مقدمة رسالية

الحقيقة الواضحة في تاريخ البشرية والتي يحاول شياطين الإنس والجن إخفاءها لخطورتها في حياة البشرية كلها: وهي أن الدِّين مغروس في فطرة كل إنسان، ومعجونة به طينته كالماء الذي سُكب على تراب آدم (ع) ولذا كان أول إنسان (آدم) نبي من أنبياء الله، ونبوة آدم لا يختلف فيها اثنان على ما يبدو.

ولذا كان الدِّين مع الإنسان ولادة وموتاً، حيث يبدأ معه منذ أن يزوج الذكر بالأنثى، ويرافقه حتى القبر ولكن يحاول شياطين البشر أن ينكروا هذه الحقيقة ليبرروا أعمالهم وجرائمهم وتصرفاتهم والدِّين يسمِّيها معاصيهم بأي طريقة يمكن لهم ذلك، ولكن وجدوا المبرر الذي يصغر عنده كل المبررات هو أنه ينكر الدِّين بالجحود، والرَّب بالوجود ويعتنق الإلحاد ليرتاح من فطرته وضميره الذي يؤرقه ليله ونهاره.

ولذا الدِّين كان يتطور مع الإنسان ويتقدم معه في مراحله المختلفة حيث بدأ بدائياً ثم تطور بما يتناسب مع إمكانيات الإنسان وتقدمه وتطوره العلمي والعقلي إلى أن صاروا كثيرين ودبَّ بينهم الخلافات وبدأت النزاعات وظهرت الشقاقات بين الأخوة في الآدمية والأشباه في الإنسانية، إلى أن صاروا أهلاً لتلقي الرسالة فأرسل إليهم رسوله نوح شيخ الأنبياء والمرسلين (عليه السلام)، إلا أنهم رفضوا رسالته وسخروا منه حتى أبادهم وجاء بنسل جديد ممَّن كانوا معه في السفينة لا سيما من أولاده الثلاثة (سام، وحام، ويافث) وأما كنعان فقد أهلكه الله وأغرقه بالموج الذي أهلك فيه البشر العصاة في ذلك الزمن.

وبدأ عصر جديد ومسيرة جديدة أكثر تقدماً وتطوراً بأبي الأنبياء والمرسلين بطل التوحيد إبراهيم الخليل (عليه السلام)، حيث ارتفعت نسبة الذكاء والتعقل في البشر وأصبحوا أهلاً لتنزل عليهم كتب وصحف السماء فتتالت صحف إبراهيم، وتوراة موسى، وزبور داوود، وإنجيل عيسى، وأكثرها كانت فيما يسمَّى في التاريخ ببني إسرائيل وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم وإخوة يوسف الصدِّيق (عليهم السلام)، ولكنهم كانوا بئس القوم لأنبيائهم ورسل الله فيهم حيث كانوا يقتلون سبعين نبياً من أنبيائهم بين الطلوعين (الفجر والشمس) ويذهبون إلى أعمالهم وكأنهم لم يفعلوا شيئا.

وهكذا ارتقت الإنسانية بأولئك العظماء من رسل السماء، وبلغت الإنسانية سن الوعي والرشد وأصبحت أهلاً لاستقبال الرسالة الإلهية الخاتمة والكتاب السماوي الجامع لكل الكتب والصحف السابقة عليه، وذلك على يدي خير الخلق طراً وأول خلق الله نوراً، وآخر رسل الله ظهوراً وبعثة محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله) من خير سادات العرب أرومة، وذروتهم مكاناً ومكانة، لأنه ينتمي إلى شجرة الأنبياء الإبراهيمية من الفرع الإسماعيلي العربي من نسل عدنان.

وكانت بعثته في مكة المكرمة تلك المدينة القديمة التي فيها بيت الله الحرام الذي جدده ورفع جدرانه إبراهيم وولده إسماعيل ثم أذَّن للناس بالحج إلى بيت ربهم، فكانت مكة مهوى القلوب والأفئدة لنسل إسماعيل لما غرسه الله فيهم من محبة ومودة وكان سنامهم وسادتهم محمد وآله الطاهرين (صلوات الله عليهم أجمعين)، وأنزل الله كتابه الخاتم والجامع عليه في مدة رسالته (23 عاماً) مكيها ومدنيها.

حالة العرب قُبيل البعثة

التاريخ يقول: بأن مكة المكرمة لم تكن أرض حضارة يوماً بل هي أرض قاحلة ووادي يابس لا زرع ولا ضرع فيه، بل هي أرض عبادة ومناسك لأن الله امتحن خلقه وعباده بالتعبد فيها رغم كل حرارتها وصعوبتها وقساوتها ليعلم المطيع الصادق من العاصي الكاذب، ولذا اجتمع فيها طغاة العرب وكبراءهم عندما صنع لهم هاشم الخير رحلتي الشتاء والصيف وجعل منها مركزاً تجارياً للجزيرة العربية كلها وربطها بالهند عن طريق اليمن وبأوربا عن طريق الشام فنشأ فيها قوم كانوا متكبرين ومتجبرين وطغاة يقربون من الفراعنة ولذا ورد في الرواية: (أبو جهل فرعون هذه الأمة).

وحقاً وصدقاً كانت حالة العرب في تلك العصور من أبشع وأشنع العصور حيث كانوا في جاهلية وجهل مطبق، وكانوا يعيشون على القتل والقتال والغزو والغزو المضاد فيما بينهم فكانت حياتهم جحيماً لا يطاق حيث يصفهم مَنْ كان بهم خبيراً وبشأنهم عليماً ألا وهو أمير المؤمنين الإمام علي حيث يقول عن حالة العرب وقريش قبيل بعثة الحبيب المصطفى (ص): (إِنَّ اَللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّداً (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) نَذِيراً لِلْعَالَمِينَ وَأَمِيناً عَلَى اَلتَّنْزِيلِ، وَأَنْتُمْ مَعْشَرَ اَلْعَرَبِ عَلَى شَرِّ دِينٍ، وَفِي شَرِّ دَارٍ مُنِيخُونَ بَيْنَ حِجَارَةٍ خُشْنٍ، وَحَيَّاتٍ صُمٍّ تَشْرَبُونَ اَلْكَدِرَ، وَتَأْكُلُونَ اَلْجَشِبَ، وَتَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ، وَتَقْطَعُونَ أَرْحَامَكُمْ؛ اَلْأَصْنَامُ فِيكُمْ مَنْصُوبَةٌ، وَاَلْآثَامُ بِكُمْ مَعْصُوبَةٌ). (نهج البلاغة: ج۱ ص68)

وفي كلمة أخرى لا تقل عن هذه الدُّرة العلوية يقول فيها أيضاً: (أَرْسَلَهُ عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ اَلرُّسُلِ، وَطُولِ هَجْعَةٍ مِنَ اَلْأُمَمِ، وَاِعْتِزَامٍ مِنَ اَلْفِتَنِ، وَاِنْتِشَارٍ مِنَ اَلْأُمُورِ، وَتَلَظٍّ مِنَ اَلْحُرُوبِ، وَاَلدُّنْيَا كَاسِفَةُ اَلنُّورِ، ظَاهِرَةُ اَلْغُرُورِ، عَلَى حِينِ اِصْفِرَارٍ مِنْ وَرَقِهَا، وَإِيَاسٍ مِنْ ثَمَرِهَا، وَاِغْوِرَارٍ مِنْ مَائِهَا، قَدْ دَرَسَتْ مَنَارُ اَلْهُدَى، وَظَهَرَتْ أَعْلاَمُ اَلرَّدَى، فَهِيَ مُتَجَهِّمَةٌ لِأَهْلِهَا، عَابِسَةٌ فِي وَجْهِ طَالِبِهَا، ثَمَرُهَا اَلْفِتْنَةُ، وَطَعَامُهَا اَلْجِيفَةُ، وَشِعَارُهَا اَلْخَوْفُ وَدِثَارُهَا اَلسَّيْفُ). (نهج البلاغة: ج۱ ص۱۲۱)

وأما سيدة النساء فاطمة الزهراء (عليها السلام) فقد وصفتهم بلا أقل من ذلك في خطبتها الفدكية المشهورة حيث تقول عن حالهم وفضل رسول الله فيهم: (وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ اَلنّارِ فَأَنْقَذَكُمْ، مُذْقَةَ اَلشَّارِبِ، وَنُهْزَةَ اَلطَّامِعِ، وَقُبْسَةَ اَلْعَجْلاَنِ، وَمُوَطَّأَ اَلْأَقْدَامِ، تَشْرَبُونَ اَلطَّرْقَ، وَتَقْتَاتُونَ اَلْقِدَّ، أَذِلَّةً خَاشِعِينَ، تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ اَلنّاسُ مِنْ حَوْلِكُمْ، فَأَنْقَذَكُمُ اَللَّهُ بِرَسُولِهِ (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ). (بلاغات النساء: ج۱ ص۲۳)

فشخص رسول الله (ص) كان من أكبر نعم الله على هذه الإنسانية المعذبة، ورسالته من أعظم المنن الإلهية عليهم لأنها الرسالة التي أخرجتهم من ظلمات الجهل والجاهلية ورفعتهم إلى حيث بنوا الحضارة الإنسانية الراقية لولا اختطافها من أولئك الأشقياء كصبيان النار الأموية والعباسية والعثمانية وغيرهم من أمثالهم الذين تسنَّموا على كراسي السُّلطة في هذه الأمة وتفرعنوا أكثر من فرعون مصر، وتنمردوا أشد من نمرود العراق، وجمعوا وسرقوا أموال الأمة أكثر من قارون بني إسرائيل والواقع يشهد بأبشع من كل التصورات السابقة لأننا في عصر الحضارة الرقمية فصارت المنافسة على (التريليونير) بعد (الملياردير) و(المليونير).

الأخلاق العظيمة لرسول الإنسانية

وأعظم ما في رسول الله (ص) العظيم هي أخلاقه لأنه الله من فوق عرشه يصفه فيقول: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم: 4)، وذلك في ثاني سورة أنزلها عليه – روحي فداه – فأي عظمة كانت لأخلاقك وفضائلك سيدي ومولاي يا رسول الله حتى تأتيك هذه الشهادة من رب العالمين من فوق سبع سماوات؟

والأخلاق العظيمة لرسول الإنسانية لم تكن بجانب دون الآخر بل هي عظيمة من كل نواحيها وجوانبها لأن الرب سبحانه أطلق في كلامه ولم يحدد خصلة أو فضيلة أو خُلقاً فقط بل أطلق كلمة (خُلق) لتشمل منظومة القيم والفضائل الأخلاقية في دنيا الإنسانية كلها وفي كلها كان هو القدوة والأسوة والمثال الأكمل الذي يمكن للإنسان – أي إنسان – في كل زمان ومكان أن يقتدي ويتأسى به كما أمر الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه الحكيم: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) (الأحزاب: 21)

فهو الأسوة في الإيمان، والتقوى، والعلم والحلم والخير والعطاء والكرم، كما أنه القدوة في الشجاعة، والبطولة والتضحية والفداء، والحب والعفو والصفح والسلام، فهو يمثل جامعة الأخلاق بكل فروعها وأصولها العلمية النظرية، والعملية الواقعية، فهو الذي علَّم الناس أصول ومبادئ تلك الفضائل والقيم حيث أكمل تلك المنظومة القِيَمة في الحياة الإنسانية.

ولذا علينا اليوم وأكثر من أي يوم مضى أن يسعى المسلمون لبيان وشرح وتوضيح ونشر وإظهار تلك المنظومة الأخلاقية العظيمة التي كانت لرسول الله الأعظم (ص) ليتعلموا منه الفضيلة لأننا نشهد في هذا العصر الأغبر هجوماً غير مسبوق من هؤلاء الأشقياء وشذاذ الآفاق على منظومة القيم والفضيلة الأخلاقية في العالم المتحضر، كما شنوا هجوماً على ركائز الإسلام الأساسية وهي:

أولاً: القرآن الحكيم؛ وما نراه يفعلونه بأيدي مَنْ ينتمون إلى منطقتنا من أعمال شيطانية محمية من حكومات أجَّرت نفسها ورهنت قرارها لتلك المنظمات المعادية للإسلام والمسلمين للأسف الشديد.

ثانياً: الرسول العظيم؛ حيث يعملون بكل جهدهم على تشويه صورته الراقية فعلينا أن نثبِّتها لهم بكل طريقة ممكنة بأنه رمز الإنسانية وقيمها الراقة في أجلى وأعلى وأسمى صورها في العالم كله.

ثالثاً: الإمام الحسين وشعائره؛ فهذه التي ثبتت الإسلام والقيم الدِّينية في واقعنا ولم يستطيعوا أن يفعلوا شيئا حيالها لشدتها وقوتها وتمسكنا بها رغم كل هذه الحرب الكونية عليها.

رابعاً: الحوزة العلمية ومراجعها؛ والحوزة العلمية هي الخندق الوحيد الذي بقي لهذه الأمة وعلماءها ومراجعها الكرام هم المتراس الأقوى كما أثبتت الوقائع والأحداث في السنوات العجاف الماضية.

فهذه الركائز الأساسية تتعرَّض لحرب عالمية من قوى الشَّر والطغيان وكل أعوانهم فقد سخَّروا كل طاقاتهم من أجل أن يفعلوا شيئا حيالها فتراهم نجحوا بعض الأحيان باستغلال النفوس الضعيفة، ولكنهم فشلوا أكثر مما نجحوا بحمد الله وفضله بسبب قوة ومتانة هذه الركائز الربانية والمتاريس النورانية.

أسبوع المولد النبوي الشريف

ولذا علينا أن نستغل هذا الأسبوع الذي يحتفل به العالم الإسلامي جميعاً بهذه المناسبة العطرة وقد دعا الإمام الشيرازي الراحل (رحمه الله) إلى عدة خطوات على الأمة الإسلامية القيام بها في هذا الأسبوع والملفت فيها الآن وبعد مضي عدة عقود على دعوته تلك إلا أنه يقول في مسألة الفضيلة وضرورة نشرها في هذا الموسم النبوي لأن النبي الأكرم (ص) يمثل القدوة والأسوة في تلك المنظومة كلها حيث يقول:

"ينبغي للمسلمين في أسبوع المولد الشريف محاولة شيء جديد من الفضيلة في مختلف أبعاد الاجتماع فإن على الفضيلة تُبنى الاجتماعات وكل ما قويت الفضيلة قوي الاجتماع قال الشاعر:

أقبل على النفس واستكمل فضائلها-----فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان

والاجتماع الإسلامي بُني على الفضيلة، وقد قال سبحانه: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات: 13)، وقال رسول الله: (إنما بعثتُ لا تمِّم مكارم الأخلاق)، وكل ما ترسَّخت التقوى والأخلاق كان الاجتماع أكثر تأهلاً للتقدم، ولذا قال تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (التغابن: 16)، ويقول الشاعر:

وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت-----فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

ثم يلفت سماحته إلى مسألة تطبيق تلك القيم في واقع الأمة فيقول: "ينبغي زيارة المستشفيات والمرضى ودور العجزة وبيوت الفقراء والمقابر والسجون في أيام العيد والعطف عليهم وإهداء الثواب إلى أرواح الأموات حتى يعم العيد الحي والميت، والصحيح والمريض، والثري والفقير، كما ينبغي قضاء حوائج المحتاجين والتفريج عن المكروبين ومواساة المساكين، وإنعاش الفقراء، والعفو عن المذنبين بمنــاسبـــة أسبـــوع المولد الشريف، وكذلك ينبغي زيارة الثكالى ومَنْ فُجعوا في (السنوات) الماضية بعزيــــز لهـــم ليكون ذلـــك تعزية ومـــواساة وتعاطفا ومشاركة وجدانية.

ثم يُشير سماحته إلى ضرورة نشر الإحسان بين الناس بهذه المناسبة المباركة فيقول: "ينبغي جعل برنامجاً للإحسان في هذا الأسبوع مثل؛ التَّصدق على الفقراء بالملابس، والنقود، والأثاث، وتوزيع الطعام، كالأرز والسَّمن، والسُّكر، والشاي على المحتاجين، وترميم بيوت المعوزين، والتبرع بأجور الحمام والتزيين لكل مَنْ أراد، وخدمة العاجزين، والتبرع بالدَّم، وإسعاف المنكوبين بالكوارث الطبيعية كالزلازل، والفيضانات والإحسان إلى اللاجئين الذين طاردتهم الحروب والثورات، فإن لم يكن في البلد شيء من ذلك أرسلوا بالمعونات إلى الأماكن المحتاجة". (أسبوع المولد الشريف)

وهكذا نعلِّم العالم أن الرسول الأعظم هو رسول المحبة والإكرام بأعظم معانيها وأجلى صورها لتكون داعية للناس من كل الشعوب والأمم لتبحث عن هذا العظيم الذي يحمل تلك الأخلاق الراقية ولن يجدوها كاملة إلا في سيرة ومسيرة الحبيب المصطفى (صلوات الله عليه وآله) وبذلك نكون قد بلغنا عنه سيرته ودعونا الناس إلى الاقتداء به ليسعدوا في دنياهم وأخراهم، وكل ذلك يكون ببركة المولد النبوي الشريف.

اضف تعليق