المقدمة

محور البحث هو العلاقة بين الدولة والشعب، والأطر والقوانين التي ينبغي أن تتحكم في هذه العلاقة وتحكمها، وفي الطرف الآخر من البحث في الآية الشريفة، قد جرى تسليط الضوء على كلمة [تُؤَدُّوا] فيها، في تفصيل الفرق بين الأداء والإيصال والإعطاء وما أشبه ذلك، والحكمة في اختيار أو وضع هذه الكلمة بالذات.

هنالك بعض البصائر مما يتطلب إضافتها، تتعلق بالمأمور به في هذه الآية الشريفة، كما تبينت الضرورة في تفصيل البحث عن الخيارات الأخرى في تنصيب قائد للجيش، وفق مفهوم أوسع لفصل السلطات.

الغاية

إلقاء الضوء على البصائر القرآنية في الآية الشريفة، من قبيل معادلة (العنوان والمحصل)، التي قد تستظهر من الكلمة المباركة من الآية الشريفة، التي تأمر (بأداء) الأمانة، بتحديد العلاقة بين الأغراض والمأمور به، المستلزم لوجوب الاحتياط في شرائطه ومحققاته، مع بيان الخيارات المتاحة لتنصيب قائد الجيش والقوات المسلحة، بشكل ينسجم والفكرة الأوسع لفصل السلطات، ثم الإجابة على التساؤلات التي لها علاقة بلب الموضوع.

المبحث الأول بصائر قرآنية

 

أمانة الحكم من قبيل العنوان والمحصِّل

لعله يقال: إن المستظهر كون المأمور به في الآية القرآنية الكريمة: [إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا]، من قبيل العنوان والمحصل، وتوضيح ذلك:

إن الأمر تارة يتعلق بـ (المأمور به) مباشرة، وتارة يتعلق بـ (الغرض). والفرق بين الأمرين كبير؛ لأن الأمر لو تعلق بالغرض، فإذا شك الإنسان في شرط من شرائط المأمور به، أو جزء من أجزاء المأمور به المحقق لذلك العنوان ولذلك الغرض، فإن المجرى يكون عندئذ هو (الاحتياط) على حسب الرأي المنصور، كما أشار إلى ذلك عدد من فطاحل علماء الأصول.

وبعبارة أخرى: لو تعلق الأمر بالغرض، فشك الإنسان في شرطية أو جزئية شيء لمحقق ذلك الغرض، فيجب الاحتياط عندئذ (في مطلق الدوران بين الأقل والأكثر)، لكن الأمر لو تعلق بالمأمور به مباشرة، وثبت لدينا وجود أربعة أجزاء للمأمور به ثم شككنا في الخامس، إنه هل هو جزء أو لا، فالمجرى مجرى البراءة.

ولنوضح ذلك بأمثلة عرفية، ثم بمثال شرعي، ثم نستعرض ما نحن فيه، باستظهار أن الأمر في [تُؤَدُّوا] قد تعلق بالغرض، أو بعنوان أداء الأمانة. ففي محصِّله يكون المجرى مجرى الاحتياط، والمحصِّل في مثالنا هو موقع قائد الجيش وشرائطه، ومن يكون؟.

وكذا رئيس الجمهورية أو أي ذي نفوذ في الدولة:

أ- نجاح العملية الجراحية (عنوان) قد يتعلق به التعاقد

المثال العرفي الموضح لهذا المبحث الأصولي الدقيق والهام، هو: الطبيب والعملية الجراحية، فإن الطبيب تارة يتعاقد مع المريض على إجراء عملية جراحية فقط، من دون أن يكون مصب التعاقد ونجاح العملية وعدمه.

فيقول للمريض: أتعاقد معك على أن أجري لك عملية جراحية، ولا أضمن النجاح، ولست معنياً بالغاية وبالغرض، ولا أتحمل المسئولية. وأنا أعقد الاتفاق معك على أن أجري العملية بنفسها، وتعطيني الأجرة مليوناً ـ مثلاً ـ سواء نجحت أم فشلت.

ولا يخفى أن هذا الاتفاق لا يعفيه من المسئولية لو قصّر وتساهل. نعم، لو بذل قصارى جهده ومع ذلك فشل، فلا شيء عليه بمقتضى الاتفاق.

ولهذا البحث الفقهي مجال آخر، إنما المقصود الآن توضيح معادلة العنوان والمحصل، فإن هذا الطبيب لو أجرى العملية، فإنه يستحق الأجر والأجرة سواء نجحت أم فشلت؛ لأن الاتفاق أنصب على (العملية) نفسها، لا الهدف والغاية (وهي الصحة ونجاح العملية).

وتارة أخرى نجد أن الاتفاق ينصب على الغاية، فيقول المريض: إن غرضي يتعلق بالهدف (نجاح العملية)، فإذا نجحت العملية أعطيك الأجر وإلا فلا أعطيك شيئاً.

فإذا قبل الطبيب فإنه ملزم بالاتفاق، فلو نجحت العملية استحق الأجر. وقد يقول المريض: لو نجحت العملية سأعطيك ضعفي المبلغ الذي تستحقه للجهد الذي تبذله على العملية[1].

وفي هذا المثال فإن أصل الأجر يُستحق بإجراء العملية فقط، وأما الضعف الآخر فلا يُستحق إلا بنجاحها، فهي مجمع لتعلق الأمر بالغرض وبالفائدة النهائية المتوخاة، ولتعلق الأمر بالمأمور به، فالأمر يختلف فيما لو تعلق الأمر أو المعاملة بالغرض أو بفعل يؤدي إلى ذلك الغرض، وهذا الفعل يسمى المأمور به.

ب- الذهاب للمدرسة أو النجاح في الامتحان

مثال آخر للتقريب العرفي: (التلميذ في المدرسة)، فإن الأب تارة يقول لابنه: اذهب إلى المدرسة وهذا هو كل الذي أريده منك، سواء أ نجحت في الامتحانات أم لم تنجح، وأنت ستتخلص من العقوبة لو ذهبت إلى المدرسة.

فالمهم هنا عند الأب أن يذهب ابنه إلى المدرسة، سواء نجح الابن في الامتحان أم لم ينجح، هذا لا يهمه. فأمر الأب قد تعلق بالفعل نفسه، (مجرد الذهاب إلى المدرسة والتواجد فيها)، فإذا فعل ذلك أمن الطفل من العقوبة ويستحق ما جعله الوالد له من هدية.

وتارة يقول الأب لابنه: (إن ذهابك للمدرسة لا يكفي، بل المهم نجاحك في الامتحان، فإذا نجحت في الامتحان سأعطيك الجائزة الكذائية، وستأمن من العقوبة).

وهنا نجد أن الأمر قد تعلق بالغرض وهو النجاح في الامتحانات، وهو الهدف من الذهاب إلى المدرسة.

وهذان مثالان مقربان إلى الذهن، وهما مصداقان لهذا البحث، والمجتمع مشحون بهذه الأمثلة.

لكن ما هي الثمرة في ذلك؟.

فالجواب ـ إضافة لاستحقاق العقوبة أو المثوبة ـ: هو أن الأثر يظهر في وجوب الاحتياط، أو جريان البراءة في المحقق لذلك الغرض. فإن الطفل لو ذهب إلى المدرسة، لكنه شك واحتمل مدخلية المطالعات الجانبية في النجاح في الامتحان، فإن عقله يلزمه بأن يطالع مطالعات جانبية، فيما إذا كان أمر المولى قد تعلق بالغرض وهو النجاح، أما لو تعلق أمره بصِرف الذهاب للمدرسة، فلا.

ج- (التطهر) عنوان تجب محصِّلاته

وفي مثال فقهي؛ نلاحظ أن الله سبحانه وتعالى يقول في القرآن الكريم: [وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا][2]، وهنا ذهب جمع من أعاظم الفقهاء من أمثال الشيخ الأنصاري والمحقق النائني ـ في بحث مفصل أشرت إلى جانب منه في كتاب "فقه التعاون على البر والتقوى" ـ إلى أن الأمر هنا قد تعلق بالغرض وهو [اطَّهَّرُوا].

وهذه الأجزاء ـ يعني غسل الرأس والرقبة والجانب الأيمن والجانب الأيسر، وفي الوضوء الأمر كذلك، وفي التيمم كذلك ـ هي محققات للغرض، على خلاف ما لو قلنا إن الأمر قد تعلق بهذه الغسلات نفسها.

وهذه الآية الشريفة يستدل بها على أن الأمر قد تعلق بالغرض لا الأفعال، ولذا قال: [وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا][3]، ولم يقل: (اغسلوا الرأس والرقبة مثلاً)، فإذا شك في شيء أنه محقق لهذا الغرض أو لا ـ كما لو شك في منطقة، كالتي بين الظفر وبين لحم اليد، كونها من الباطن فلا يجب غسله أو من الظاهر فيجب غسله ـ فالواجب غسله، إذ بدون غسله لا يعلم أنه قد تحقق الغرض وهو التطهر.

فالثمرة كبيرة على النوعين والنمطين، وليس هنا مجال البحث الفقهي التخصصي لهذه المسألة، وفيما ذكر الكفاية لإلقاء الضوء على جوهر الفارق بين النوعين: تعلق الأمر بالغرض أو بالمأمور به.

الاحتياط في أداء الأمانة

والآن لنعرج نحو الآية القرآنية الكريمة فنقول: قد يستظهر بأنها من هذا القبيل، أي: إن الأمر فيها قد تعلق بالعنوان وبأداء الأمانة، إذ يقول الله سبحانه وتعالى: [إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا]، فلو شك في مدخلية شيء لتحقق هذا العنوان، فالمجرى مجرى الاحتياط، حيث لا يعلم بتحقق الأداء فيما إذا لم يأت بالجزء المشكوك، فيلزم الإتيان به.

وفي مبحث الحكومة نجد أن رئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء أو قائد الجيش، لو شك في أن هذه الأمانة المودعة في عنقه، وهي أمانة السلطة وأمانة الجيش، هل يكون قد أداها بالفعل لو لم يكن شعبياً متواضعاً مثلاً، فإن عليه أن يكون كذلك.

فإن الحاكم أو المسئول قد يتواجد في أوساط الناس، ويكون شعبياً، ويكون متواضعاً كأبي تراب (عليه الصلاة وأزكى السلام)، ويكون بين ظهراني الناس بحيث يمكن لأي شخص لديه شكاية أو مظلمة أن يصل إليه.

وقد لا يتواجد بل يكتفي بمجرد إرسال الرسل وتعيين المتحسسين (لا المتجسسين)، الذين يذهبون إلى الناس لكي يتعرفوا على حوائجهم ويدافعوا عن حقوقهم، فهنا يوجد شك منطقي في أنه لو اكتفى بإرسال الرسل والمندوبين والمتحسسين، هل يكون قد أدى الأمانة أم لا؟.

فإن المجرى مجرى الاشتغال، وعليه أن يحتاط بالذهاب بنفسه أيضاً.

كما كان أمير المؤمنين ومولى الموحدين (عليه صلوات المصلين) يفعل ذلك، حيث كان يذهب ويتجول في الأسواق والأزقة[4]، ويرى وضع الناس دون وسائط، وعلى الهواء مباشرة إن صح التعبير، وهذا مجرد مثال.

والمقصود: إن الأمر حيث تعلق بأداء الأمانة [إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا]، فلو شك في أمر أو أمور، وفعل أو أفعال، إنه مما يتوقف عليه تحقق عنوان أداء الأمانة، فإن من الواجب فعله والإتيان به احتياطاً لضمان امتثال أمر المولى المتعلق بالغرض أو العنوان.

وكما قلنا في البحث الماضي، فإن الأداء يتضمن معنى الوفاء من التوفية بأن يؤديها وافية كافية ودفعة، وهذا ما فصلناه في البحث الماضي فلا نعيد، إذن المجرى مجرى الاحتياط.

مثال آخر عرفي نقرب فيه هذه المعادلة للذهن، فلو أن شخصاً سلمكم أمانة مغلَّفة، ومن ثم شككتم هل هذا الغلاف دخيل في المقصود أو لا؟.

وهل يجب عند إرجاع الأمانة، أن ترجع له الغلاف أيضاً؟.

أم المقصود ومتعلق الاستئمان هو ما في الغلاف أي محتوياته فقط؟.

إن مقتضى الاحتياط هو إرجاع المجموع؛ إذ إنك قد أمرت بأداء الأمانة وحيث يشك في إنك لو لم تُعِد الغلاف، فهل أديت الأمانة عندئذٍ أو لا؟.

كان هنا مجرى الاشتغال وهو على القاعدة.

الحكام والقضاة والاحتياط

وإن الحكام حتى إذا كانوا عدولاً، لو التفتوا إلى هذه النقطة الجوهرية (معادلة العنوان والمحصِّل)، فإن وضعهم سيتغير جداً، وسيسلكون أشد سبل الاحتياط لكي يتيقنوا ببراءة ذمتهم.

وكذلك الحال في القضاء، فإن القاضي عليه أن يحتاط أشد الاحتياط، لأنه على شفير جهنم، فإذا شك في شيء ذي تأثير في قضائه، فإن عليه أن يحتاط فيه بحثاً وفحصاً، مادام هذا التشكيك من مصاديق العنوان والمحصل.

على أن أمر الحكومة والقائد الأعلى للجيش وللقوات المسلحة، أصعب من أمر القاضي من جهات عديدة، منها: إن القاضي يحكم عادة في قضايا فردية، أما الحاكم أو رئيس الجيش فيحكم في الشؤون العامة التي تؤثر على أوضاع الملايين من الناس أو عشرات الملايين أو حتى مئات الملايين.

المبحث الثاني
قيادة الجيش بالانتخابات أو بالتعيين؟

 

الأمانة في استخدام الجيش وقيادته

ذكرنا أن الجيش وسائر القوات المسلحة، هي أمانة بيد قائد الجيش، وأن هذه القدرة هي أقوى قوة في البلد، وذكرنا أن الجيش بأقسامه الثلاثة: القوات البرية والبحرية والجوية، هي أمانة في عنق القائد الأعلى للجيش والقوات المسلحة، وفي يد نائبه: وزير الدفاع، أو رئيس هيئة الأركان، أو أي شخص آخر.

وذلك لأن الجيش هو ضمانة أمن البلد واستقراره، وحفظ مكاسب الأمة، وسنشير في بحث قادم إن شاء الله تعالى إلى الأهداف المتوخاة من تأسيس الجيش، ونتطرق لآراء العلماء الجدد في هذا الحقل مع تقييمها.

كما أشرنا إلى كلام أمير المؤمنين (عليه صلوات المصلين) حول هذه الأمانة، وكيف يجب أداؤها بنحو كامل، (أمانة الأمة والسلطة التي تريد أن تسلمها لرئيس الجمهورية أو لوزير الدفاع أو لأي شخص آخر، وأمانة الجيش والمتمركزة السلطة في قائد الجيش فيه).

وإن على الناس عندما يريدون أن يسلموا هذه الأمانة بيد شخص ما أن يحتاطوا، وأن ينتخبوا من هو الأفضل والأمثل في أداء تلك الأمانة.

وفي هذا السياق قد أشرنا إلى أن مبدأ فصل السلطات الثلاث هو مبدأ مهم جداً ـ رغم بعض الثغرات فيه وبعض الملاحظات عليه ـ لكنه ناقص؛ لأنه لم يضع الحل والعلاج لكي لا يتحول الجيش إلى أداة قمع واستبداد، مع أن الجيش هو أهم مفردة، وأهم أداة في قمع الناس كما هو واضح.

مدخل المبحث: هل الأفضل انتخاب قائد الجيش أم يجب تعيينه؟.

إذ أننا في التنظير تارة ننطلق من منطلق الانتخاب، وتارة ننطلق من منطلق التعيين، وعلى كلا الرأيين والتقديرين فإن لنا كلاماً ورأياً نرى أنه الأصح والأسلم والأصلح للعباد والبلاد، بل قد نذهب إلى رأي آخر هو الجمع بين التعيين والانتخاب، ولعل هذه الصيغة الثالثة هي الأفضل والأصلح، تليها صورة (الانتخاب).

وتحقيق الكلام في ذلك يستدعي التطرق لعنوانين:

الأول: من الذي يكون القائد الأعلى للجيش؟.

الثاني: من يعين قائد الجيش؟.

إننا نرى أنه لا يصح أبداً أن يضطلع رئيس الجمهورية بمنصب القائد الأعلى للقوات المسلحة، سواء عبر القول بأنه يتعين آلياً (أتوماتيكاً) لهذا المنصب فور انتخابه رئيساً للجمهورية، أو عبر القول بترشحه لهذا المنصب في انتخابات عامة أخرى.

وذلك لما سبق من أن رئاسة الجمهورية مسئولياتها ثقيلة، ورئيس الجمهورية هو المسئول الأول عن كافة أوضاع البلاد اقتصادياً واجتماعياً وزراعياً وإلى آخره. ومسئول بالنتيجة عن كافة الوزارات والتي تتراوح حسب اختلاف الدول بين سبعة وعشرين وزارة وأربعين وزارة.

إذن هو يمتلك سلطات وصلاحيات واسعة، فلا يعقل أن نضيف إلى قوته الهائلة هذه، قوة قيادة الجيش ووزارة الدفاع[5].

بل الأفضل أحد الخيارات التالية:

1-فإما أن يُعيَّن رئيس المجلس النيابي "البرلمان"، قائداً عاماً للجيش والقوات المسلحة، وسيجيء في المبحث الثالث من هذا الفصل، جواب عن اعتراض وُجّه لهذا الفرض.

2-أو يُعيَّن رئيس السلطة القضائية قائداً عاما أو أعلى للجيش والقوات المسلحة.

3-أو يُعيَّن شخص آخر قائداً أعلى للجيش.

إذ لا ضرورة أبداً لأن نتمسك بأحد رؤساء هذه المناصب الثلاثة، ليكون قائداً للجيش، بل فليكن شخصاً آخر، إذ لا يتوجب علينا أن نجمد كما في الماضي على الأطر القانونية المعهودة في تعيين قائد الجيش.

وأما السؤال عن مَن الذي يعين هذا الشخص الآخر[6]، قائداً أعلى للجيش والقوات المسلحة، فهنا صيغ عديدة أيضاً:

1-إن يعيّنه رئيس الجمهورية، وهو ما تسير عليه الآن بعض الدول.

2-أن يعينه رئيس المجلس النيابي (البرلمان)، ولا ضرورة أن يكون رئيس البرلمان بنفسه هو القائد الأعلى للجيش والقوات المسلحة.

3-أو يعينه رئيس السلطة القضائية، أي: يكون هو الذي يعين القائد العام للجيش والقوات المسلحة.

4-أن تعينه مؤسسات المجتمع المدني[7]، أي: أن تقوم بذلك العشائر والنقابات والاتحادات والأحزاب وسائر المنظمات غير الحكومية، بمختلف أشكالها وألوانها، سواء عبر انتخابات عامة لقواعد تلك المؤسسات، أو عبر انتخابات خاصة من خلال مجموعة مدراء ورؤساء تلك المؤسسات في المجتمع المدني، حتى يعينوا بأكثرية الآراء، القائد الأعلى للجيش والقوات المسلحة.

وبذلك نكون قد أسسنا لسلطة رابعة موازية لتلك السلطات، وهذا هو همنا الأساس، أي تفتيت القدرة والحيلولة دون تمركزها بيد شخص واحد، إذ ستوجد لدينا عندئذٍ:

أ-سلطة قضائية.

ب-وسلطة تشريعية.

ج-وسلطة تنفيذية (تبقى بحالها من دون أن يخضع الجيش لها).

د-وسلطة أخرى، هي سلطة مؤسسات المجتمع المدني، يخضع لها قائد الجيش.

5-وهناك صيغة أخرى تنسجم مع رأي الدعاة إلى شورى الفقهاء، وذلك بأن يكون تعيين قائد الجيش بيد شورى الفقهاء المراجع، وشورى المراجع هي إحدى مؤسسات المجتمع المدني، بل هي أهم مؤسسة في المجتمع المدني.

فليكن الأمر إذن من هذا القبيل: رئيس الجمهورية ينتخبه عامة الناس، وكذلك أعضاء مجلس الأمة، ثم هناك سلطة قضائية، ثم قائد الجيش والذي لحساسية موقعه ولأنه يمكن أن يهيمن على كل البلاد ويقلب كل الأمور، لذلك فإن تعيينه يعود لجهة أخرى غير رئيس الجمهورية، بل يعود لرئيس البرلمان أو قاضي القضاة المسمى حالياً برئيس القضاء الأعلى أو مؤسسات المجتمع المدني، أو شورى الفقهاء والمراجع؛ وذلك لأنهم ـ الفقهاء ـ هم الذين حازوا على رضا الأمة والذين انتخبهم الناس ملاذاً[8] ومرجعاً لشؤون الدين والدنيا.

والحاصل: إنه ليس من الصحيح أن نجمد على الصيغ الماضية، بل علينا أن نعرض خيارات مختلفة، وللمقنن ولعامة الناس أن ينتخبوا منها أفضلها وفق رأيهم.

6-أو أن يعينه المجمع الثلاثي المتمثل برئيس السلطة القضائية ورئيس السلطة التشريعية ورئيس الجمهورية، فيكون لهم كمجموع الحق في تعيين القائد الأعلى للجيش والقوات المسلحة، بحيث لا يتفرد رئيس الجمهورية بالقرار في تعيين القائد الأعلى للجيش، وإنما القرار يعود إلى الثلاثة جميعاً، فتكون الضمانة حينئذٍ أكثر، حدوثاً وبقاءً؛ لأن مسئولية الرقابة ومرجعية اتخاذ القرارات الإستراتيجية ستكون لهذا المجمع الثلاثي.

7-أن يكون تعيين القائد العام أو الأعلى بالانتخاب العام، أي بنفس الصيغة التي تجري فيها انتخابات رئيس الجمهورية؛ لأنه يمتلك القوة العسكرية الضاربة التي لا تدانيها قوى السلطات الثلاث الأخرى مجتمعة، فيجب أن يكون خاضعاً لانتخاب مباشر من قبل الناس، على أن تتجدد الانتخابات كل أربع سنوات مثلاً.

والسبب واضح؛ إذ في واقع الأمر فإن البلاد هي بيد الجيش، وقائد الجيش هو أهم من رئيس الجمهورية، فكما ينتخب رئيس الجمهورية، يجب أن ينتخب قائد الجيش أيضاً.

وهنا يوجد خياران:

الأول: أن ينتخب رئيس الجمهورية أولاً، ثم يترشح للقيادة العامة للجيش والقوات المسلحة في انتخابات عامة أخرى، فإن اختاروه فبها، وإلا انتخبوا غيره.

الثاني: أن يفصل هذان المنصبان عن بعضهما تماماً، بأن نقول: لا يجوز أن يترشح رئيس الجمهورية لقيادة الجيش والقوات المسلحة أبداً.

وهذا الخيار الثاني هو الأصلح بل هو المتعين كما سبق؛ وذلك لأن القائد الأعلى للقوات المسلحة، يجب أن تتوفر فيه مواصفات وكفاءات خاصة. أما رئيس الجمهورية فيجب أن يتمتع بكفاءات من نوع آخر.

ومن الخطأ الفادح دمج العمل المدني مع العمل العسكري، والسبب في ذلك هام وجوهري عائد إلى العقلية ونمط التفكير، فبينما يجب أن يكون رئيس الجمهورية ذا عقلية مدنية؛ وإلا لقاد البلاد كما يقودها العسكر، فإنه لأجل ذلك لا يصلح أن يكون قائداً للجيش، كون نظام الجيش قائماً على نظام صارم وبت وجزم وحزم وقوة، وقائده يمتلك عقلية عسكرية كونه قد تدرج في المناصب لثلاثين عاماً مثلاً، والقائد المدني بعقليته المدنية يصلح لإدارة البلاد لا لإدارة الجيش ذي الضوابط الشديدة الصارمة الخاصة.

ومن جهة أخرى فإن القائد العسكري ذا العقلية العسكرية لا يصلح لإدارة البلاد، إذ سيدبرها بعقلية العسكر عندئذٍ، وهو من الخطأ الفادح بمكان، ولا حل لذلك إلا بفصل المنصبين عن بعضهما تماماً.

وقد يتوهم: إن الحل بأن يكون رئيس الجمهورية مدنياً، ويكون نائبه عسكرياً كوزير الدفاع، وهو الذي يتولى إدارة الجيش.

لكن نقول: إن ذلك لا يحل المشكلة أبداً، إذ لو كان رئيس الجمهورية بدوره عسكرياً، تدرج في المناصب لعشرات السنين ثم استقال ورشح نفسه لرئاسة الجمهورية مثلاً، لازداد الطين بلة، ولتضاعف خطر عسكرة الدولة؛ لأن الرئيس عسكري ونائبه أيضاً عسكري، فكيف سيكون حال البلاد؟!.

ولو كان الرئيس مدنياً فإن ذلك لا يحل المعضلة؛ لأن الرئيس وإن كان مدنياً، إلا أن القدرة بطبعها تميل للتمركز، و[كَلَّا إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى][9].

ولذا فإن الرئيس إذا وُضعت بيده قيادة الجيش، واعتبر القائد الأعلى للقوات المسلحة أو اعتبر نائباً، فإنه سيطغى حتماً[10]، هذا إضافة إلى مشكلة عظيمة أخرى ستظهر، وهي: إن الرئيس المدني حيث لا يعرف خفايا الجيش ومعادلاته الداخلية وتوازناته وخصوصياته، فإنه سيكون (أُلعوبة) بيد نائبه (وزير الدفاع مثلاً) في مرحلة التصديق على شتى القرارات الإستراتيجية التي تتخذها قيادة الجيش.

فمهما كان حاذقاً ذكياً، فإنه سيخضع لتأثيرات (جنرالات) الجيش، كونهم متخصصين في شؤون العسكر وهو غير متخصص، فهو من جهة سيكون ذئباً ضارياً على الناس، ومن جهة سيكون خاضعاً لتأثير العسكر.

وإن من الصحيح القول بأن وجود مستشارين عسكريين مستقلين للرئيس، يقلص نسبة هذا الخطر (الثاني فقط لا الأول إذ يبقى بحاله)، إلا أن من الأولى ـ مع ذلك ـ فصل المنصبين تماماً، لتصل نسبة الخطر إلى ما يقارب من الصفر.

إذن الصيغة السابعة هي الانتخاب العام، بأن ينتخب عامة الناس قائد الجيش، كما ينتخبون رئيس الجمهورية، وكما انتخب عامة الناس الممثلين في البرلمان أو مجلس الأمة.

وليس من الصحيح التمسك بإطار (مونتسكيو) الضيق، بل إن هذا الخيار السابع ونظائره مهم جداً، وليس على العقلاء من مذمة فيما إذا لم يصلوا إلى فكرة من الأفكار من قبل، فكما أسسوا لانتخابات رئاسة الجمهورية، لكنهم وجدوا ذلك غير كافٍ فأضافوا إلى ذلك انتخابات لممثلي الشعب أو مجلس البرلمان.

كذلك نقول لهم: أضيفوا إلى ذلك انتخابات ثالثة هي لقائد الجيش.

وقد يقال: كيف ينتخب الناس قائد الجيش، وهم لا يعرفون فيما إذا كان ذات كفاءة أم لا؟.

فنقول: هل الناس يعرفون من هو الكفء لرئاسة الجمهورية، أو لعضوية مجلس الأمة؟.

والجواب هو الجواب.

والجواب الحلي:

أولاً: يعرف الناس ذلك عبر أهل الخبرة الذين يعتمدون عليهم.

ثانياً: يمكن القول بلزوم توفر وشرائط عامة في المنتخَب[11]، مما يسهل على الناس التعرف إليها.

ثالثاً: يمكن تعرفهم عليه عبر نشر سيرته الذاتية (CV)، وعبر إجراء لقاءات تلفزيونية وحوارات صحفية معه، وغير ذلك.

8-أن يكون تحديد قائد الجيش بانتخابات تجري في الجيش كل أربع أو خمس أو ست سنوات، لانتخاب القائد الأعلى للجيش، بما يضمن عدم تمركز القدرة في يد شخص واحد، رئيس الجمهورية أو القائد الأعلى.

9-وهنالك صيغة أخرى وقسيم آخر في مقابل التعيين والانتخاب، وهو أن ندمج بين الأمرين، بأن يكون تعييناً في انتخاب أو انتخاباً في تعيين.

ولعل هذه الصيغة تجمع محاسن البندين الأولين أو الصياغتين الأوليين وتبتعد عن المساوئ فيهما، فنقول:

هنا خياران:

الأول: إن مؤسسات المجتمع المدني أو شورى المراجع أو البرلمان أو السلطة القضائية أو رئيس الجمهورية، كلهم أو قسم منهم، ينتخبون من بين واجدي الشرائط المرشحين، وهم مائة فرضاً (ينتخبون أو يحددون) عشرة منهم مثلاً من واجدي الشرائط والصلاحيات، إذ واجدوا الصلاحيات على درجات، ثم (الجيش) ينتخب قائده من هؤلاء العشرة، أو إن (الناس) هم الذين ينتخبون القائد من بينهم.

الخيار الثاني: إن مؤسسات المجتمع المدني أو شورى المراجع، أو رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان ورئيس السلطة القضائية (يقترحون) عشرة أسماء مثلاً، الأفضل فالأفضل، والناس بعد ذلك ينتخبون من بين هؤلاء، على أن لهم حق الانتخاب من خارج هذه الدائرة ممن جمع الشرائط وتوفرت فيه المواصفات، وهي صيغة تجمع بين فوائد التعيين والانتخاب.

عودة إلى العنوان والمحصِّل

وإن جامع الموضوع الذي نلاحظه في اختيار أفضل الصيغ هو: تحقيق الامتثال الإلهي الوارد في الآية الشريفة: [إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ]، فنحن نسعى وراء أداء الأمانة، وهو عنوان خطير صعب إلى أبعد الحدود.

إذ أين ذلك من أن يقوم رئيس الجمهورية بمفرده بتعيين القائد الأعلى للقوات المسلحة والجيش ويعتبره نائباً له، مما لو أشركنا رئيس البرلمان والقوة القضائية في الأمر؟.

إن (الضمانة) حينئذٍ تزداد دون حد، وسيكون ذلك من أعلى مصاديق الإتقان، ثم أين ذلك كله مما لو كانت هنالك انتخابات؟، فإن الأمر سيكون عندئذٍ أكثر اطمئناناً واتقاناً وإحكاماً.

النتيجة

إذا طبقنا قاعدة العنوان والمحصل على المقام، فإنه يحتمل القول[12] بأنها أيضاً تقتضي الجمع بين الصيغتين، يعني صيغة التعيين وصيغة الانتخاب، أو الصيغ الأكثر ضماناً.

وقد ذكرنا في البحث الماضي كلام أمير المؤمنين (عليه صلوات المصلين)، ونضيف ها هنا إضافة هامة توضيحية في سياق كلامنا حول هذا القائد الأعلى، الذي ينبغي أن يتحلى بخصوصيات ومواصفات خاصة استثنائية.

يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): (فَوَلِّ ـ أي اجعله والياً قائداً ـ مِنْ جُنُودِكَ أَنْصَحَهُمْ فِي نَفْسِكَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِإِمَامِكَ، وَأَنْقَاهُمْ جَيْباً، وَأَفْضَلَهُمْ حِلْماً)[13]، وقد أشرنا لبعض الإضاءات حول كلامه (صلوات الله وسلامه عليه).

ونضيف ها هنا كلمة أخرى وهي: إن الإمام (صلوات الله وسلامه عليه) هو أمير الكلام وأمير الحكمة وأمير البلاغة وسيد البلغاء، وقد استخدم (عليه الصلاة وأزكى السلام) صيغة (أفعل) التفضيل بقول مطلق في كل تلك الجمل في قائد الجيش.

إذ قال: (أَنْصَحَهُمْ) فلا يكفي أن يكون ناصحاً لله ولرسوله مخلصاً، بل ينبغي أن يكون أشدّهم إخلاصاً وأكثرهم إخلاصاً.

(وَأَنْقَاهُمْ جَيْباً) ولم يقل نقي الجيب؛ إذ لا يكفي أن يكون نقي الجيب فحسب، بل ينبغي أن يكون أنقاهم جيباً.

(وَأَفْضَلَهُمْ حِلْماً)، فلا يكفي أن يكون فاضلاً في الحلم أي حليماً فقط، بل أمره الإمام بأن ينتخب لقيادة الجيش (أَفْضَلَهُمْ حِلْماً).

إن هذا القائد بهذه المواصفات، هو الذي يستطيع أداء الأمانة، (أمانة الجيش) وما أثقلها من أمانة.

وبالإمكان أيضاً إجراء وتطبيق معادلة (العنوان والمحصل) على كلام الإمام (عليه صلوات الله وسلامه) أو الاستشهاد بكلامه، على أن الأمر من هذا القبيل، (وَأَنْقَاهُمْ جَيْباً، وَأَفْضَلَهُمْ حِلْماً، مِمَّنْ يُبْطِئُ عَنِ الْغَضَبِ، وَيَسْتَرِيحُ إِلَى الْعُذْرِ، وَيَرْأَفُ بِالضُّعَفَاءِ، وَيَنْبُو عَلَى الْأَقْوِيَاءِ).

إذن ينبغي أن يكون قائد الجيش من هذا القبيل، الأفضل في كل هذه الصفات، فمجرد أن يكون إنسانً مخلصاً في الحقيقة لا يكفي، ومجرد أن يكون نقي الجيب سليم الصدر والقلب من الحقد والحسد والكبرياء ونقي اليد من الخيانة، لا يكفي أيضاً.

بل ينبغي أن يكون أنقى الجنود وأنقى الضباط في هذا الحقل، وأن من الطبيعي أن يكون ذلك صعباً جداً، ويحتاج إلى احتياط ودقة بالغة، وقد طبّق أمير المؤمنين (عليه صلوات المصلين) ذلك حيث انتخب أفضل الناس لقيادة جيشه وهو مالك الأشتر.

 

المبحث الثالث: الإجابة على الاستفسارات ذات العلاقة بموضوع البحث

 

السؤال: الرأي الشرعي والعقلائي في تنصيب قائد الجيش

حول مقترحكم لإناطة قيادة القوات المسلحة برئيس مجلس الشعب أو رئيس مجلس القضاء الأعلى، أليس هذا خلافاً لما كان عليه الأمر في دولة رسول الله وأمير المؤمنين (صلوات الله عليهما وآلهما)، كما في أمير المؤمنين (عليه السلام) حيث نصب مالكاً قائداً في جيشه؟.

الجواب:

لا يخفى أنه ليس مورد كلامنا هو المعصوم: الرسول (صلى الله عليه وآله) والإمام (صلوات الله عليه)، فإنه معين من قبل السماء ـ وعلى حسب الأدلة التي أقيمت في علم الكلام بشكل مفصل ـ فإن المعصومين وهم الرسول (صلى الله عليه وآله)، وأمير المؤمنين (عليه الصلاة وأزكى السلام)، وبقية المعصومين وصولاً إلى الإمام المهدي المنتظر (صلوات الله عليهم أجمعين)، هم خيرة السماء وقد اختارهم الله تعالى كأفضل الخلائق على الإطلاق، فلا يرقى لهم شخص أخر، والله تعالى هو الأعلم بالمصلحة.

وليس كلامنا عن ذلك في زمن الحضور، إذ نحن كمتدينين وملتزمين بشريعة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وملتزمين بمذهب أهل البيت (عليهم الصلاة وأزكى السلام)، (أو حتى المتدين الملتزم بالرسول فقط (صلى الله عليه وآله))، نؤمن بـ [وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ][14]، وبـ [إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ][15]، وللرسول والإمام صلاحيات منحها الله تعالى له، ولا يمكن لعباد الله أن يحتجوا أو يعترضوا، كما لا يمكن لهم أن يحتجوا على الصلاة والزكاة والحج، إنما كلامنا الآن في زمان الغيبة.

هل للفقيه أن يعين قائد الجيش؟.

ففي زمان الغيبة تارة نقول بولاية الفقيه، وتارة لا نقول بولاية الفقيه، وهما خياران وقولان ورأيان، وهنا نسأل هذا المتدين أو الجماهير المتدينة، هل يقول بولاية الفقيه أو لا يقول بولاية الفقيه؟.

وسنناقش الأمر على كلا القولين:

1- بناء على عدم القول بولاية الفقيه

القول الأول: الالتزام بعدم ولاية الفقيه العامة، كما هو مشهور الفقهاء حيث لم يقولوا بالولاية العامة أو المطلقة للفقيه، بل قالوا بولاية جزئية محدودة في الأمور الحسبية.

فإذا لم يقل الشخص بولاية الفقيه، فإن الأمر سيكون من باب السالبة بانتفاء الموضوع، إذ ليس للفقيه ولاية في الشؤون العامة، فليس له أن يعين قائد الجيش، وإنما الأمر متروك لما يراه الناس، أي الأمر متروك لرضاهم، إذ (الناس مسلطون على أموالهم وأنفسهم)، فلهم اختيار من يريدونه قائداً لجيشهم وحامياً لوطنهم طبق الضوابط الشرعية والعقلائية.

أرأيتم لو أنكم أردتم انتخاب شخص حارساً لمنزلكم أو لحماية شركتكم أو بستانكم، ألا يجب أن يكون ذلك برضاكم؟.

فكيف بالجيش المفروض به أن يكون حارساً لكل هؤلاء الناس؟.

وكيف يقبل العقل السليم أنه إذا أراد أحدهم أن ينتخب لنفسه حارساً شخصياً، فلا يمكن جبره على حارس لا يرتضيه، لكن يمكن جبر الناس كلهم على قبول شخص لا يرضونه كقائد لجيش يفترض فيه أن يكون حارساً لهم؟.

وإذا كان الفقيه نفسه لا حق له بجبر الناس على أمر لا يرضونه[16] فكيف يكون لشخص آخر الحق؟ فإذا لم نقل بولاية الفقيه، فالأمر واضح.

2- بناء على القول بولاية الفقيه

القول الثاني: الالتزام بولاية الفقيه، وهنا نخاطب من يقول بولاية الفقيه، ونقول له: من أين استنبطتم ولاية الفقيه؟.

أ ليس من الروايات والآيات، مثل: (الفقهاء حصون الإسلام)[17]، و(فإني قد جعلته عليكم حاكماً)[18]، و(وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا)[19]، لكن هذه الروايات تعطي الولاية ـ على فرض قبول دلالتها ـ للفقهاء كافة لا لأحدهم فقط.

توضيح ذلك: إن أمير المؤمنين (عليه السلام) منصوب بشخصه الكريم من قبل رسول الله مباشرة، والرسول منصوب بشخصه الكريم من قبل السماء مباشرة، ولكن هذا الفقيه المعين ليس منصوباً من قبل الله عز وجل.

وهذا الفقيه الواحد في مقابل سائر الفقهاء الجامعين للشرائط، لم يكن منصوباً من قبل رسول الله أو الأئمة الأطهار بشخصه، بل إن النصب هو نصب عام لمجموعة الفقهاء، فلو كانت هناك ولاية كانت لعامة الفقهاء لا لأحدهم فقط.

نعم، لو أن رسول الله نصب هذا الفقيه في هذا الزمن لوحده وبمفرده ولم ينصب سائر الفقهاء، فنصير إلى الالتزام به وبقراراته، فكما كان لرسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يعين القائد الأعلى للجيش.

فهذا الفقيه الذي هو بمفرده وبشخصه وبالاسم وبالتعيين الخاص منصوب من قبل الرسول (صلى الله عليه وآله) أو الأمير (عليه السلام)، له أن يعين شخصاً كقائد أعلى للجيش مثلاً، ولا يحق لفقيه آخر أن ينازعه فرضاً.

لكن هذا التوهم ـ التنصيب الشخصي في حق الفقيه زمن الغيبة الصغرى ـ لم يقل به أحد من الفقهاء، بل إن القائل بولاية الفقيه لا يستدل إلا بالأدلة العامة لا أكثر، وهو يعترف أننا في زمن النيابة العامة عن المعصوم.

وأن زمن الغيبة الصغرى ـ حيث كان النواب الأربعة خاصين ـ قد انتهى، وأما الآن فلكل الفقهاء النيابة العامة، فمجموعة الفقهاء (باعتراف حتى القائل بولاية الفقيه) هم نواب الإمام، فإذا كان ذلك كذلك كان لمجموعهم حق تعيين القائد الأعلى للجيش، وليس لأحدهم فقط.

إن قلت: إن واحداً من الفقهاء، وهو المسيطر على الأمر والسلطة، هو ذو الحق فقط لا غيره.

قلت: إن الغلبة والسيطرة على السلطة ليست ملاكاً شرعياً أبداً، وهذا ما أشرنا له سابقاً وسنضيف له لاحقاً ونفصله.

والحاصل أنه ما دامت ولاية الفقيه ـ على القول بها ـ منتزعة من الروايات والآيات، وقد منحتها لكل الفقهاء بنحو النيابة العامة، ولم تخصصها بالمسيطر دون غيره، فإن المسيطر على الحكم لا يحق له أن يعزل فقيهاً ويثبت فقيهاً، كما لا حق له أن يستبد بالأمر دونهم، ذلك أن تصديه وسيطرته تعني قهره، وليس أكثر من ذلك، ومتى كان (القهر) و(الغلبة) ملاكاً للشرعية؟!.

وقد تطرقت لذلك في كتاب "شورى الفقهاء دراسة فقهية أصولية"، وذكرت أن هذا ليس مبرراً عقلاً ولا شرعاً، لإلغاء تلك النيابة العامة وتحديدها في الخاصة، يعني تعيينها في شخص خاص، وهل للفقيه أن يلغي النيابة العامة؟!.

كلا وألف كلا، بل هي باقية على عموميتها حتى زمن الظهور المبارك، إذن لا يحق في زمان الغيبة، وفي زمان النيابة العامة لأحد أن ينحي بقية الفقهاء عن نفوذ آرائهم في الشؤون العامة.

وقد ذكر السيد الوالد (قدس سره)[20]: إن الأمر حيث قد أرجع لمجموعة العلماء والفقهاء، فإنه لو حدث هنالك تضارب في آرائهم واختلاف، فإن المرجع يكون عقلاً وعقلائياً وشرعاً رأي الأكثرية، أي أكثرية المراجع تبعاً لقوله تعالى: [وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ][21]،[22] والحديث مفصل في هذا الحقل نتركه للمستقبل إن شاء الله تعالى.

السؤال: الجيش والأجهزة الأمنية وخيارات فصل السلطات

عن الأجهزة الأمنية وهي تدار من قبل وزارتي الدفاع والداخلية، ويكون ذلك بإشراف رئيس الوزراء باعتباره رئيس السلطة التنفيذية، وقد تقدمت منكم الدعوة في البحث إلى أن تكون قيادة القوات المسلحة بيد رئيس مجلس الشعب، أو رئيس مجلس القضاء الأعلى، لكن ألا يسبب ذلك إرباكاً في إدارة الدولة نتيجة التداخل في عمل السلطتين التنفيذية والتشريعية أو القضائية؟.

الجواب:

الإجابة على هذا السؤال قد اتضحت مما ذكرناه في البحث[23]، ونضيف: بأن هذا الواقع من كون الجيش والقوات المسلحة تابعةً لوزارة الداخلية أو لوزارة الدفاع ليس حجة علينا، كما أنه ليس فرضاً علينا إتباعه.

وأننا نقترح صيغة أكثر تطوراً وأكثر تكاملاً، وذلك لبقاء المشكلة رغم العمل برأي مونتيسكيو، وكثير من عقلاء العالم في فصل السلطات الثلاث، ولا يصح الاستدلال بأن الوضع الموجود والواقع المفروض هو هكذا، وإلا لصح لأحدهم أن يعترض على نظام فصل السلطات، بقوله: إن هذه السلطات الثلاثة كلها هي في بلادنا بيد شخص واحد فلِمَ تريدون أن تفككوها؟.

كما نشاهد في بعض الدول من إن الملك، أو الدكتاتور بيده السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية، وهو الذي يعين القاضي الأعلى، فهل يصح أن يستدل علينا، وعلى مونتيسكيو، وعلى القائلين بفصل السلطات بأن النظام السائد هو هكذا، فلم تقولون بغير ذلك، ولم تفككون السلطات؟.

كلا... إذ نقول: لأننا اكتشفنا الداء، ووجدنا أن تكريس السلطات بيد شخص واحد منشأ للفساد، لذا نرى ضرورة تفكيك السلطات.

ونقول أيضاً: إننا وجدنا بأن الجيش هو أساس الفساد والدكتاتورية في الدول المستبدة، على الرغم من فصل السلطات فيها، إلا أنه مادام في يد رئيس الجمهورية فإن هناك اختلالاً استراتيجياً في موازين القوى.

ونقول: إن هذا الواقع الخارجي واقع خاطئ ينبغي تغييره، ولا يحدث ذلك أي إرباك، فيما إذا كان القائد الأعلى للجيش هو رئيس البرلمان أو رئيس السلطة القضائية، فكما لا يحدث إرباك إذا وقع الجيش بيد رئيس الجمهورية، كذلك لا يحدث إرباك لو سلم الجيش لرئيس البرلمان أو رئيس القضاء الأعلى، ولا يوجد عندئذٍ أي تداخل مع أعمال رئيس الجمهورية، بل رئيس الجمهورية له أعماله ومجالاته، ورئيس الوزراء له أن يشرف على الوزارات المختلفة، غاية الأمر إننا اقتطعنا وزارة الدفاع ووزارة الداخلية، وأية علاقة لمهام رئيس الجمهورية الأخرى ـ كمسئوليته في تنمية الاقتصاد والزراعة ومختلف الوزارات الأخرى المسئول عنها ـ بمهمة قيادة الجيش والقوات المسلحة[24].

إن ما نقترحه هو أن نقتطع بعض القدرة التي لا تزال متمركزة بيد رئيس الجمهورية فقط ليس أكثر من هذا، وهذا هو ما يدعو إليه العقل، وترشدنا إليه نفس الحكمة الداعية لفصل السلطات.

على أننا ذكرنا خيارات أخرى، ولم نخصص الأمر برئيس البرلمان، بل رجحنا أن يكون قائد الجيش شخصاً آخر خارج دائرة السلطات الثلاث.

ونضيف هنا خياراً آخر هو: أن يقوم رئيس الجمهورية باستشارة ملزمة ـ حدوثاً وبقاءً ـ مع رئيس البرلمان ورئيس السلطة القضائية، وعلى ضوئها وموجبها يعين القائد الأعلى للجيش، وكذا الأمر في أي قرار هام استراتيجي يتخذه القائد الأعلى للجيش.

السؤال: الرأي الإسلامي في حرية التبادل التجاري

إن الدول تعلّل تقييد حرية التبادل التجاري، بدوافع حفظ المنتج المحلي من سطوة المنتج الأجنبي الأعلى جودة وربما الأقل تكلفة، فكيف يمكن تفادي هذه المشكلة فيما لو أعطيت الحرية الكاملة لحركة الاستيراد، كما سبقت دعوتكم إليها في البحث المنصرم؟.

الجواب:

إن أنصار الجمارك والحدود وفرض المكوس يتسلحون عادة بهذه الشبهة، والإجابة عنها دينياً وبنحو التعبد واضحة، بل بديهية لكثرة الروايات التي تحرم (المكوسة - المكوس)[25] وعمل (العشّار)[26]

لكن لابد في ذلك من الإجابة العلمية أيضاً كي يقتنع العلماني، وكي يزداد المتدين إيماناً على إيمانه.

فنقول: الجواب على هذا الكلام من عدة وجوه:

الوجه الأول:

هو جواب نقضي، فماذا الذي يقال في حق محافظات وولايات الدولة الواحدة؟.

ولِمَ لا يقال مثل هذا الكلام في حق البلد الواحد؟.

مثل المبادلات التجارية بين كربلاء والنجف والموصل والحلة وكركوك والبصرة والسماوة والرميثة، أو بين القاهرة والإسكندرية، أو لاهور وكراشي، أو دمشق وحلب، أو هرات وكابل، وهكذا...

فلماذا لا يلتزمون بهذا الكلام هنا؟.

بينما يلتزمون به بين العراق والكويت، وبين العراق وإيران مثلاً، وكلها بلاد إسلامية، فإن نفس الإشكال وارد بين محافظات البلد الواحد؛ إذ لو فتح المجال لصادرات الموصل أن تأتي إلى كربلاء أو النجف مثلاً، دون ضرائب ودون حدود وقيود، فإنها ـ حسب زعم هذه الفلسفة ـ ستحطم الزراعة الكربلائية والنجفية وبالعكس؛ لأن كل بلد متميز بشيء.

وكذلك الحال في البلاد الأكبر، فإن بعض البلاد مثل الصين بسكانها المليار وخمسمائة مليون إنسان لا توجد فيها حدود داخلية، ولا ضرائب ومكوس على الاستيراد والتصدير بين أنحاء هذا البلد الشاسع، فهل تحطم اقتصاد الصين؟.

والحاصل: إننا نقول في الجواب: إن البلاد الإسلامية كلها ينبغي أن لا تكون بينها هذه المكوس وهذه الضرائب؛ لأن المسلمين أمة واحدة [إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً][27]، وهذا يعني أن حال البلد الإسلامي الكبير ـ بمختلف شعوبه وقومياته ـ الذي يضم ملياري مسلم مثل حال الصين.

الوجه الثاني:

كيف يُخضع بالحدود الجغرافية التي وضعها الغرب والمستعمر، وتُجعل هي الملاك والمقياس والمحور؟.

فهذه كلها أجزاء البلد الإسلامي الكبير، فكما إن هذه الحدود الجغرافية باطلة شرعاً وعقلاً، فكذلك الحدود الاقتصادية بين أجزاء البلد الواحد، كون هذه حدوداً استعماريةً ولا حدود بين بلاد الإسلام، بل إن كانت هناك حدود فهي بين بلاد الإسلام وبلاد الكفر، بين بلاد المسلمين وبلاد غيرهم مثلاً.

أما بين المسلمين بعضهم مع بعض، فينبغي أن لا تكون هذه الحمائية والمكوس والضرائب على الاستيراد والتصدير؛ لأنهم كالجسد الواحد، فالبلاد الإسلامية تعد بلداً واحداً.

نعم، يقع في قبال بلاد الإسلام، بلاد الكفر وهذا تعبير فقهائي معروف، والبحث في ذلك طويل.

الوجه الثالث:

إن هنالك توازناً طبيعياً سيحدث مثل ما هو حادث في داخل البلاد الكبيرة، فإن السبب في عدم حدوث مشكلة في الصين أو في أمريكا وولاياتها الكبيرة ـ وقد تضم الواحدة منها أكثر من 20 مليون أو أكثر من 35 مليون نسمة، وكل ولاية متميزة بشيء رغم أنهم لا يضعون الضوابط الحمائية داخلياً[28] ـ هو وجود توازن طبيعي، وكما يقول علماء الاقتصاد فإن الأسواق تصحح نفسها بنفسها[29].

ويقول رسول الله (صلى الله عليه وآله): (دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقُ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ)[30]، والسبب في توازن السوق هو أن أهالي بلدة عندما يرون أهالي بلدتهم الجارة قد برعوا في شيء فإنهم لا ينافسونهم فيه؛ لأنهم أضعف منهم فيه مثلاً، بل يتجمعون إلى شيء آخر، فقد تبرع منطقة في الزراعة وأخرى في الصناعة، أو في هذا النمط من الزراعة وذاك النمط من الزراعة.

وكما يحدث التوازن الطبيعي في المحافظات الكبيرة في الدولة الواحدة، كذلك سيحدث لو فتحت الحدود بين مصر والسودان وتونس والمغرب والبحرين وبلاد الحجاز وأفغانستان ولبنان وسوريا وإيران وأندونيسيا.

الوجه الرابع:

هو أنه لو فرض ـ مع كل ذلك ـ أن إلغاء الحدود الجغرافية والاقتصادية دفعة واحدة، سيحدث هزة اقتصادية كبرى في إحدى البلاد بحيث لا يتحملها الأهالي، فإن ذلك سيكون بمنزلة عنوان ثانوي اضطراري مؤقت بوقت، والضرورات تقدر بقدرها.

ويجب وضع جدول زمني وسقف زمني ـ كسنة مثلاً ـ لإزالة هذه الحدود دفعة بعد سنة فيما لو تحملت البلاد ذلك أو بالتدريج، ويجري التخطيط الجاد بتعاون مراكز الدراسات والجامعات ووزارات التجارة والصناعة والزراعة وغيرها لهذه الفترة الانتقالية.

وعلى الناس أيضاً أن يساهموا في النهضة الاقتصادية بكل همة ونشاط، وتوضح لهم الجداول الزمنية والسقف الزمني بكل شفافية كي لا تكون لهم الحجة، وكي لا تبقى ذريعة للتكاسل أو التباطؤ.

وقد فصل الحديث عن ذلك الوالد (رحمة الله تعالى عليه) في موسوعة "الفقه: ج107-108 الاقتصاد" وغيره، وبذلك يظهر أن (الحماية) على تقدير الاضطرار إليها هي حماية مؤقتة، ولا يجوز أن تكون من بنود الدستور، ولا حتى من مواد القانون، ولهذا البحث تتمة تترك للمستقبل إن شاء الله تعالى.

* الفصل الثامن من كتاب ملامح العلاقة بين الشعب والدولة
http://m-alshirazi.com
http://annabaa.org/arabic/author/10

......................................
[1] وقد يحدد الطبيب محتملات النجاح، مثلاً: 90% أو 50% أو 10%، وقد لا يحدد.
[2] سورة المائدة: 6.
[3] سورة المائدة: 6.
[4] وسائل الشيعة: ج17 ص382-383 ب2 ح22798.
[5] هذا التنظيم تتبعه بعض الأنظمة أو معظمها، وهي الأنظمة الرئاسية، إذ أن الكثير غيرها تعتبر هذه المناصب لرئيس مجلس الوزراء، مثل العراق والهند و...، وهي الأنظمة البرلمانية، وهنالك المختلطة الرئاسية البرلمانية.
[6] ويمكن دمج الآراء والمباني، بأن نقول لمن يرى ضرورة أن يكون رئيس الجمهورية قائداً أعلى للجيش: فليكن لكن ليس بشكل طوعي (أتوماتيكي)، بل يجب أن يعينه رئيس البرلمان أو رئيس القوة القضائية أو غيرهما من الخيارات الأخرى، ليكون رئيس الجمهورية، مجرد نائب في قيادة الجيش.
[7] أو خبراؤها
[8] عبر الآلية المعروفة بـ (التقليد).
[9] سورة العلق:6-7.
[10] وحتى لو قيل بأن هذا المنصب رمزي، إذ من الواضح أن في عالم الواقع سيتجاوز كل الحدود ويفعل ما يحلو له.
[11] ككونه حائزاً على شهادة كذا ـ فرضاً ـ، وككون تدرجه الوظيفي أو تاريخه العلمي أو السياسي أو الفكري أو العملي كذا وكذا... وهكذا.
[12] الرأي الفقهي في المقام وفي هذا المبحث كله يحتاج إلى تدبر أكثر، ومقامه مقام آخر وما ذكرناه في هذا البحث عموماً هو طرح آراء ومقترحات ومحتملات ومقرِّبات.
[13] نهج البلاغة، الرسائل: رقم53 ومن كتاب له (عليه السلام) كتبه للأشتر النخعي لما ولاه على مصر وأعمالها حين اضطرب أمر أميرها محمد بن أبي بكر.
[14] سورة الحشر: 7.
[15] سورة المائدة: 55.
[16] إذ جبر الناس هو على خلاف الأصل والقواعد الشرعية والعقلية، ولا يخرج عنه إلا بدليل، ولا دليل على حق الفقيه في جبر الناس على ما لا يرضونه، بناء على رأي المشهور المنكرين لولاية الفقيه.
[17] الكافي: ج1 ص38 باب فقد العلماء ح3.
[18] الكافي: ج1 ص67 باب اختلاف الحديث ح10، الكافي: ج7 ص412 باب كراهية الارتفاع إلى قضاة الجور ح5.
[19] وسائل الشيعة: ج27 ص140 ب11 ح33424.
[20] يراجع: "الفقه: ج101-102 الدولة الإسلامية"، و"الشورى في الإسلام" و"الصياغة الجديدة لعالم الإيمان والحرية والرفاه والسلام".
[21] سورة الشُّورى: 38.
[22] ولو قيل بأن أدلة الحجية لا تشمل المتعارضين، فعند التعارض تتساقط الآراء كلها، وليس المرجع خصوص المسيطر والغالب، بل لو كانت مرجعية ـ بأن قلنا بالترجيح لا التساقط ـ فلتكن للأعلم أو الأورع أو الأكثر جماهيرية أو ما أشبه ذلك.
[23] على أن هذا الإشكال غير وارد بالمرة علينا، إذ رجحنا أن يكون منصب القائد الأعلى للجيش ووزير الدفاع بيد شخص آخر، غير رؤساء السلطات الثلاث، فلا تداخل بين السلطات.
[24] يشار هنا إلى أن نظام الارتباط في القوات المسلحة، تحكمه المنظومة الإستراتيجية للدفاع الوطني، وفق هيكلتها وعقيدتها، حيث الكثير منها تعتبر منصب وزير الدفاع سياسياً مدنياً، وهو كما ورد في السؤال جزء من مجلس الوزراء، وكذا حقيبة الداخلية لجهة ارتباطهما برئيس الوزراء حصراً، أسوة بباقي الوزراء وأعضاء مجلس الوزراء، وعليه في الغالب أن لا ترتبط رئاسة الأركان العامة بوزير الدفاع، التي تتولى قيادة القوات المسلحة، إلا في حال إسناد منصب القيادة العامة للقوات المسلحة، أو نيابتها إليه وهو ليس ملزماً، فالبحث في نطاقه ومعضلته، منحصر بمنصب القائد العام أو القائد الأعلى للقوات المسلحة، وبيان ارتباطه ومرجعيته، وفق المنظومة الإستراتيجية للدفاع الوطني، ولا دخل فيه لمنصب وزير الدفاع، فتأمل
[25] (المكوس) هي: ما يأخذه أعوان الدولة عن أشياء معينة عند بيعها أو عند إدخالها المدن ـ المنجد مادة مكس.
[26] (العشّار) مأخوذ من التعشير وهو أخذ العشر من أموال الناس بأمر الظالم ـ مجمع البحرين مادة عشر.
[27] سورة الأنبياء: 92.
[28] سكان نيويورك (19 مليون نسمة) يقارب عددهم سكان سوريا (23 مليون نسمة)، وسكان لوس آنجلس (كاليفورنيا 37 مليون نسمة) يزيد عددهم على عدد سكان العراق (32 مليون نسمة).
[29] هذه القاعدة صحيحة في الجملة لا مطلقاً، وتفصيله في محله.
[30] وسائل الشيعة: ج17 ص445 ب37 ح22957.

اضف تعليق