آراء وافكار - مقالات النبأ

تساؤلات عن مجتمع الذُؤبان*

قراءة في قصيدة (أين الإنسان) للسيد حسن الشيرازي

حياة الإنسان عبارة عن سلسلة متواصلة من الأسئلة التي تبحث عن أجوبة، وفي حال توقّف العقل وكفَّ الإنسان عن طرح الأسئلة، فهذا يعني أنه تجمّدَ فكريا، واكتفى بما عليه الحال، ولم يعد يعنيه الظلم بشيء، ولا غياب العدل والإنصاف، لكن تواتر الأسئلة وطرحها بشكل مستدام، تعني أن من يطرحها إنسان فاعل مفكّر يتفاعل بدأب مع واقعه، بحثا عن الأسلوب الأفضل والأكثر إنصافا وعدلا.

في قصيدة طويلة نسبياً، مدججة بالأسئلة، للشاعر المفكّر الشهيد آية الله السيد حسن الشيرازي، تحمل عنوان (أين الإنسان)، نلاحظ ضجيج التساؤلات كأنه سيل لا يتوقف، مكتظ بالأسئلة التي تبحث بإلحاح شديد عن أجوبة شافية وافية، كلها تصب في طبيعة الإنسان، وتنبش في واقع الإنسانية المثير للألم والباعث على الحزن، حيث يتحول الإنسان فيه إلى ذئب (في غابة)، لا تعنيه الرحمة بشيء، ولا العدالة أو الإنصاف!

هكذا هو حال الإنسانية، إذا ما نظرنا إليها بعيدا عن السطح، فمن يتعمق ويتوغّل في أعماق الإنسانية فإنه سوف يرى العجب العُجاب، مما يفعله الإنسان بأخيه الإنسان، وهو ما سطّرهُ الشهيد السيد حسن الشيرازي في قصيده هذه، مؤكّدا ذلك الألم الرهيب الذي ينقضّ على نفسه ومشاعره، حين يتساءل بألأم، (أين الإنسان) في عالم اليوم الغاطس بالكراهية والظلم والطبقية المقيتة التي لا يعنيها حرمان الفقراء المسحوقين بشيء.

هذا الهمّ الإنساني يحاول أن يفضح واقع البشرية، ويسعى لتوجيه النقد لسلوك الإنسان الذي يجافي القيم، ويوغل بالبغضاء، حتى أن الشهيد الشاعر السيد حسن الشيرازي بصف المجتمع البشري بـ (حديقة حيوان) وهي جملة مرادفة لحياة الغاب، حيث يسود قانون (القوي فوق الضعيف)، وينظر الأقوياء (الذئاب) إلى الأقل قوة كأنهم فرائس كالغزلان.

يتساءل الشاعر في قصيدته هذه:

( أين الإنسانْ ..

وما هو شكل الإنسانْ ؟..

وما هو لون الإنسانْ ؟..

وماذا تعني الإنسانيةُ في مجتمع الذُؤبانْ؟..

ما دام الكون حديقة حيوانْ

والناس يريدون سواهم غزلانْ).

أسئلة مؤلمة ومحرجة في نفس الوقت، موجَّهة للبشرية، ولكنها لا تبتعد عن الواقع، ولا تجافي ما يحصل على الصعيد العالمي، حيث الحرمان والفقر والجوع، يجتاح ملايين البشر في موجات متواترة، بسبب ابتعاد الإنسان عن قيم العدالة والإنصاف، لاسيما أولئك الذين يصلون إلى السلطة، ويتمسكون بها كأنها من أملاكهم الخاصة، وهؤلاء هم الطغاة على مرّ العصور.

وعلى الرغم من فضح القصيدة للطغاة، وعدم مبالاتهم بتضحيات (العظماء) من المفكرين والمبدعين، لكن الأمور تكتمل بخواتيمها كما هو معروف، فالصراع بين الطغاة والثوار العظماء لا ينتهي، ودائما الغلبة للثوار المضحين، على الرغم من أن الشاعر يحتجّ بعلانية تامة، ويشير إلى أرشيف (إجرام السلطة) وتاريخ الطغاة المعبّأ بالطغيان، حيث يتحول الشهداء إلى جسر يعبر عليه الحكام المستبدون إلى مآربهم الخبيثة.

فنلاحظ نبرة الألم في هذه القصيدة، كأنها صوت احتجاج مستدام لمن يعاني المرض والتخلف والجوع بسبب سياسات المستبدين الرعناء، ولعل الإشارات الشعرية المتكررة التي تفضح أساليب الطغاة، تكمن الغاية منها تأليب الرأي العام على الحكام المارقين، وتهيئة العقول للثورة واسترجاع الحقوق والمطالبة بحفظ الحريات وحماية الرأي، وهو ما لم يتحقق في ظل الأنظمة المستبدة التي تدفع بالشعوب إلى حافة اليأس.

يقول الشاعر الشهيد السيد حسن الشيرازي:

(ماذا تعني تضحية العظماءْ

لمن هم دون الحقراءْ ؟..

ما دام التاريخ ..

ـ وليس التاريخ سوى أرشيف الإجرامْ ـ

يصوّر أجساد الشهداء رصيفاً يعبره الحكّامْ).

ولكن كل الشواهد التاريخية تؤكد غياب العدالة ، وعدم احترام قيمة الإنسان ولا كرامته في ظل القمع والاستبداد، لاسيما حين تُختَصر جميع السلطات في شخص الحاكم الأوحد، وتغيب معايير العدل وتضمحل قيمة الإنصاف، فتغدو العدالة حلماً بعيد المنال.

يقول الشاعر الشهيد السيد حسن الشيرازي:

(ماذا يعني قوس المحكمة العليا.. وشعار الميزانْ ؟؟..

مادام السلطان يساوي الميزانْ

وليس الميزان يساوي السلطانْ

ما دام الحربات ـ بأيدي الجلاّدين ـ سيوفٌ.. وسياطْ..

ما دام القانون يفصّل كالمطّاطْ

وتجري قنوات الريح بدون بساطْ.

وهكذا يواصل شاعرنا بمجساته الشعرية المتفحصة والمتذمرة من واقع بالغ الهشاشة، يؤكد تنمّر الحكام، في ظل ديمقراطية شكلية كاذبة، وشورى غائبة، مما يؤدي إلى المزيد من الظلم، ومزيد من تدمير القيم الأخلاقية التي تنظم العلاقات الاجتماعية في إطارها الأخلاقي الصحيح، هكذا يمكن أن تسود الجهالة ويتراجع دور الدين، ويحل العنف محل الرحمة، وتغيب الشورى في ظل الأنظمة الاستبدادية القمعية.

ولا يقتصر انتقاد الشاعر للحكام بل للإنسان الذي ينهجُ قانون الغاب، ويتراجع فيه حتى المفكرون ليصبحوا أداة طيعة في خدمة الظلم والقهر والاستبداد، في هكذا واقع بشري مريض ومأزوم يصفه الشاعر بلوعة وتأثّر شديد، حتى الإنسان الحر يتم تجريده من حريته وأفكاره بل وحتى يُجرَّد من عنوانهِ.

حيث يشير إلى ذلك الشاعر الشهيد السيد حسن الشيرازي فيقول بأسف ومرارة:

(ما دام السيفُ..

ــ وليس الله، وليس رسول الله، وليس الشعبُ ــ

هو الشورى..

وهو النص على خلفاءِ رسول اللهْ

ما دامت أحزاب اليومِ..

تترجم حرفيّاً عورة عمرو بن العاصْ

ما دام الفكر المتقدِّم يخدم أجهزة الرجعيينْ

ما دام الإنسان بقرن العشرينْ

كإنسان الغابةِ، ما بين الآكل والمأكولْ

ما دامت أُمم الدنيا،

تُعرض في صفقات النخّاسين.. كقطعانْ

ما دام الإنسان الحرُّ.. بلا عنوانْ.

بهذه الثورة المتأججة يُطلقُ الشاعر صرخته الساخطة على الواقع الإنساني المزري، بعد أن يعريه تماما ويُبعد عنه ورقة التوت الزائفة التي يحاول أن يخفي خطاياه بها، إنها الصرخة التي تريد من الإنسان أن يستيقظ من خذلانه وسكينته ليواجه الطاغوت بكل ما يمتلك من قوى مادية وفكرية ومعنوية، نعم يُطلق الشاعر صرخته المدوّية لتعرية الواقع البشري وتصحيحه وتخليه من براثن الطغاة وطغيانهم.

فيقول الشاعر الشهيد مستدركاً:

ما كنت أظنُّ الإنسانَ.. صدى الشيطانْ

ما كنتُ أظنُّ الجنَّ.. ملائكة الرّحمانْ

ما كنتُ أظنُّ الكونَ.. جحيماً خلف الألوانْ

ثم يقول بنبرة واضحة:

ما كنتُ أظنُّ ...

ولكنِّي ـ منذ الآنْ ـ

سأهجر صومعة الغفرانْ

وأعصف ـ كالويلاتِ ـ بقافلة الخذلانْ

وأحيا ـ مثل الناس ـ على الأضغانْ

وأمشي ـ مثل الناس ـ مع العنوانْ

ولا أُخدع باْسم الإنسانْ

فالإنسان بلا عنوانْ....

في الختام نستطيع ملاحظة النبرة الشعرية الناقمة، والصوت المتمرد للشاعر الشهيد السيد حسن الشيرازي، فهو في هذه الأشعار ليس رجل دين ولا مفكر ولا عالم، إنه باختصار يُظهرُ روحه الشاعرة الساخطة على الواقع البشري المأزوم، فيضخّ المزيد من شحنات الاحتجاج، ويطلق الصرخات تلو الأخرى منبّها الإنسان بواقعه، ومحذرا إياه من شبكة العلاقات المزيفة التي تحيط به، وما عليه سوى الانتباه والحذر وإبداء المعالجات المطلوبة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*جمع ذئاب

اضف تعليق