"ألا وإن لكل مأموم إمام يُقتدى به، ويستضيء بنور علمه؛ ألا وإن إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه، ومن طُعمه بقرصيه، ألا وإنكم لا تقدرون على ذلك ولكن أعينوني بورع واجتهاد وعفة وسداد".

في العودة الى بحث "القدوة" والنموذج الناجح الذي يبحث عنه الانسان في حياته، يعود الحديث عن كيفية الاستفادة من هذا النموذج وما ينطوي عليه من تجارب وعبر، وايضاً خصال وصفات شخصية. فالبعض يرى في الاقتداء، نوعاً من التقمّص أو الاستنساخ – إن صحّ التعبير- فيكون نسخة مجددة او معدلة من ذلك الأديب أو ذاك المفكر وهكذا. وعندما يصل الأمر الى شخصية كبيرة مثل الامام علي بن أبي طالب، عليه السلام، وما تحمله من صفات وخصال، فانه يكون خارج هذا الحديث، لسبب بسيط واحد يسوقه هذا البعض، وهو "أن الامام، معصوم عن الزلل والخطأ، بينما الناجحون في الادب والفكر والثقافة والعلم، إنما هم أشخاص عاديون، فربما يخطئون ويصيبون، حالهم من حال الآخرين، وبالنتيجة من الممكن تكرار شخصياتهم والاستفادة منهم".

وهذا يعني أن يبقى الامام علي بن أبي طالب، عليه السلام، اسماً كبيراً ولامعاً في الكتب والبحوث، وعلى الألسن وحسب، أما على صعيد الواقع وفي حياة الناس، فان هنالك نماذج أخرى هي التي تتحكم في الآداب والاخلاق والمنظومة الثقافية برمتها، وهذا ما نلاحظه اليوم، حيث تعتمد شريحة لا بأس بها من المجتمع، وجلّها من الشباب واليافعين، وبشكل كلّي، على القنوات الفضائية ومواقع النت، للحصول على العناصر الثقافية الضرورية لنمو الشخصية والخروج بقالب معين في المجتمع.

وقد ثبت بحكم التجربة والواقع، أن ليس بالإمكان استنساخ الشخصية الناجحة مهما كانت المحاولات، ولا حتى أن يكون هنالك من يشبه علماً ما، او أديباً ما، في منجزاته وصفاته وملكاته ومواهبه، لأسباب لسنا بوارد الحديث عنها، وربما لا تخفى على القارئ اللبيب، وهذه الحقيقة الانسانية، يشير اليها أمير المؤمنين، عليه السلام.

الإمام وفرصة لتقوية الإرادة

ان الرسالة التي بعثها الامام، عليه السلام، الى عثمان بن حنيف، واليه على البصرة، في تلك القصة المعروفة، عندما لامه على حضوره مأدبة لأحد وجهاء البصرة، لم تكن موجهة الى ذلك الوالي، وحسب، فقد وصلته الرسالة المطولة والمشحونة بالعتاب، وايضاً بالمعارف والحكم والقيم، ثم طواها، وقد آل أمره الى العزل على يد طلحة والزبير، ثم انتهى أمره، بيد أن الرسالة تحولت الى دعوة مفتوحة الى المسلمين على مر الاجيال، لأن يعرفوا أن بإمكانهم التحلّي بأفضل الصفات والخصال، بما يجعلهم افراداً ناجحين ومفيدين في المجتمع.

وهذا يتحقق عندما يضع الانسان نفسه على محك التجارب والمساعي الحثيثة للتكامل وصولاً الى النجاح، فهو، عليه السلام، يصارحنا "بأنكم لا تقدرون على ذلك"، لا لإظهار عجزنا عن الاقتداء به، كما يبدو من ظاهر الكلام، إنما هي فرصة لاختبار قدرة الانسان على القيام بأعمال مميزة في حياته تتعلق بسلوكه وطريقة تفكيره وتعامله مع الآخرين، تكون في الطريق المؤدي الى المنزلة التي عليها الامام علي، عليه السلام، وبما أن الله - تعالى- وهب الانسان قدرات وكفاءات متعددة، فان بإمكانه توظيفها لأن يكون في هذا الطريق، وهو الطريق الذي يتخلله الزهد عن الاموال والامتيازات والمناصب، كما يتخلله الصدق والأمانة والشجاعة والحزم، وكل انواع المكارم والفضائل، وهذا ما يُسمى بـ "القدرة الحقيقية" لدى الانسان، وما موجود لديه "بالفعل"، يكفي ان يضفي عليها السعي والتطبيق العملي لتتجسد على صعيد الواقع. وكلما كانت البصيرة أكثر عمقاً والايمان أكثر رسوخاً والرؤية اكثر وضوحاً بشأن حقائق الدين، كان أقدر على مقاومة المغريات والشهوات.

من هنا نفهم سبب اعتماد الإمام علي، عليه السلام، لغة اللوم والتقريع الى درجة قاسية احياناً في بعض خطبه ورسائله التي وصلت الينا، فهو يكشف حقائق النفس البشرية، وميولها نحو الملذات والاستئثار وحتى الظلم والتجاوز على حقوق الآخرين ونسيان الآخرة، إنما هو بهدف التربية والتوعية وتحذيرنا من مغبة الانزلاق والانحراف، فالقضية لا تنتهي عند الملبس والمأكل الذي يشير اليه الامام، عليه السلام، في رسالته المشار اليها، "ألا وإن إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه، ومن طُعمه بقرصيه". فربما يتمكن الكثير منّا الاكتفاء من الغذاء والملابس بالقليل واليسير منه، بيد أن الغاية القصوى، هي تقرير المصير وتحديد الطريق المؤدي الى الحق والفضيلة، فعندما ينجح الانسان في قدرته على مقاومة مغريات الموائد العامرة، والمناصب الرفيعة والامتيازات المغرية وغيرها، فانه يكون أقدر على معرفة الحق، وهو القائل، عليه السلام، "اعرف الحق تعرف أهله". وهذه القدرة هي التي يتوقعها الإمام علي، منّا، كما يتوقعها الاسلام من الانسان بأن يتدرج في مراقي الايمان وتهذيب النفس وتنمية الملكات والصفات الحسنة.

"أعينوني..."

في مثل هكذا حالات توجيهية وتربوية، يكون المخاطب هو من يتحمل الجهد والعمل والمثابرة لينجح، مثل طالب المدرسة، فدائماً يُقال له: "عليك ان تعين نفسك وتجتهد و...". بينما الإمام، عليه السلام، هنا يطلب منّا العون في أمور هو في غنى عنها بالكامل، ولم يقل: "أعينوا انفسكم"، لان في هذه الحالة، لن يكون امام الناس حافز او جاذبة للعون على التمسك بالتقوى والورع والاخلاق، فربما يجد الكثير أنهم مخيرون بين أن يجربوا قدراتهم في مقاومة الشهوات والملذات، وبين أن يبقوا على ما هم عليه من التمتع بما لديهم من الثروة والمنصب والامتيازات الاجتماعية والسياسية غير عابئين بما يدور حولهم. بينما أمير المؤمنين، عليه السلام، يدعو كل واحد منّا لأن يتحمل مسؤوليته من خلال إعانته كقائد ملهم ونموذج للشخصية المتكاملة والناجحة، في تطبيق البنود الأربعة: الورع والاجتهاد والعفّة والسداد.

من خلال قراءة بسيطة لهذه البنود الاربعة، يتضح أنه، عليه السلام، يقدم لنا طريق النجاح في ثنائيتين: الورع والاجتهاد، ثم العفّة والسداد، فقد قرن بين الورع عن محارم الله، وبين الاجتهاد والعمل الدائب على تحصيل الكمالات والتحلّي بالأخلاق الحسنة. فيما قرن بين العفّة، وهي تعبير عن الترفّع والشعور بالكرامة في الحياة، وبين السداد، الذي يعني تحرّي الصواب في الأمور، ‏والحذر من التورط في الأخطاء.

وبذلك يكون الامام أمير المؤمنين، عليه السلام، يزودنا بمنظومة من المناعات وصمامات أمان، وقبلها يرشدنا الى طريقة الاستفادة منها من خلال اختبار قدراتنا وما وهبنا الله –تعالى- من الارادة والعقل والقدرات البدنية، بما يمكننا من تغيير الواقع الذي نعيشه كأفراد وجماعات، ومن ثم ما من شأنه ان يحدث تغييراً حقيقياً على صعيد المجتمع والامة.

اضف تعليق