إسلاميات - اهل البيت

بيت الزهراء (ع) نموذجاً

إذا كان الإنسان يحتاج في كل تلك القيم إلى مثل وينابيع، أفلا نحتاج في تشكيل البيت الصالح والسوي والسعيد إلى نموذج ومثال يُستلهم منه ما يؤمّن الدنيا والآخرة: الرجل والمرأة والأولاد؟! نستطيع القول في الجواب: أجل، وأفضل نموذج لهذا البيت الصالح والسعيد هو بيت علي وفاطمة...

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين(1).

مقدمة

نحن الآن على أعتاب ميلاد سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين، الصديقة الكبرى، ومن على معرفتها دارت القرون الأولى، فاطمة الزهراء (صلوات الله وسلامه عليها)، وحديثنا في هذه المحاضرة عن بيت الزهراء (عليها السلام).

وقبل أن ندخل في صلب الموضوع نقدّم مقدمة وهي: أن كل قيمة من القيم النبيلة إذا أريد لها أن تكون قائمة في داخل النفس البشرية، أو على أرض الواقع الخارجي فلابد أن يكون هنالك نموذج واقعي يمثّلها; وذلك لأن للمثل والنماذج الواقعية من الباعثية أضعاف ما للأفكار المجرّدة.

فإذا كان عندك طفل في البيت ـ مثلاً ـ وأردت أن تدفعه لحفظ القرآن الكريم، فهل يكون لبيان الفكرة له (كالقول بأن حفظ القرآن نور وبركة) من التأثير مثل ما لو أريته نموذجاً واقعياً وقلت له: انظر إلى هذا الطفل فهو في عمرك ولكنه يحفظ القرآن كله؟! ومن لطف الله ورحمته بنا ـ نحن البشر ـ أنه تعالى جعل لنا أمثلة واقعية للقيم النبيلة، بل جعل سبحانه فوق ذلك ينابيع لتلك القيم.

فكما أن الله تعالى جعل لنا ينابيع في عالم الماديات، فجعل الشمس نبعاً للدفء في هذا العالم، وجعل العيون ينابيع للمياه العذبة، فكذلك جعل لنا ينابيع ثرة في عالم المعنويات في مختلف المجالات. فالنبي يعقوب (على نبينا وآله وعليه السلام) منبع الحنان الأسري على مرّ التاريخ. والنبي نوح شيخ الأنبياء (على نبينا وآله وعليه السلام) منبع الاستقامة. والنبي أيوب (على نبينا وآله وعليه السلام) منبع الصبر، والنبي آدم (على نبينا وآله وعليه السلام) الذي بكى حتى صار على خده كالأخدود، منبع التوبة، والنبي إبراهيم (عليه وعلى نبينا وآله السلام) الذي قال: (إِنِي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبي)( (2مثال التحدي والهجرة وينبوعهما. والنبي عيسى (على نبينا وآله وعليه السلام) منبع التبتل والإعراض عن الدنيا والانقطاع عنها. أما المثال والينبوع الذي يمثل جميع القيم الخيرة والنبيلة في الحياة في أعلى صورها ومراتبها فهو محمد وآل محمد (صلوات الله عليهم أجمعين).

مثال البيت الصالح والسعيد

إذا كان الإنسان يحتاج في كل تلك القيم إلى مثل وينابيع، أفلا نحتاج في تشكيل البيت الصالح والسوي والسعيد إلى نموذج ومثال يُستلهم منه ما يؤمّن الدنيا والآخرة: الرجل والمرأة والأولاد؟! نستطيع القول في الجواب: أجل، وأفضل نموذج لهذا البيت الصالح والسعيد هو بيت علي وفاطمة (صلوات الله وسلامه عليهما).

عندما نزلت هذه الآية الكريمة (فِي بُيُوت أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ) (3) قام رجل ـ وهذه الرواية رواها العامة والخاصة ـ فقال: أي بيوت هذه؟ فقال النبي (صلى الله عليه وآله): بيوت الأنبياء. فقام رجل آخر وأشار إلى بيت علي وفاطمة (صلوات الله عليهما) وقال: هذا البيت منها؟ فقال النبي (صلى الله عليه وآله): نعم من أفضلها(4).

ووجود (من) التبعيضية في عبارة الرسول (صلى الله عليه وآله) إما أن يكون من باب إجابة الرجل السائل على قدر عقله، أو أن الجواب محيّث أي أنه كذلك من بعض الحيثيات، وإن كان هو الأفضل على الإطلاق من حيثيات أخرى، فهل هناك بيت يضم معصومين غير بيت علي وفاطمة (صلوات الله عليهما)؟ لا شك أن النبي (صلى الله عليه وآله) أفضل من أمير المؤمنين (عليه السلام)، ومن فاطمة الزهراء (عليها السلام) ولكن بيت النبي (صلى الله عليه وآله) لم يضمّ معصومَين فإن خديجة (عليها السلام) لم تكن معصومة بالمعنى المعروف للعصمة.

ولئن كانت مريم (عليها السلام) معصومة لكنها لم يكن لها بيت بالمعنى المتداول للكلمة. إذن يمكن القول إن بيت علي وفاطمة (صلوات الله عليها) هو أفضل البيوت على الإطلاق من هذه الحيثية.

معالم البيت الفاطمي

أمّا معالم هذا البيت الشريف فهي كثيرة ومنها أنّه:

1 ـ بيت لا توقعات فيه.

2 ـ بيت لا توتر فيه.

3 ـ بيت لا تعقيد فيه.

4 ـ هو بيت العمل.

5 ـ هو بيت التعاون.

6 ـ هو بيت المحبة.

7 ـ هو بيت التربية. ونقتصر في هذه العجالة على شرح مختصر للمعالم الثلاثة الأولى.

1. بيت لا توقعات فيه

البيت الذي لا توقعات فيه بيت سعيد، والمجتمع الذي لا توقعات فيه مجتمع سعيد، فالتوقعات من المناشئ المهمة للمشاكل والخلافات العائلية وهي أيضاً من مناشئ النزاعات والحروب الدولية.

وحيث إن المنظومات الفكرية للأفراد تختلف، وحيث إن الطبيعة النفسية والبدنية للرجل تختلف عن الطبيعة النفسية والبدنية للمرأة، فمن الطبيعي أن لايفهم أحد الطرفين بعض توقعات الآخر أو لايقتنع بها، ومن هنا تنشأ المشاكل بين الطرفين، وهذا لا يصدق على الحياة العائلية فقط بل ينسحب على الحياة الاجتماعية أيضاً، فعدم فهم التوقعات أو عدم الاستجابة لها قد يوديان بعلاقة عمرها ثلاثون عاماً!

وكم ستكون علاقاتنا لطيفة إذا حصلت عندنا القناعة وقللنا من توقعاتنا من الآخرين؟! وبيت علي وفاطمة (صلوات الله عليهما) كان بيتاً خالياً من التوقعات.

فلقد روي (أن الإمام أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) طلب طعاماً من الزهراء (عليها السلام) فقالت: منذ يومين ولا يوجد عندنا طعام! فقال لها: ولم لم تخبريني؟ قالت: إني لأستحيي من إلهي أن أكلفك ما لا تقدر عليه)(5).

فأين هذا النموذج من واقع مجتمعاتنا، حيث يكلّف كلّ من الرجل والمرأة: الآخر ما لا يطيق في كثير في الأحيان؟

وفي رواية أخرى: فقال لها (أمير المؤمنين (عليه السلام)) يوماً: يا فاطمة هل عندك شيء؟ قالت: والذي عظّم حقك ما كان عندنا منذ ثلاث إلا شيء آثرتك به. قال: أفلا أخبرتني؟ قالت: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) نهاني أن أسألك شيئاً فقال: لا تسألي ابن عمك شيئاً إن جاءك بشيء عفواً وإلا فلا تسأليه(6). حقّاً لو وُجدت هذه الحالة في العوائل، فكم ستشعر بالسعادة والهناء؟

2. بيت لا توتر فيه

إن التوتر أصبح معلماً من معالم العصر، فالعلاقات بين الدول يشوبها التوتر، والعلاقات الاجتماعية يشوبها التوتر، وعلاقة الرجل والمرأة في داخل البيت يشوبها التوتر، وحديثنا فعلا في البند الأخير، فالرجل ينتقد المرأة وهي تنتقده وكلّ منهما يهجر الآخر، ولا شك أن وضع الغرب أسوأ بكثير منا في هذا المجال، وكلما اقتربنا من الغرب وثقافته أكثر تفاقمت هذه المشكلة في بلادنا أكثر.

صحيح أن الغرب متقدم علينا من الناحية المادية ولكنه يعيش خواءً معنوياً في كل المجالات، والحديث عن الخواء المعنوي والروحي في الغرب حديث طويل لامجال له الآن، ولكن تكفي الإشارة إلى بعض مظاهر ذلك الخواء من قبيل التوتر والقلق والكآبة وحالة السبعية والعدوانية; حيث إن كلا يريد افتراس الآخر، إلى غير ذلك.

لقد صدر كتاب يؤرّخ لحياة عبقري من عباقرة الغرب العظام. وقد ورد في هذا الكتاب أن هذا العبقري لم يستطع أن يعيش مع زوجته طويلاً فسرعان ما طلّقها. (لقد بلغ الحال ببعض الغربيين أنهم لايطيقون العيش مع زوجاتهم إلا فترة محدودة فيطلّق الزوج زوجته ولما يمضِ على زواجهما أكثر من سنتين، وبعضهم يطلق زوجته قبل ذلك خلافاً للعوائل المتدينة التي يعيش فيها الزوجان عادةً معاً إلى آخر عمرهما وإن بلغا أكثر من ثمانين سنة! فهكذا كان يعيش آباؤنا وأمهاتنا). ولم يكتف هذا العبقري بتطليق زوجته بل أخذ يؤذيها واستمر على إيذائها حتى اُصيبت بخلل نفسي ظلت تعاني منه إلى أن ماتت.

هذا مع أن الله تعالى يقول لنا في القرآن الكريم: (فَإِمْسَاكُ بِمَعْرُوف أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَان)(7) أي إن أردت أيها الرجل أن تحتفظ بزوجتك فاحتفظ بها ولكن ليكن تعاملك معها بمعروف، وإن شئت طلاقها فليكن طلاقك لها بإحسان، ولا يحلّ لك أن تُلحق بها الأذى في حالة الزوجية أو تلاحقها بالإيذاء بعد الطلاق، بل فوق ذلك يقول الله تعالى: (وَمَتِعُوهُنَّ) أي اعطوهن ما يتمتعن به بعد الطلاق ويجبر خاطرهنّ الكسير، من دار أو خادم أو خاتم أو غيرها. يقول الكاتب: ولقد ابتلي الابن الأصغر لهذا العبقري بالجنون; وحقّ له ذلك وهو يرى عائلة مفككة وتوتراً دائماً في البيت مع أن المفترض أن يكون البيت واحة يستريح في ظلها الإنسان بعد عنائه في صحراء الحياة القاحلة.

حقاً إن الحياة كالصحراء القاحلة والإنسان بعد أن يطوي مسافة في هذه الصحراء ويذوق فيها الحر والبرد والغبار يحتاج إلى واحة يأوي إليها ويرتاح في ظلها، والبيت هو الواحة المفترضة في صحراء الحياة القاحلة. فالرجل يتعب خارج البيت وينتظر أن يجد الراحة في البيت، حيث تملأ المرأة والأطفال البيت بهجة وسروراً. والمرأة تتعب في إدارة شؤون البيت والأطفال وهي الأخرى تنتظر قدوم الرجل لتشعر بالسعادة في ظله.

فإذا لم يكن البيت واحة وسكناً بل كان الزوجان يعيشان في نكد ونزاع وخصام فهذا ليس بيتاً ينعم فيه الزوجان بالسعادة بل هو جحيم وشقاء!

يقول أحد الإخوة: سألت صديقاً لي: كيف حالك؟ فقال: الحمد لله أعيش في الجنة. قلت: كيف؟ قال: لأن زوجتي سافرت فصار البيت جنة!، إذا كان الرجل يتعامل مع المرأة هكذا، والمرأة تتعامل مع الرجل هكذا، بحيث يشعر كل منهما أنه أصبح سعيداً بغياب الآخر وأمكنه أن يتنفس الصعداء بغيابه أفحياة هذه أم جحيم؟!، وقد رأينا حال ذلك العبقري الذي طلّق زوجته وآذاها حتى مرضت وماتت، ثم أصيب ابنه الأصغر بالجنون وأودع المستشفى ولم يقم هذا العبقري الكبير بزيارته حتى مرة واحدة إلى أن مات!

وقد زارنا قبل فترة صديق عاش في الغرب مدة مديدة وهو رجل متدين عمل أستاذاً في إحدى جامعات لندن، فحدثني عن التقدم التكنولوجي المدهش هناك، واستشهد على ذلك بحقائق في مجال تخصصه، ثم قال: ولكن يوجد هناك فراغ روحي هائل. فخلال الفترة التي كنت في الغرب ظهر أشخاص كثيرون يدّعون النبوة، والعجيب أنهم كانوا يجدون لهم أنصاراً يلتفون حولهم فترة قد تستمر أربع سنوات أو خمس سنوات إلى أن يكتشفوا حقيقتهم ويعرفوا أنهم دجالون فينفضوا عنهم! وهذه الحالة تدلّ على الفراغ الروحي والتعطش الموجود في الغرب للمعنويات.

ونقل أحد الإخوة أيضاً ممن كانوا قد ذهبوا إلى دولة يطلق عليها (الدولة العظمى) وقال: شاهدت على التلفزيون مقابلة مع إحدى النساء الشهيرات والثريات جداً، كانت تجيب خلالها على الأسئلة الموجهة إليها، ولكن بمجرد أن سئلت: هل أنت سعيدة في حياتك؟ أجهشت بالبكاء أمام ملايين المشاهدين!

وهذه الوقائع تكشف عن غياب السعادة في المجتمع الغربي; والبيت الغربي. ولقد كان من معالم البيت العلوي الفاطمي أنه بيت لا توتر فيه. يقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (فوالله ما أغضبتها ولا أكرهتُها على أمر حتى قبضها الله عزوجل ولا أغضبتْني ولا عصت لي أمراً)(8). فلا علي (عليه السلام) يغضب فاطمة (عليها السلام) ولا فاطمة تُغضب علياً (صلوات الله عليهما). وفي وصية الزهراء (عليها السلام) قالت: (ما عهدتني كاذبة ولا خائنة ولا خالفتك منذ عاشرتني. فقال (عليه السلام): معاذ الله أنت أعلم بالله وأبرّ وأتقى وأكرم وأشدّ خوفاً من الله من أن أوبّخك بمخالفتي)(9). ولقد اقتدى بهما ـ صلوات الله عليهما ـ الكثير من أسلافنا فعاشوا حياة هانئة طيبة ولم يكن أحد الزوجين يفترق عن الآخر حتى الموت.

3. بيت لا تعقيد فيه

لقد كان بيت علي وفاطمة (عليهما السلام) بسيطاً في كل شيء، بل لم يكونا يملكان في البداية بيتاً أصلاً، فلقد تزوج الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) من فاطمة (عليها السلام)، ولم يكن عندهما بيت، فقدم إليهما الحارثة بيتاً ثم بنى الإمام (عليه السلام) بيتاً له بعد الزواج.

أما مهر فاطمة (عليها السلام) فهناك رواية تقول إنه كان أربعمائة درهم، وهناك رواية أخرى تقول إنه كان أربعمائة وثمانين درهماً، ورواية ثالثة تقول إنه كان خمسمائة درهم، ولقد نقل السيد الوالد ـ على ما أظن ـ رواية تقول إنه كان ثلاثين درهماً(10)، وكان الوالد يجمع بين هذه الروايات باختلاف الدراهم. وقد قسّم المهر إلى ثلاثة أقسام، ثلث للأثاث وثلث للطيب وثلث للوليمة ـ على ما يستظهر من بعض الروايات ـ فيكون المبلغ المصروف في الجهاز ثلث المجموع فقط! وكان من الجهاز إهاب كبش ينامان عليه في الليل ويُعلف عليه الناضح في النهار. أما قميص ليلة الزفاف فقد تصدقت به الزهراء (عليها السلام) على السائل، ولم يكن عندها قميص جديد آخر فلبست ـ صلوات الله عليها ـ القميص العتيق! ونحن إذا اقتدينا في بيوتنا ببيت الزهراء وعلي3 أفنظل نعاني بعد ذلك من المشاكل التي نعاني منها اليوم؟! هذه كانت بعض معالم بيت الزهراء (صلوات الله عليها) ونوكل الحديث عن المعالم الأخرى إلى فرص أخرى.

التعريف ببيت الزهراء (عليها السلام)

ننتقل إلى فصل آخر نتناوله باختصار وهو ضرورة طرح نموذج بيت الزهراء (عليها السلام) في المجتمع الصغير أي العائلة، وفي المجتمع الكبير أي المدينة، وفي المجتمع الأكبر أي العالم.

هناك كلام لطيف لأحد العلماء، يقول: نحن إن لم تكن عندنا هذه النماذج كان يجب علينا أن نخترعها. وهذا ما يفعله بعض الروائيين حيث يخترعون نماذج لبعض القيم النبيلة.

أما نحن فلا نحتاج لأن نخترع نماذج للقيم النبيلة فهي موجودة عندنا ولكن يجب علينا عرضها وتذكير أنفسنا وأبنائنا ومجتمعاتنا (الصغير والكبير والأكبر) بها. وحسناً كان يفعل بعض الآباء والأجداد، فلقد كانوا يذكرون لأولادهم كل يوم قبل المنام حكاية من حكايات النبي الأعظم والأئمة الطاهرين (صلوات الله عليهم أجمعين) فكانوا يربّونهم على هذه المثل.

ونحن إذا لم نربِّ أبناءنا على هذه النماذج ولم ننشرها في المجتمع الصغير والكبير والأكبر فإننا قد نخسر آخرتنا ودنيانا، لأن الابن الذي ملأت ذهنه ثقافة الغرب سيقف يوماً في وجه أبيه وربما يقتله من أجل بعض النقود.

وهناك قصة واقعية حدثت في هذا المجال مجملها:

إن ولداً قال لأبيه: أعطني المقدار الكذائي من المال وإلا قتلتك. فقال الأب: إنه ليس مالي. فما كان من الولد إلا أن أخرج سكينة أو نحوها وغرزها في رقبة أبيه وذبحه.

فإذا لم نعرض هذه النماذج المشرقة، فمن الذي يحفظ هؤلاء الأبناء والبنات، وما الذي يحول دون هروب الفتيات من البيوت؟ (فلقد شاعت في بعض البلدان الإسلامية ظاهرة الفتيات الهاربات) وما أكثر الفضائح التي تحدث في البلاد الإسلامية ولاتتمكن الحكومات من الوقوف في وجهها أو الحدّ من تزايدها!

ومن الطبيعي أن لا تفلح الدول والحكومات في القضاء على هذه الظواهر المرَضية لأن العلاج والحلّ ليس في القوة بل في عرض النماذج المربية. أنقل أدناه قصتين واقعيتين:

القصة الأولى: هي قصة رجل سحب أمواله من المصرف في بلد اسلامي وفي داره فوجئ بثلاثة ملثمين مسلّحين ـ أو اثنين ـ يهاجمونه ويطلبون منه المال، فقال لهم: لا بأس ولكن دعوني أذهب إلى تلك الغرفة لآتيكم بالمال، وخرج الرجل ليدخل من باب آخر ويوجّه إليهم نيران سلاحه فأرداهم جميعاً. وعندما كشف لثامهم اكتشف أن أحدهم كان ابنه والآخر ابن أخيه والثالث صديقاً لهما.

أرأيت كيف يتعامل الابن مع أبيه من أجل المال إذا كانت ثقافته مادية؟ ولماذا لا يفعل ذلك إذا كانت ثقافته كذلك؟ إنه إن لم يقتل أحداً من أجل المال وقد سنحت له الفرصة ربّما يعدّ سفيهاً من وجهة النظر المادية، (قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَآ ءامَنَ السُّفَهَآءُ)(11) إن التربية المادية تقول: إن الترفع عن القتل وترك الفرصة في الحصول على المال تذهب هدراً سفاهة، ولكن الفكر الديني يقول: (والله لو اُعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلت)(12).

القصة الثانية: نقلها حديثاً أحد الإخوة المؤمنين الذين ذهبوا إلى الغرب. قال: إن رجلاً مؤمناً مهاجراً إلى الغرب رأى ابنته في طريق الانحراف فقرر أن يهجر بلاد الغرب، فسافر مع ابنته وعائلته إلى بلد إسلامي وهناك مزّق جوازات سفر الدولة التي قدموا منها كي لاتستطيع ابنته العودة، ولكنها ذهبت إلى سفارة ذلك البلد الغربي واشتكت على أبيها ثم حصلت على ورقة عادت بها إلى بلاد الغرب تاركة عائلتها، فإذا كان وضعها هكذا وهي في ظل أبيها فكيف ستتصرف بعد ذلك وقد تخلصت منه نهائياً؟!

الخلاصة: إن دنيانا مهددة قبل آخرتنا إن لم نتدارك الأمر ولم نقم بعرض النماذج النيرة مثل بيت الزهراء وخديجة (عليهما السلام) على مجتمعنا الصغير والكبير والأكبر بكلّ قوة; عسى أن نستنقذ دنيانا وآخرتنا بإذن الله سبحانه.

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

* مقتبس من كتاب (ومضات) وهو تقرير لمجموعة من محاضرات آية الله السيد محمد رضا الحسيني الشيرازي

...........................................
(1) ألقيت هذه المحاضرة في 14 جمادى الثانية 1424هـ في قم المقدسة.
(2) سورة العنكبوت: 26.
(3) سورة النور: 36.
(4) بحار الأنوار: ج23 ص325.
(5) انظر بحار الأنوار: ج41 ص30.
(6) بحار الأنوار: ج14 ص197 ب16.
(7) سورة البقرة: 229.
(8) بحار الأنوار: ج43 ص134 ب5 تزويجها صلوات الله عليها.
(9) بحار الأنوار: ج43 ص191 ب7 ما وقع عليها من الظلم.
(10) انظر الكافي: ج5 ص377 باب ما تزوج عليه أمير المؤمنين (عليه السلام) فاطمة (عليها السلام) ح2، وفيه: (عن ابن بكير قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: زوج رسول الله (صلى الله عليه وآله) فاطمة (عليها السلام) على درع حطمية يسوى ثلاثين درهما).
(11) سورة البقرة: 13.
(12) نهج البلاغة، الخطب: 224 ومن كلام له (عليه السلام) يتبرأ من الظلم.

اضف تعليق