إسلاميات - اهل البيت

سلطة المعرفة في مواجهة الاستبداد

الامام الصادق نموذجا

يشعر المستبد بالارتياح وهو يرى ملايين الناس يتبعونه، خوفا او طمعا.. فهو يملك سلطة القمع وسلطة المال، واحدة للتخويف واليأس، والثانية للأمن والرجاء.

والسلطة بمعناها الواسع هي شكل من اشكال القوة، فهي الوسائل التي من خلالها يستطيع شخص ما ان يؤثر على سلوك شخص اخر..

والمستبد حين يمارس سلطته على رعاياه، لا يهمه شرعيتها ومن اين يستمدها طالما ان هؤلاء الرعايا يعتقدون بهذه السلطة عن طريق الدعاية او التلقين المنهجي بصحتها وشرعيتها..

و(السلطة تبحث، في النطاق الذي تشمله أهدافها عن المناطق الرخوة والفراغات كي توسع من انتشارها).

لم يكن مفهوم السلطة بهذا الشكل الذي وصلت اليه في الدراسات الاجتماعية والسياسية في عصرنا الراهن، ايام حياة الامام جعفر الصادق (عليه السلام)، فالحاكم الاسلامي تلك الفترة، يمتلك شقي السلطة الديني–السياسي..

فالديني على اعتبار انه خليفة المسلمين، والسياسي على اعتباره الحاكم بأمره نتيجة للبيعة التي يحصل عليها من موقع القوة او الغنى، بعد ان أحرز السبب الوراثي فيها.

لقد ظل مفهوم السلطة يحمل رواسب لاهوتية، كما ظلت الصورة التي يوحي بها دوما هي صورة رأس الهرم. هذا التصور هو الذي جعل الفكر السياسي يحتكر الحديث عن السلطة. لطالما نُظر إلى السلطة على أن لها موقعا معينا تقوم عنده هو أجهزة الدولة. هذا التموقع للسلطة كان يقسِّم المجتمع ذاته إلى من بيده السلطة ومن لا يمتلكها).

كان الجهد المعرفي الذي قام به الامام الصادق (عليه السلام) يستهدف بالدرجة الاساس زحزحة هذا المفهوم عن حقله الديني والسياسي، المتعارف عليه في زمانه، وهو (عليه السلام) كان يعرف مبكرا ما اتضح الان في مجال الدراسات الاجتماعية والسياسية أن (الفكر السياسي لا يمكن لوحده أن يحتكر مفهوم السّلطة، وأن هاته لا تتجلى فحسب في السياسة والقانون، وإنما في المدرسة والأسرة والمعمل وميادين اللعب، بل في الجنس والكتابة واللغة)، لهذا اتخذت اشكالية علاقة السلطة بالمعرفة شكلا مغايرا في عصرنا، عما كان سائدا في تلك العصور.

لم يقتصر الامام الصادق في مدرسته على (الدين) بأوامره ونواهيه، رغم كونه يعتبر أعظم مصادر المعرفة وأكثرها حقيقة، بل انشغل أيضا عليه السلام بنشر المعارف المتعددة عبر تنظيمها في خطط محددة والتعبير عنها بتنفيذها للوصول إلى الغاية المنشودة والهدف المخطط له. ف" المعرفة قوة وسلطة وتمكّن" كما عبر عن ذلك الفيلسوف الفرنسي أوكست كونت. كما أن للمعرفة وظيفة تمكّنها من أن تغدو قوة وسلطة في يد من يمتكلها.

لقد عاصر الامام الصادق عليه السلام العديد من الخلفاء الحكام، فمن الامويين:

"هشام بن عبد الملك، إبراهيم بن الوليد، يزيد بن عبد الملك الملقب بالناقص، مروان بن محمد الملقب بالحمار".

ومن العباسيين "أبو العباس السفّاح، أبو جعفر المنصور الدوانِيقي".

كل هؤلاء الحكام لم يتمكنوا من استهدافه، لانه (عليه السلام) قد نأى عن مواجهتهم بالفعل السياسي المباشر، لان تلك المرحلة الزمنية التي عاش فيها وعاصرهم، كان فيها الكثير من التضليل والانحراف ونشر الجهل والذي استفاد منه أولئك الحكام في ترسيخ سيطرتهم وسطوتهم على رعاياهم، وكانت مدرسة الامام الصادق عليه السلام تستهدف تحطيم مثل هذه السيطرة من خلال تشييد سلطة مضادة لسلطات هؤلاء الحكام وهي سلطة المعرفة، القادرة على انتاج المعنى في مختلف جوانب الحياة للمسلمين.

وفي كل زمان من حاضرنا او مستقبلنا القادم، اذ نستحضر هذه التجربة المعرفية الرائدة، فإننا نؤكد على أهمية التمكين المعرفي المطلوب لمجتمعاتنا لغرض النهوض من كبوتها وتراجعها في سلم البناء الحضاري للمجتمعات المتقدمة، ولغرض القضاء على الجهل والتخلف الذي يسمح بظهور المستبدين في انظمتنا السياسية، والذين يزيدون من ترسيخ كل منظومة القيم المرتبطة بالجهل والتخلف، من اللامبالاة وانعدام الحس بالمسؤولية والخوف من الغد والياس وانعدام الآمال والاحلام والطموحات..

التمكين المعرفي لمجتمعاتنا هو الحاجز والمصد لكل الأبواب والنوافذ والمساحات التي يدخل منها الاستبداد الى حياة المجتمعات ويعيث فيها فسادا، ولا يكون ذلك ممكنا الا من خلال تطوير النظم التربوية والتعليمية، وإتاحة مجالات التعليم الرصين لكل الافراد، مع افساح المجال وتوفير الفرص لخلق بيئات ابتكارية ومبدعة في كافة مجالات الحياة.

* هذا المقال يعبر عن رأي مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث
http://shrsc.com/

اضف تعليق