أرخى الليل سدوله وفرش عباءته السوداء على الوجود ونثر على ملاءته نجوما فضيّة شحيحة الضوء تومض بحزن من بعيد.

قبع بأسى في زاويّة قصيّة من الغرفة وضمّ ركبتيه الى صدره وقلبه ينبض كقرع الطبول، أخذ الذعر يسيطر عليه ويقرض أطراف عظامه، فشرع النوافذ والابواب بعد أن وجد الخوف طريقا الى قلبه، فهو يرتجف فزعا من الظلمة التي تجلب له رؤى مخيفة وأشباحا لا تبرح تؤرّق لياليه الطويلة، فضلا عن أفكار سوداء تُنقَش في قلبه.

راح يبحث في كبد السماء عن قمر يضيء ليله الكئيب، ضاق صدره لفقده وارتدّ البصر يائسا من بصيص نور. إحساس عميق بالغضب والسخط يتملّكه كلمّا يُقطع التيار الكهربائي، فيتلوّى تحت ثقل الظلمات، تناول قلمه وشرع في تفريغ بعض ما يجيش في صدره بعد أن أضاء العتمة بشمعة صغيرة!!.

شرر يتطاير من عينيه، ينهشّه الحقد على أولئك الذئاب، ناهبي الوطن الذين استأثروا بالضوء، فأعمى بريق السلطة والمال بصيرتهم وتركوا البؤساء يتخبّطون في ظلمات لا تنجلي.

ألم ونكد ظلّ يخنقه ويجثم على أنفاسه حتى دفع به الى الاحساس بعدم الجدوى من الكتابة عن أناس سوف تدور عليهم الدوائر يوما ما وهم يصغرون حتّى عن الهجاء على قول المتنبي:

"لا يضرّك الظلام، انما يضرّك أن تفكر فيه".

حاول جاهدا أن يردد هذه العبارة ليلقّن نفسه بهذه الفكرة ليغيّر اتجاهه الذهني، ومنّى نفسه بهذا ولكن لا سبيل الى ذلك. حضرته نصيحة الفيلسوف نيتشه في جدوى المشي لجلب أفكار ايجابية فعلّه يحسّن مزاجه الرديء المضاد للظلام، ليتخلّص من وطأة قلق اخذ يحفر في أعماقه، وينجح المشي عادةً في التخفيف من بعض توتّره.

تحت جنح الليل خرج هائما على وجهه يجول في الشوارع والازقّة، ترد الى خاطره طاحونة الايام التي يقطع فيها عمره في أعمال متعبة، أدمن الشكوى والسأم من لظى القيظ نهارا والظلمة ليلا فضلا عن بقية الازمات والاخطار التي تتفاقم يوما بعد اخر.

تعلوه سحابة الهم من الفساد الذي تعيشه البلاد والذي لا سبيل الى اصلاحه على ما يبدو، وودَّ غير مرّة لو هاجر مع بعض اترابه وأنداده، فالوطن بات سجنا عملاقا ولا شيء يوحي بالفرج القريب!!.

***

 حزينة بغداد كلّ يوم، بيد أن شوارعها غير مقفرة بعكس عادتها في كل ليلة، غلت مراجل الحزن في قلبه بعد ان استحضر السبب في ذلك فهي تعود لمناسبة قلّ ما يحييها كل عام، ذكرى استشهاد إمامه السابع، ذاك المعذّب في قعر السجون وظلمة الطوامير، وتذكّر أنّ ثمّة من عاش في هذه المدينة في زمن غابر وكان بلا شك أكثر بؤسا من الجميع الآن!!.

15عاما في سجون مظلمة لا يُعرف ليلها من نهارها، ألم تعتريه الكآبة من تلك الظلمة الداجية؟! أطرق رأسه خجلا ومشى مع بعض الناس الذين يمموا وجوههم شطر ذلك اللحد المقدّس بعد أن ضاقوا ذرعا من ظلمات داخليّة وخارجيّة قبعوا فيها طويلا!.

ألقت سفنه التائهة مرساتها عند شاطئ الكاظميّة المقدّسة، توّجه الى باب المراد لينشر حوائجه عند باب الحوائج وهو يعلم علم اليقين أنّ كل ضائقة عندهم ستفرج.

طرق مسامعه حديث السيّد الجالس على المنبر، يقصّ على الحضور طرفا من حياة الامام، انشدّ الى كلامه واستقرّت تلك الكلمات التي تنبض حروفها بالسلوان في نفسه، يسعى العزاء الى قلبه شيئا فشيئا، وحديث ذو شجون جعله يعيد النظر في حياته.

"اللهم إنّك تعلم اني كنت أسألك أن تفرغنّي لعبادتك، اللهم وقد فعلت فلك الحمد!!".

 ما أعظم من يرى الجمال حتى في أقبح صوره!!

كاظم الغيظ عانى من ظلم السلاطين والعباد والسجن والظلام، كم تكبّد صلوات الله عليه في إخفاء تلك المشاعر التي تتحوّل في جلّ النفوس سريعة العطب الى مرض يفتك بحياتهم.

موسى الكاظم واهل بيت النبوّة كل مكان دونهم هو سجن!!، هم الذين وعوا دروس الحياة جيدا وعلّموها لكل البشرية، وبينوا أنّ للعروج الى الله والوصول الى مدارج الكمال ثمن، وهو المرور بظلمات متنوّعة ولن يطأ الانسان عتبة النجاح إن لم يخرج من سجن الهوى.

نور دخل فضاء قلبه عنوة وهو يستمع الى تلك الكلمات، اكتنز هذا النور ليضيء لياليه الحالكة فيما بعد!! شعر بطيف ذاك الامام الغريب المظلوم وكأنه يمرر يده الشريفة المقيّدة بالسلاسل على رؤوس الزوّار ويربت على أكتافهم التعبة، عيونه دامعة من جور سلاطين وديكتاتوريات خرّبت البلاد والنفوس وهو يطلب من شيعته الصبر والرضا لخطوب يمتحن الله فيها الايمان لحين الفرج الموعود، فالمعاناة والصعوبة ترفع الانسان الى الاعالي اذا صبر أو تنزل به الحضيض اذا جزع، فيقول راهب آل محمد (ع): (المصيبة للصابر واحدة وللجازع اثنتان).

 كفكف أدمعه الجارية ولهج لسانه بدعاء الكاظم (ع) في أيام رجب ولياليه العظيمة والتي تكاد تنقضي:" عظم الذنب من عبدك فليحسن العفو من عندك".

سيبقى يقتات بكلماته المنيرة لتكون زاده في طريق دامس طويل وصعب وتسليه كلمات الامام: "المؤمن مثل كفتي الميزان كلمّا زيد في إيمانه زيد في بلائه".

اضف تعليق