الحديث معه، عرفتُ منه أنه يكتب القصة، وأنه يحب هذا الفن، وقد قرأ روايات عراقية وعربية وعالمية كثيرة، لكنه لم يستطع أن يحقق امنيته في كتابة قصة ناجحة كما أخبرني.

ثم تساءل بأسف واضح قائلا، لماذا أهملنا الكتاب الآباء، وأعني بهم الكتاب الذين سبقونا في التجرية، يواصل كلامه فيقول، منذ عشر سنوات وأنا أحب فن السرد وأطالع القصص وأقتني أحدث الروايات الصادرة في هذا الجنس الأدبي المرموق، توجد عندي مئات الأفكار والأحداث والشخصيات، لكنني عاجز عن كاتبة قصة من صفحة واحدة، لقد حاولت ذلك لكنني فشلت لسبب لابد أنه واضح للأساتذة الذين يبقونا في الكتابة.

هذا السبب يتعلق بعدم تعليمنا كتابة القصة من خلال نقل خبرات الكبار لأبنائهم الأقل منهم عمرا وتجربة، لم يحدث أن شاهدت أحدا من الكتاب المعروفين ينقل خبراته الى الشباب، لم أجد طوال عشر سنوات منظمة ثقافية او نقابة او اتحاد او أية جهة تتبنى المواهب الشبابية الراغبة بتعلّم المهارات الكتابية، بل يذهب كثير من ذوي الخبرة الى القول بأن القصة موهبة لا يمكن تعليمها للآخرين، ويبررون قولهم هذا بأن الموهبة لا تُصنَع وإنما تُخلق مع الإنسان.

لكنني في الحقيقة قرأت عن تجارب في شعوب أخرى يقدم فيها كبار الكتاب خبراتهم الى طلاب يرغبون باتقان كتابة السرد او القصة ومنهم الكاتب الغربي (موباسان) الذي قدم محاضرات قيّمة لطلابه واستطاع أن يصنع كتاب رواية من أكثر كتاب العالم مهارة ونجاحا في كتابة القصة والحكاية والرواية.

هذا يعني أن موهبة كتابة القصة ليست خاضعة للخَلْق أو التوريث، وإنما بالإمكان أن يعلمنا الكبار عليها وعلى أسسها وكيفية كتابتها من خلال نقل خبراتهم وتجاربهم إلينا نظريا وعمليا، لكن للأسف حتى هذه اللحظة لم أتلقّ طوال عشر سنوات أية مساعدة أو خبرة من الكبار.

الموهبة تُزرَع وتُصقل

بعد أن انتهى الأديب الشاب من كلامه، بخصوص عدم تلقيه لأية مساعدة، وافقتهُ على ما ذهب إليه وصرّح به، فنحن في العراق نفتقر لمثل هذه المبادرات، ورحتُ أستعيد رحلتي مع الصعوبات الكبيرة التي واجهتني الى أن استطعت أن اكتب أول قصة معترف بها بعد نشرها في مجلة أدبية شهرية مرموقة في وقتها، لقد عانيت كثيرا حتى تعلمت، وكان طريقة التعلّم قائمة على جهد شخصي بحت، فلم يكن هناك من يعلم الشباب آنذاك.

هذا الوضع نفسه يتكرر اليوم مع هذه الأجيال الشغوفة بالكتابة الإبداعية، تُرى على من تقع مسؤولية هذا الخلل، ولماذا لم يبادر الكتاب الكبار الى إقامة دورات طوعي للشباب يعلمونهم فيها كيفية الكتابة الإبداعية، ما هي الأسباب بالضبط، هل يؤمن الكبار بأن تعلّم الأدب بأجناسه كافة لا يقوم على التدريس بل على الموهبة التي تُخلَق مع الإنسان؟؟، ولكننا نعرف تمام المعرفة أن هناك من الكتاب الكبار قدموا تجاربهم للشباب ونجحوا في مهمتهم هذه.

على سبيل المثال الكاتبة الفرنسية (فرانسواز ساغان)، كتب أولى رواياتها وهي في عمر (18 سنة)، أي انها في المرحلة الأولى من دراستها الجامعية، طُبعتْ روايتها تلك تحت عنوان (صباح الخير أيها الحزن)، وقد ذاع صيتها وبيع من روايتها مئات الآلاف من النسخ لتصبح هذه الفتاة الصغيرة من أشهر الكتاب بين ليلة وضحاها.

هذا المثال يؤكد لنا أن التعاون بين التدريب والموهبة أمر أساس، ولذلك لا يمكن أن نخذل الشباب ومواهبهم بحجة أن كتابة القصة غير قابلة للتعلّم، وقد يكون التشبث بمثل هذه الأعذار نوعا من التهرّب عن القيام بالمسؤولية بإزاء مواهب الشباب، صحيح أن الموهبة مطلوبة، ولكن ثمة ما هو موازٍ للموهبة في الأهمية، ونعني بذلك كيف تتحول هذه الموهبة من الهواية الى الاحتراف والعمل المهني.

لا شك أن الأمر يحتاج الى دعم للشباب وتوجيه لمواهبهم واستثمار لطاقاتهم، وهذه المسألة تحتاج الى تعاون الكبار مع الشباب الذين يأتون بعدهم، ويمكننا أن نتصور بأن القضية أشبة بالزراعة، أي أن الكبار اذا أرادوا أن يحافظوا على نسلهم ونعني بذلك تواصل الكتابة الابداعية، تقع عليهم مسؤولية نقل خبراتهم الى الشباب.

من هنا لابد أن يكون هناك حضور مميز لأصحاب الخبرات في الكتابة الابداعية وعليهم مهمة تقديمها للشباب، لكي تنمو مواهبهم وتستمر بالتطور وتؤكد حضورها الواضح في ساحة الابداع، وهو أمر قابل للتطبيق، إذ لا يمكن أن نغلق أبواب التعاون في وجوه الشباب، لأسباب قد تتعلق بالتقاعس او التهرّب من أداء المسؤولية كما يجب، وهو أمر ينبغي أن يتنبّه إليه الكتاب الكبار تجربة وعمرا.

خطوات عملية لنقل الخبرات

في قراءتي لمذكرات أحد الكتاب، أثار إعجابي إصراره على تعليم الجدد لفن كتابة القصة، إذ كان يلتقي بمجموعة من الشباب الراغبين في التعلم مرتين في الاسبوع، في بيته الخاص، يفرّغ إحدى الغرف ويباشر بنقل التجربة الى هؤلاء الشباب، ولم ينسَ في نهاية كل لقاء أن يقترح عليهم عناوين ومضامين ويطالبهم بكتابة قصص متميزة، تتم قراءتها في الاسبوع اللاحق، وتتم مناقشتها بصورة حرفية.

تمكن هذا الكاتب المثابر من خلق جيل من الكتاب الشباب الموهوبين، إذاً فهذا الأمر لا يتعلق بنقص في الإمكانيات، أو قلة في الوقت، وإنما هناك مشكلة في الإرادة والتصميم لدى الكتاب الكبار، لدرجة يمكن القول أنني لم أجد كتابا مستعدا لنقل خبراته طوعيا الى الشباب، مع أن هذه المهمة ينبغي أن تكون من أهم أهداف الكتاب الكبار.

وعندما يسأل هؤلاء الكتاب أنفسهم الآن، كم كاتب منهم يمتلك خبرات الكتابة، بادر الى اعلان استعداده لتقديمها للشاب الراغبين بتعلم الكتابة الإبداعية أو سواها؟، الجواب ليس هناك من بادر في هذا الاتجاه، كذلك نستطيع أن نؤشر هذا الخلل لدى المنظمات والاتحادات الثقافية التي تعلن اهتمامها بالإبداع، لكنها لم تجرؤ على تقديم خبرات أعضائها الى من يحتاجها من الأجيال الشبابية الموهوبة.

يحتاج هذا الموضوع الى إعادة نظر من الكتاب الكبار أصحاب الخبرات القادرين على صقل مهارات الشباب، كذلك مطلوب من المنظمات الثقافية بمختلف أشكالها الى المبادرة بالاعلان عن اقامة دورات تساعد الشباب على اتقان الكتابة الابداعية في القصة أو سواها، هذا الأمر يحتاج بطبيعة الحال الى استعداد ذاتي اولا ورغبة في تطوير قدرات الشباب، فهناك كتاب كبار اصحاب رسالة لن يتقاعسوا في نقل خبراتهم الى النسغ الجديد، وهؤلاء هم المعوّل عليهم في تطوير الشباب ووضع اقدامهم على الجادة الصحيحة.

اضف تعليق


التعليقات

الكاتب الأديب جمال بركات
مصر
أحبائي
التواصل بين الأجيال الإبداعية مسئولية كل المثقفين
لابد من اقتراب الشباب من الكبار واستعداد الكبار لمنح الخبرة لشباب المبدعين
لكن للأسف للأسف الشديد على أرض الواقع توجد فجوة كبيرة ...اضافة الى سيطرة بعض المدعين
أحبائي
دعوة محبة
أدعو سيادتكم الى حسن الحديث وآدابه...واحترام بعضنا البعض
ونشر ثقافة الحب والخير والجمال والتسامح والعطاء بيننا في الأرض
جمال بركات...مركز ثقافة الألفية الثالثة2019-01-06