قبل أيام كان جالساً في مكانه الذي لم يغيّرهُ منذ سنوات، إنهُ يجلسُ عند باب بيته، تحت ظل شجرة وارفة، على كرسي بسيط، ولم يفكر بتغيير مكانه مطلقاً...

عندما أخرجُ عصرا من بيتي، أتوقّع أن أراه جالساً في مكانه، كان جارُنا يتطلّعُ إلى الأشجار والعصافير والناس، إيمانه العميق واستقراره ينعكس على وجهه المطمئن، ألقي عليه التحية، فينهض بصعوبة من كرسيّه ويرد تحيتي بامتنان واعتزاز، كأنني تفضّلتُ عليه حين بادرتهُ بتحيتي، يسألني عن عملي وصحتي ثمّ يدعو لي بالتوفيق من كلّ قلبه.

هو لم يكن صديقي الشخصي، لأنه صديق الجميع، كلّ أفراد الحي الذي نسكنه يعرفونه جيدا، ويؤمنون به، ولا يشكون لحظة في طيبته وصفاء سريرته ونيّته الطيبة وتمنياته بالنجاح للجميع من دون استثناء، لا تتوقف صداقته على الناس وحدهم، بل تمتد إلى الكائنات الأخرى، فهو يحب الأشجار، يرعاها، يسقيها دائما، ويحرص على حمايتها من لهيب الشمس الحارقة في الصيف، ويغطيها شتاءً بالنايلون حتى لا تقتلها موجات الصقيع، يرأف بالحيوان الصغير، كلماته كما يقول أهل الحي دواء للعليل لأنها تخرج من قلبه المؤمن مباشرة.

في الحي هناك من يستغرب شخصية هذا الرجل، ويتساءل من أي طينةٍ خُلق هذا الإنسان، فهو لا يشكو من شيء مطلقا، ولا يذمُّ أحدا، ولا يعرف النميمة، بل طيلة حياته هنا لم يسمح لنفسه بإزعاج أحد، ولم يُعرَف عنه إنه تشاجر مع أحد، حتى لو أخطأ معه، من أين أتى بهذا القلب الكبير، يقول شاب من سكان الحي، كنتُ أخرج فجرا من بيتي إلى عملي، وحين أمرّ قرب باب هذا الرجل أتوقّف قليلا كي أستمع لتهجّد صوته وهو يتلو آيات من القرآن، صوتهُ مليء بالإيمان والصدق، يملؤني بالهدوء والاتّزان، ثم أمضي إلى عملي مطمئن النفس وممتلئ بالتفاؤل، لدرجة إنني تعوّدتُ على سماع صوته فجرا، ولا يمكن أن أذهب إلى عملي إذا لم أطيّبُ نفسي وقلبي بهذا الصوت المؤمن الودود.

جارُنا هذا صار علامةً فارقة في حيّنا السكني، الكلّ يضع له مكانة خاصة في قلبه، حتى الشباب وصغار الأولاد يلجأون إليه، يستشيرونه في أمورهم ومشكلاتهم، وهو يفرح بذلك ولا ينزعج، يقدّم للجميع مشورات وإعانات ومحفزّات يحتاجها الشاب والمراهق، كان جارنا يركّز على الشباب بالتزام الصبر كطريق للنجاح، كان يدعو المراهقين إلى الاستفادة من وقتهم وطاقاتهم، كان يجلب معه مجلات صغيرة وكراريس متنوعة ويهديها للمراهقين والشباب، ويطلب منهم قراءتها، ويرجوهم أن يخبروه في اليوم التالي بمضمون المجلة أو الكتاب وهل استفادوا منها، وكثيرا ما كان يناقشهم حول آرائهم وأفكارهم بعد القراءة.

أحد أفراد الحي أطلق على هذا الرجل اسماً جميلا يتكوَّن من كلمتين (صديق الأشجار)، فرح الرجل بهذه التسمية لكنه قال أنا صديق الجميع وضحك من كل قلبه، أمس كان جارنا يسقي حديقته في لحظات الغروب، بجسد نحيل ووجهٍ مشرق، رشاش الماء يبلل أوراق الشجر، فتبدو مثل وجوه العرائس، كان الرجل شغوفا بالحياة، متمسكا بها، لكنه أعدّ للدار الأخرى عدّتها أيضا، كان يحب الأشجار بمختلف أنواعها، ويزرعها في كل مكان يصل إليه، لم يكن يشكو من مرض خبيث، أمراضه عادية ومتباعدة مثل أي إنسان بصحة جيدة..

صباح اليوم عندما فتحت باب البيت، قرأت لافتة خضراء تؤكد موت (صديق الأشجار)، لم تكن صدمة بالنسبة لي، لان الموت حقّ على الجميع، فربما تفقد حياتك في الشارع أو المقهى أو المطعم بل وحتى في البيت.. لكن السؤال الأهم هو (ماذا أعددتَ لرحيلك؟)

رحل جارنا.. صديق الأشجار.. حين عدتُ من عملي قبل قليل، مررتُ قرب حديقة جارنا، وقفتُ في مكانه بعد أن رحل فجأة من دون سبب مفهوم، الناس سمعوا بالخبر، الشباب أصابهم الحزن، أنا بنفسي رأيتُ حزنَ الأشجار، واصفرار الأوراق حزنا على ساقيها، شعرتُ أنها تعيش حالة اليتم.. بدأتُ أسقيها، أخذتُ مكان جاري وتعهدتُ مع نفسي للأشجار بأن أواصل مهمة رعايتها... لكنني فكرتُ أيضا بما هو أهم، وسألتُ نفسي، تُرى ماذا أعددتُ للرحيل الطويل؟!

انقر لاضافة تعليق