أنا ليس الشخص الوحيد الذي ربطته بالقراءة علاقة من نوع خاص، ولا أدّعي أنني مختلف عن الآخرين في هذا المجال، فقد أخبرتنا مذكرات العديد من المفكرين والعلماء والأدباء بعلاقات نافرة متفردة، جمعت بينهم وبين القراءة، لكنّ السمة التي قد تميّز علاقتي بالقراءة عن غيري، أنها باتت دوائي ضد الأرق؟

منذ مراهقتي ربطتني مع الكتاب علاقة وطيدة، لا أتذكر كيف بدأت، ولمَ أصبحت مصاحبة لي بشكل يومي قبل النوم؟، ويتذكر أصدقائي في العمل، أو أفراد عائلتي كيف كنتُ أغفو فيسقط الكتاب على صدري، وحين أصحو أجده يقاسمني فراشي، كلنا عشنا ونعرف أحلام المراهقة والشباب، كنتُ كغيري أعاني من الأرق المرهِق، أتذكر أنني راجعتُ أكثر من طبيب لمعالجة حالة الأرق التي تقلقني قبل النوم.

بعضهم كان ينصحني بالعمل العضلي المجهِد، وكان عملي هكذا بالفعل دون أن ينصحني به أحد، نعم طبيعة عملي يتضمن جهدا عضليا فوق طاقتي، لكن حين ألجأ للفراش أشعر كأنني استيقظت الآن من النوم، جربتُ كلّ العلاجات، ولم ينجح منها سوى القراءة، وأعظم ما في هذا العلاج، تلك السعادة واللذة التي كانت تتدفق من الكلمات على رأسي وقلبي، فأغفو وينام الكتاب فوق صدري.

هذا النوع من القراءة الممتعة اللذيذة يمنحك الفائدة أيضا، وهذا ما يسمّى بالقراءة الناجحة، وفي وقتها كنت أتباهى أمام الآخرين بأنني أقرأ، لكنني في الحقيقة وجدت أن هناك نسبة كبيرة من أقراني القريبين من عمري، كلّهم تقريباً يقرأون، لكن الفارق بيننا، ذلك الشعور النسبي بالمتعة والفائدة، وهكذا وجدتُ أنني المتفوق الأول بالقراءة المفيدة الممتعة لسبب كنتُ أجهلهُ في حينها.

لابد من اقتران متعة القراءة بالفائدة

بعد قراءات فاقت العقد من السنوات، صاحبتها كتابات ذات صبغة احترافية، فهمت لماذا كنتُ متفوقا على غيري في نتائج القراءة، أو الفعل والشعور المصاحِب لها، إنها رغبتكَ الصادقة وحبك وتعلّقك بالقراءة، وتعمّقك فيها، وفهما والبحث عن نفسك وأحلامك وجدواك فيها، لقد اكتشفت أنني لم أكن أقرأ لمجرد القراءة، بل هناك شيء ضائع مني، ينقصني، أريد أن أعثر عليه، وأتمّمهُ بالقراءة.

بعد تلك السنوات الغنية، استعيد اليوم شريط القراءة في ذاكرتي، فتتوهج تلك الحماسة الكبيرة للقراءة في داخلي، كنت أراقب القراء في الحدائق العامة، في المقاهي، في سيارات الأجرة، في القطارات، كانت هناك أعداد مهمة تواظب على القراءة.

أحيانا كان ركاب السيارة يتناقلون الجريدة الواحدة فيما بينهم كي يقرؤوا، لا أتذكر أنني ركبتُ سيارة أجرة إلا والصحف معي، وحين يطلبها مني أحدهم أشعر بالزهو والتميّز، وأسارع لمنحها إياه، بل وأدعوه لمنحها آخرين.

الأمر المؤلم، تكاد ظاهرة القراءة تضمحل بين أجيالنا الجديدة من الأطفال والصبية والشبان، هنالك أسباب كثيرة تقف وراء هذا العزوف شبه الجماعي، وعلينا أن نعرف هذه الأسباب، ونبدأ بمعالجتها، لأن أهمية القراءة تكاد تضاهي أهمية الغذاء الذي يتناوله الإنسان، وفق تنظيم وترتيب يومي داومتْ عليه البشرية منذ نشوئها والى يومنا هذا، ما هو النوع الآخر من الغذاء؟

هناك من يعزو ذلك للإنترنيت ومواقع التواصل الاجتماعي، والمواقع الإلكترونية وسواها، لكن ماذا تنشر مواقع التواصل، إنها – في نسبة كبيرة منها - أخبار مضللة، وأفكار وثقافات منحازة، ليس هذا ما يحتاجه شبابنا، ولا أطفالنا، والمهم لدينا هو القراءة السليمة، ورقية كانت أو إلكترونية.

ما يحتاجه شبابنا هو غذاء العقل، أو غذاء الروح، وأزعم أنه لا يختلف عن طعام الجسم الذي يديم حيوية الحركة وتواصلها، فمثلما يجوع الإنسان ويشتهي الطعام ويأخذه كي يستمر بالعيش، العقل يجوع أيضا إذا لم نغذّهِ، وقد يتحول إلى عضو بليد أو أبله، في حين هو القائد الأول والأهم لجميع أعضاء الجسد.

صناعة المجتمع القارئ

كيف ولماذا تهيمن البلادة والبلاهة على العقل، أو بتعبير آخر تحويل العقل من مركزه القيادي الأول، إلى عضو روتيني يكتفي بالأعمال الآلية لهُ، وهو ما يحدث مع بعض البشر، حين يتخلى عن مواهبه ويركن مؤهلاته جانبا، ليصبح حاله حال الآخرين، لا شيء يميزه عنهم بسبب انسحابه عن دوره القيادي الفعال.

تهمين البلادة على العقل عندما لا تصبح القراءة زادا يوميا ممتعا ومفيدا، وحينها سوف يعاني من أعراض البلاهة والخمول، إذا لم يطعمهُ صاحبه بغذاء القراءة، وطالما أن ما يهمّنا هو جعل القراءة مهمة عند الأطفال والشباب، فإن التركيز على هذه الفئات العمرية، يأتي كحاجة لا يمكن إهمالها، وهذه الحاجة هي صناعة الإنسان القارئ، بمعنى يجب أن يكون الهدف حب الجميع للقراءة.

إذا قام كلٌ منا بدوره كما يجب، وكما هو مطلوب، بدءاً من الأسرة، مرورا بالمدرسة، صعودا إلى المنظمات الفكرية والثقافية والدينية ومثيلاتها، فإننا حينئذ، نساهم بفعالية في صناعة مجتمع قارئ، لأننا سوف نكون أمام طفل مثقف، وصبيّ واعٍ، وشاب مدرك لألغاز الحياة، وأنواع الثقافات، فلا نخشى عليه من الجهل، ولا التخلّف ولا الغزو الثقافي، ولن يتسلل إليه الشعور بالدونية.

شخصيا حاولتُ بكل ما أستطيع أن أجعل من القراءة، فعل لا ينفصل عن حياة من أشاركهم في علاقاتي الاجتماعية، أو العملية، نجحت في بعضها وأخفقت في أخرى، وهو أمر طبيعي، لكنني كفرد أستطيع أن أزعم بأنني سحبتُ الكثير من الناس إلى القراءة، وبعضهم أثّر بغيرهِ، وهكذا أسهمنا بطريقة أو أخرى في عملية صناعة قارئ، وإن لم يكن بالمستوى المأمول.

وأزعم لو أننا تعاضدنا، أفراد ومنظمات ومؤسسات مهتمة بالثقافة والفكر والقراءة، ولو وضعنا خططا مدروسة لنشر القراءة، لاسيما الجهد الحكومي المنظّم (البيوت الثقافية المنتشرة في المحافظات دون عمل فكري أو ثقافي يُذكَر)، والجهد المدني الطوعي، لأصبحنا اليوم أمام أجيال لا تقربهم البلاهة ولا البلادة ولا الخمول.

وهو ما لا يمكن نفيه عمّا يعاني منه العراقيون اليوم، فمن خلال مسح فردي أجريته على شبان المنطقة التي أسكنها، والشباب الذين أعرفهم، اكتشفت أن نسبة مخيفة منهم لا تعنيهم القراءة بشيء، بل هناك من يسخر ويهزأ بي حين كنت أسأله، هل تقرأ؟ هل تحب القراءة، ماذا تعني لك القراءة، النسبة فاقت الـ 50%، وهو أمر خطير سوف تكون نتائجه المستقبلية مؤلمة للعراقيين!!

الحلول تكمن بأيدينا وبمبادراتنا، فحتى لو تخلّت الحكومات، والجهات الرسمية عن دورها، من الأولى بالمنظمات المدنية، والمؤسسات غير الحكومية، والشخصيات الثقافية أن تبادر وتخطط وتتآزر وتعمل بلا كلل، لإتاحة الغذاء الفكري الثقافي للجميع، وأولهم الأطفال والمراهقين والشباب، فهل نصل ذات يوم إلى مرحلة صناعة القارئ، وتصبح القراءة ذات يوم طاردة للأرق من العقول الجائعة؟

انقر لاضافة تعليق