يمكن أن نميّز بين تيارين رئيســين لمسألة السيادة في الدولة: تيار إسلامي ذو مرجعية إسلامية، ويندرج تحته توجهان رئيسان: الأول، توجه تقليـدي يتبنى المرجعية الإسلامية على أساس أن الحاكمية لله فقط، والثاني: حداثي، يتبنى الدولة المدنية ذات المرجعية الإسلامية. وتيار علماني حداثي ذو مرجعية مدنية، يفصل الدين عن الدولة...

السيادة بمفهومها المعاصر فكرة حديثة نسبياً مرت بظروف تاريخية، ولدت في القران السابع عشر، كنتيجة لظهور الدولة الحديثة في أوروبا. إذ كان السائد أن الملك أو الحاكم يملك حق السيادة بمفرده، وكان هناك اعتراف للأمراء، والملوك، والأباطرة بسلطة أعلى من ذواتهم في شكل (الله – ملك الملوك – البابوية). ثم انتقلت إلى رجال الكنيسة، فكانت سنداً ودعماً لمطامع البابا في السيطرة على السلطة، ثم انتقلت إلى الفرنسيين ليصوغوا منها نظرية السيادة في القرن الخامس عشر تقريباً أثناء الصراع بين الملكية الفرنسية في العصور الوسطى لتحقيق استقلالها الخارجي في مواجهة الامبراطور والبابا، ولتحقيق تفوقها الداخلي على أمراء الإقطاع.

وقد ارتبطت السيادة بالمفكر الفرنسي جان بودان. وفي 26 أغسطس 1879، صدر إعلان حقوق الإنسان الذي ينص على أن السيادة للأمة وغير قابلة للانقسام، ولا يمكن التنازل عنها، فأصبحت سلطة الحاكم مستمدة من الشعب، وظهرت تبعاً لذلك فكرة الرقابة السياسية والقضائية لتصرفات السلطة التنفيذية(1). والسيادة تعني السلطة المطلقة غير المحدودة، غير أن هذا المبدأ البسيط ظاهرياً يخفى قدراً من الالتباس، وسوء الفهم والخلاف، ليس واضحاً في المقام الأول، مما تتكون هذه السلطة المطلقة.

يمكن أن تشير السيادة إلى سلطة شرعية عليا، أو إلى قوة سياسية غير قابلة للاعتراض عليها أو تحديها. ويرتبط هذا الخلاف بالتمييز بين نوعين من السيادة، أسماهما المنظر الدستوري للقرن التاسع عشر ايه.في.ديسي (A.V.Dicey): السيادة القانونية والسيادة السياسية. كما جرى استخدام مفهوم السيادة بطريقتين متعارضتين: السيادة الداخلية، التي تشير إلى توزيع السلطة داخل الدولة، وتؤدي إلى أسئلة عن الحاجة إلى سلطة عليا وموضعها داخل النظام السياسي.

والسيادة الخارجية التي ترتبط بدور الدولة في النظام الدولي، وما إذا كانت قادرة أم لا في أن تعمل كفاعل مستقل وحر(2). بالتالي، فإن الظروف التي نشأت بسببها نظرية السيادة وغيرها من النظريات، ليست كالظروف التي مرت بها الدولة الإسلامية، وعليه قد يكون من الخطأ أن نأتي بتلك النظريات ونسقطها على الحالة الإسلامية، وربما قد توجد في الفكر الإسلامي بشكل مغاير.

وهذا ما يجعل التباين واضحاً بين الرؤيتين الإسلامية والغربية للسيادة؛ الذي انعكس بدروه في الفهم والتفسير الأيديولوجي، وما ترتب عليه من سلوك سياسي للقوى السياسية (الإسلامية والعلمانية). ففي سياق جدلية (العقل والقانون والدين) نشأت فكرة السيادة وما رافقها من إشــكاليات في اختلاف مصادرها، ســواء في الفكر السياسي الحديث، أو الفكر السياسي الإسلامي.

فالسيادة في الدولة الإسلامية، أو في الفكر الإسلامي لله (عز وجل) فالتشريع له وحده، وهذه السيادة متمثلة في شريعته (كتاب الله وسنته) والدولة تستمد سيادتها من خلال التزامها بالإحكام الشرعية وتنفيذها لها وللامة، بعد ذلك حق تولية الإمام ومحاسبته وعزله ومراقبة السلطة الحاكمة في التزامها حدود الله وليس لها ولا للسلطة الحاكمة الحق في العدول عن شريعة الله. وقد ذهب البعض أن السيادة في الإسلام تكون للأمة، واستَّدل بالنصوص التي تخاطب الأمة بمجموعها وبمبدأ الشورى في الإسلام.

ونظريات السيادة في الفكر الإسلامي ترجع إلى تفسيرات النظريات الثيوقراطية، التي ترى بأن السيادة لله وحده، وانقسمت بين نظرية الطبيعة الإلهية للحاكم، ونظرية الحق الإلهي المباشر، ونظرية الحق الإلهي غير المباشر، وإلى نظرية سيادة الأمة، التي يقربها البعض من مفهوم الديمقراطية، لكنها تباينت بين تفسيرات الفكرين السياسيين المعاصرين (الشيعي والسني) ولاسيما في بدايات القرن العشرين بعد أن تنامى مفهوم الحاكمية عند الحركات والتنظيمات السلفية والاسلام السياسي السَّني، وكذلك مع نجاح الثورة الإسلامية في إيران وتطبيقاتها العملية لنظرية ولاية الفقيه، النظريتان اللتان حكمتا الإسلام السياسي بشكل عام في قضية تعاطيه مع الدولة والسيادة والديمقراطية وحقوق الإنسان، وكل ما يتعلق بالدولة (داخلياً وخارجياً)، وكانت لهاتين النظريتين تداعيات كبيرة على سيادة بعض الدول، ولاسيما في العراق قبل وبعد عام2003.

وبهذا الشكل، يمكن أن نميّز بين تيارين رئيســين لمسألة السيادة في الدولة: تيار إسلامي ذو مرجعية إسلامية، ويندرج تحته توجهان رئيسان: الأول، توجه تقليـدي يتبنى المرجعية الإسلامية على أساس أن الحاكمية لله فقط، والثاني: حداثي، يتبنى الدولة المدنية ذات المرجعية الإسلامية. وتيار علماني حداثي ذو مرجعية مدنية، يفصل الدين عن الدولة. ولاسيما أن الفكر السياسي الإسلامي شهد تطوراً ملحوظاً في التعامل مع الدولة الحديثة وسيادتها، تمَّثل في التحالف بين الفكر الإصلاحي الإسلامي مع رواد مشروع الدولة الحديثة في العالمين العربي والإسلامي، على الرغم من التحفظات الكبيرة التي ابدتها الكثير من تيارات الفكر الإسلامي بشكل عام(3).

أولاً: التيار الإسلامي

اهتم التيار الإسلامي عموماً بمسألة نظام الحكم في الإسلام، ودار النقاش والسجال كثيراً في مســألة الســيادة، التــي تعنــي بالمفهوم الإسلامي مفهوم (الحاكمية) فلم يقتصر بعض الكتاب الإسلاميين على أن الله هو المشرع ســواء كان ذلك عن طريق القرآن الكريم أم السنة، ولكنهم ذهبوا إلى أبعد من ذلك حين فسّـروا شــعار المحكمة المشهورة (لا حكم إلا لله) بأنه ينطبق على الحكم والســلطة في اتساعها، مستدلين بذلك ببعض الآيات القرآنية منها: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) وقوله تعالى(وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) على الرغم من أن مفهوم الحاكمية كمضمون ولد في مناخ الفتنة مع الخوارج الأوائل(4) وقد وصف أبو الأعلى المودودي الدولة الإسلامية بأنها تتسم بخصائص ثلاث: الســلطة الحقيقية في الدولة لله تعالى، وليس لأحد من دون الله شيء من التشريع، وتحكم بما أنزل الله. وقد تمكن المودودي في ذلك، توظيف مفهوم الجاهلية للتعبير عن أدانته لأنماط العيش في المجتمعات الغربية، ورفض الفكر الغربي وفلسفته والمفاهيم السياسية الحديثة والمعاصرة المرتبطة به، كمفهوم السيادة والديمقراطية، ونتيجة لذلك، انفرد المودودي بفتحه الباب أمام استعمال مصطلح "التكفير" في عملية تقيمه وحكمه على المجتمعات الغربية لتبنيها أنظمة وضعية.

لذا فإن مصطلح الحاكمية حديث العهد في الثقافة الإسلامية، باعتبار أن صيحة "الحكم لله" التي نادى بها الخوارج مختلفة في المضمون والمعنى والهدف عن الحاكمية المعاصرة، التي طرحها ابو الأعلى المودودي في أربعينيات القرن الماضي، ذات البعد الديني المتشدد، ثم تحوَّلت فيما بعد إلى أيديولوجيا سياسية على يد سيد قطب في مصر في ستينيات القرن الماضي أيضاً، الذي أخذ أبعاداً أخرى متداخلة عقائدياً وسياسياً؛ لأنه تجاوز طرح المودودي الذي قام بتكفير الدول الوضعية والغربية ووصف مجتمعاتها بالجاهلية، وتعداه إلى أخطر من ذلك، بتعميمه التكفير على كل الأمة الإسلامية بما فيها أنظمتها ومجتمعاتها. إذ يرى بأن "الحاكمية لله وحده من دون العباد، وأن دين الله هو منهجه وشرعه ونظامه الذي لا يرضى من الناس ديناً غيره، وأن وظيفة المسلمين هي إقامة حاكمية الله أو مملكة الله في الأرض، أو تمكين الله في العباد"(5).

واعتمدت الحركات السياسية التقليدية على نظرية الحاكمية لله في تفسير ذلك، التي تقضي بأن السلطان السياسي في المجتمع الإسلامي ليس حقّاً من حقوق الأمة، فالبشر ليسوا هم الحكام في مجتمعاتهم وإنما الحاكم في هذه المجتمعات هو الله، أيْ إن الأمة ليست مصدر السلطات(السيادة)(6). هذا الحكم الذي تبنته الجماعات السلفية الجهادية المتطرفة والإرهابية، أصبح أزمة متلازمة للعديد من الأنظمة السياسية العربية، ولاسيما في العراق، فضلاً عن ذلك، فقد تبنته بعض التيارات السياسية الإسلامية السنًّية في العمل السياسي، وقد دُعمت بالمال السياسي (الداخلي والخارجي) في سبيل المضي بمشروعها الهادف إلى تقويض التجربة الديمقراطية العراقية بعد عام 2003؛ مما أدى إلى تعميق وتعويم أزمة السيادة العراقية.

أما في التفسير الشـيعي، فإن أغلب تيارات الإسلام السياسي الشيعي المعاصر، تقترب من مفهوم الدولة الدينية الثيوقراطية، وفقاً لمعتقداتهم والمباني الفقهية التي اعتمدها السيد الخميني في بناء نظريته في ولاية الفقهية العامة المطلقة، كما هو الحال في جمهورية إيران الإسلامية، وأن الاندماج في مشروع الدولة القومية أو المدنية، هو اندماج مرحلي أو مؤقت. إذ "يرى الشيعة الاثنا عشرية وجوب عصمة الإمام، بحيث يحصل للمكلفين القطع بأنه حجة الله وأن قوله قول الله تعالى وقول رسوله وحكمه وجوب طاعته والتسليم له". وترى هذا النظرية، بإن السياسة الشرعية الشيعية، موضوع فقهي بامتياز وتحدد معلمها وأحكامها في المجال الفقهي بدرجة أولى، وبحسب نيابة الفقيه عن الإمام المعصوم، فإن الفقيه وحده الأجدر بصياغة الموقف الشرعي من الدولة، التي ستتحول بمرور الوقت إلى حقل مقفل وموقوف بصورة نهائية للفقيه الجامع للشرائط، بحسب الأدبيات والمباني الفقهية الشيعية لنظرية ولاية الفقيه العامة(7).

بموازاة ذلك، يحاول التوجه الإسلامي الحداثي، أن يطور مفهوم الحاكمية، بأن يجعل السيادة لله أو للشريعة، وأن يجعل السلطان للشعب أو الأمة، وهو ما عبر عنه المفكر الإسلامي التونســي راشــد الغنوشي بقوله: "وفــي كل الأحوال، فإن دولة الإسلام هي دولة الناس، الذين يجتهدون فيصيبون ويخطئون عبر الشورى المتخصصة، والشــورى العامة التي تجعل الحاكم مجرد خادم للشعب ووكيل عنه، ويعمل تحت رقابته في إنفاذ حكم الله حكم الشعب، فهي حكومة مدنية من كل وجه، طريقها الاختيار الشعبي الحر، يحكمها قانون يتساوى أمامه كل مواطني الدولة، بصرف النظر عن جنسهم، واعتقادهم، لا تختلف آليات سيرها عــن الديمقراطيــات المعاصرة، إلا بمرجعيتها الخلقية العلوية، مرجعية الشريعة"(8).

أو تلك النظرة الواقعية في الفقه السياسي الشيعي المعاصر التي عبر عنها النائيني، بأن السلطة هي نتاج المجتمع وخصوصياته، ولايمكن اقتراح مقاسات واحدة وشكل ثابت لنمط السلطة، بما يتناسب مع خصوصيات المجتمع وثقافته، فما دامت الدولة هي عقد بشري أوجدته الضرورة الاجتماعية، من أجل الارتقاء بمكانة الإنسان وحياته وتحقيق اهدافه، في الحفاظ على مصالحه وحقوقه وأمنه، بمشاركة أبناء جنسه، بهدف الصالح العام، فلماذا نختلف في أصل الدولة وشكلها وسيادتها، ولماذا لا نخضعها لإرادة الشعب فقط، بعيداً عن إرادة الفقيه ورؤيته الدينية؟. بالمجمل، هذا التشكيك والاختلاف الفقهي والمرجعي بين تيارات الإسلام السياسي، أصبح واقعاً في التجربة الديمقراطية العراقية بعد عام2003، وانعكس سلباً على سيادتها بشتى الصور.

ثانياً: التيار العلماني

ينطلق الفكر السياسي الحديث من أن الشعب مصدر السلطات، وأن الإقرار بهذا المبدأ ليس بالأمر الجديـد في الفكر السياسي والاجتماعي والقانوني، إذ عولج هذا الموضوع من قبل العديد من المفكرين والفلاسفة، ويقوم هــذا المبدأ على إقرار المساواة القانونية بين أفراد المجتمع؛ فروسو يرجع نشــأة الدولة إلى الإرادة العامة للجماعة، إذ هي التي كونت الأمة، وأقامت الدولة، ومن ثم تكون الســيادة للأمة، ولا تكون السلطة التي تمارسها الدولة مشــروعة، إلا حينما تكون وليدة تلك الإرادة العامة للأُمة. وعليه، فإن المســاواة بين الأفــراد تدحض أي مبرر لســيطرة فرد على فرد آخر، أو فئة على فئة أخرى؛ لأن السلطة في المجتمع لا تعود للجزء، وإنما تعود للكل. ومن اللحظة التي أصبحت فيها الســلطة دنيوية، بدا أصلها الشعبي أكثر انسجاماً مع العقلية العامة(9). وقد اســتفاد أنصار التيار الحداثي العلماني من التجارب السياسـية في الدول الغربية الحديثة، وتأثروا بآراء منظريها حول الدولة، ســواء أكانوا ليبراليين، أم اشــتراكيين، واتفقوا على أن الشـأن السياسي أمر دنيوي بحت، لا يجوز للدين وعلمائه التدخل فيه؛ لذلــك ألحّوا على ضرورة الفصل بين الدولة والدين؛ حتى يتسنى للشــعوب العربية إقامة دول ديموقراطية حديثة. وهي رؤية تستند إلى القانون الطبيعي عند جون لوك (1632-1704) والرؤية الليبرالية للدولة، أي بمعنى انها تسند السلطة والسيادة "التقنين والتشريع" للشعب، إذ يقول لوك: "سلامة الشعب هي السنًّة العليا، مبدأ عادل أساسي لا يضلُّ من اخذ به بأمانة قط، ولا يحق للســلطة التشــريعية ولا ينبغي لها ان تسّلم صلاحية وضع القوانين لأية هيئة أخرى، أو تضعها في غير الموضع الذي وضعها الشــعب فيه أبداً"(10). وهذا الطرح يسعى إلى بناء الدولة المدنية على أساس الرابطة الوطنية، والفصل بين الســلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية، كما يدعو إلى ضمان الحرية الفردية، بوصفها قانوناً طبيعياً مقدساً، مع التأكيد على مبدأ المساواة، وأسناد السلطة للشعب.

هذه التفسيرات المتباينة (الفقهية والدينية والسياسية) للدولة وسيادتها، أو تلك التفسيرات الخاضعة للرؤية الثيوقراطية بشكل عام، والتقاطعات النظرية بين القوى والاحزاب والتيارات السياسية العراقية بشأن الدولة وعملية بناءها، مَّثلت أزمة مركبة للسيادة في العراق وانعكست في عدة ملفات وقضايا في الجانب السياسي والأمني، والاقتصادي والاجتماعي، فضلاً عن أزمة العلاقات الخارجية. إذ ترتبط أزمة السيادة العراقية في فكر القوى السياسية الإسلامية، ولاسيما الشيعية منها بأزماتها المركبة حول مفهوم الدولة والسلطة والمواطنة وغيرها من المفاهيم التي ارتبطت بقاموسها حول مفهوم الدولة القومية الحديثة وقيَّمها السياسية، وكشفت عنها التجربة العراقية بعد عام2003. فالتيارات أو الأحزاب السياسية الشيعية المعاصرة "بتنوعها الفكري والسياسي" تتباين في نظرتها وفهمها إلى موضوعة السيادة بتعدد تياراتها، إذ تنقسم بذلك بين مدرسة الولي الفقيه "الإيرانية" والمدرسة التقليدية الشيعية المرتبطة بمدرسة الانتظار "مدرسة النجف" ومدارس ولاية شورى الفقهاء وولاية الأمة على نفسها، وهي خليط بين المدرستين.

إذ تراجعت قيم السيادة وسلطتها في العراق بعد عام2003 إلى نتاج ممارسات سلبية جماعية شاركت فيها معظم قوى الإسلام السياسي وبمشاركة القوى المدنية أيضاً، والقوى المجتمعية والاقتصادية العراقية. فالتيارات السياسية الشيعية بفصائلها المختلفة تتحمل جزءاً من المسؤولية، وتعتبر أزمة أو إشكالية السيادة العراقية داخل التيار الإسلامي، أكثر تعقيداً من التيارات الأخرى؛ لأنها منبثقة مما تعتبره هذه الحركات قيماً مرتبطة بجذور مرجعية ودينية وفقهية، تضفي الكثير من المثالية والقدسية على آرائهم وبرامجهم الفكرية والسياسية؛ مما يؤدي إلى جمودها وعدم القدرة على مناقشتها في الاوساط السياسية والاجتماعية والنخب الثقافية، فضلاً عن ذلك، فإن كثير من تلك الآراء تحمل بين ثناياها أممية الدين العابرة للحدود بمفاهيم دينية–فقهية "ايديولوجية"، كما يحدث في العراق منذ عام2003 وحتى الآن. فقد ارتبطت بعض القوى السياسية بمرجعيات دينية إقليمية، تحمل مشروعاً سياسياً عابر للحدود. وهذا إربك وضع الدولة في العراق، وعمَّق من إشكالية السيادة وأزمتها، ووضع بعض الاشكاليات حول قيم التيارات الدينية ونظرتها إلى مفهوم السيادة في الفكر السياسي الحديث مثل: إشكالية الاعتراف بالدولة الوطنية كدولة شرعية وبديلاً عن الخلافة الأممية، والمشاركة الشعبية وسيادة الأمة وإشكالية وجوب تطبيق الشريعة ومصدر شرعية الحاكم وغيرها من الإشكاليات.

يعتبر الاعتراف بالدولة الوطنية كدولة شرعية وبديلاً عن الخلافة أحد أبرز الإشكاليات والتناقضات التي تواجه الحركات الإسلامية (السنية والشيعية) أو الإسلام السياسي بشكل عام في العراق، مما يولد ارتدادات سلبية على مفهوم السيادة. حيث أسهَمَ الفهمُ الجامد لمفهوم الدولة والأمة في الإسلام في تكريس رفض الدولة الوطنية، القائمة على قدسية السيادة بكل صورها. فمفهوم الدولة الوطنية الحديثة لدى معظم الحركات والتيارات الإسلامية مفهوم هلامي، إذ يتبنَّى معظمهم فكراً دينياً سياسياً أممياً عابراً للوطنية ذا صبغة عالمية، من شأنه أن يقوض عمليات الاندماج المجتمعي، فقد يجد الفرد المنتمي إلى هذا الفكر نفسه حائراً بين هويته الوطنية وهويته الدينية فيختار الأخيرة، وعليه يكون جزء من ولائه مرتبط بمرجعية فكرية وسياسية خارجية من خلال تبنيهم أممية الفكر السياسي(11)، وهذه الإشكالية أصبحت إشكالية أو أزمة مركبة بفعل طبيعة النظام السياسي العراقي، الذي تّشكل بعد عام2003.

بموازاة ذلك، ترى بعض الأحزاب السياسية الإسلامية العراقية، أن القبول بالدولة الوطنية لا يعني تصالحاً معها في الجوهر، بل هو سعي إلى محاولة ترويضها، وتقريبها من النموذج الإسلامي بشكل ضبابي وهلامي، إذ تظل الخلافة أو الدولة الإسلامية الموحدة لديهم هي الهدف المنشود ورمز الوحدة الإسلامية، ومظهر الارتباط بين أمم الإسلام، وأنها شعيرة إسلامية يجب على المسلمين التفكير في أمرها، والاهتمام بشأنها. وتذهب بعض الحركات الإسلامية التجديدية في العراق إلى ضرورة القبول بالدولة الوطنية، انطلاقاً من أنَّ الفقهاء قد أقروا بإمكانية وجود أكثر من دولة وخلافة إسلامية في آن واحد، وهو ما أكده الواقع التاريخي في معظم حقب التاريخ الإسلامي. ويظهر لنا أيضاً بأن بعض تيارات الإسلام السياسي الشيعي، تأخذ في مبادئها السياسية والفقهية مفهوم السيادة الشعبية الدينيّة، المفهوم الذي يروج له ويدين به أتباع نظرية ولاية الفقيه الإيرانية، والسيادة الشعبية الدينية "هي طريقة وأسلوب في إدارة الحياة السياسية للناس تكون مقبولة لدى النظام الديني"(12) ويعتبره انصاره بأنه ليس التقاطًا بين نظامين، بل هو مستوحى من الحكومة النبوية والعلوية في صدر الإسلام، وهو الأساس الذي بنيت عليه الجمهورية الإسلامية.

وكذلك يبدو بأن بعض تيارات الإسلام السياسي المعاصر، ولاسيما الشيعية منها، كأنها متأثرة بالتفسير الماركسي للسيادة، إذ أعطى الفكر الماركسي لمفهوم السيادة معنى آخر، وعدها أداة نضال ضد الإمبريالية ووسيلة دفاع أمام توسعها. هذا التباين (الايديولوجي والسلوكي) في المواقف من الدولة – وهي مواقف تحكمها بعض المباني الدينية–الفقهية العابرة للحدود – حتى وأن كانت متصالحة مع نموذج الدولة الوطنية في العراق، إلا أن تصالحها قد يكون مرهون بإرادة خارجية أو عقيدة مناهضة للدولة نفسها، أو قد يكون تصالح مرحلي (براغماتي)، مما يزيد من أزمة العراق السيادية، ولاسيما في ظل الإرادة الدولية والإقليمية المتقاطعة.

بالمجمل نرى بأن هناك نظرة تشاركية بين تيارات الإسلام السياسي العراقي، حول مفهوم الدولة الحديثة وسيادتها، من حيث النظرة الهلامية التي تعتريها، التي يشهد عليها تبني معظمهم فكراً دينياً سياسياً أممياً عابرًا للوطنية ذا صبغة عالمية، والارتكان في ذلك إلى أفكار خط الإمام-ولاية الفقيه، والحاكمية، وهو ما يعتبره البعض وفقاً للتوصيف السياسي الحديث خيانة وطنية. مما أثار الجدل حول تطَّور علاقة الدين بالسياسة بشكل عام وقضايا مثل الحريات العامة وسيادة الشعب والعلاقة الممكنة مع الأنظمة السياسية العلمانية والمدنية والقوى الدولية ذات التأثير.

......................................
المصادر والمراجع
[1)).نعيم إيراهم الظاهر، إدارة الدولة والنظام السياسي الدولي،ط1، عالم الكتب الحديث، الاردن،2010، ص66.
[2)). أندرو هيوود، النظرية السياسية: مقدمة، ترجمة: لبنى الريدى،ط1،المركز القومي بالترجمة،القاهرة،2013،ص163.
[3)).مجموعة مؤلفين، الإسلام والفكر السياسي: الديمقراطية-الغرب-إيران،ط١، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء-المغرب، ٢٠٠٠،ص٣٦.
[4)). أنظر:محمد شحرور، الدين والسلطة: قراءة معاصرة للحاكمية، ط2، دار الساقي، بيروت، 2015، ص38.
[5)).سعد الدين هلالى، الإسلام وإنسانية الدولة، ب/ط، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة،2012،ص108.
[6)).محمد عمارة، الدولة الإسلامية بين العلمانية والسلطة الدينية،القاهرة: دار الشروق،2007، ص36ومابعدها.
[7)).فؤاد ابراهيم، الفقيه والدولة: الفكر السياسي الشيعي، ط١، دار المرتضى، بيروت،٢٠١٢،ص٦.
[8)).راشــد الغنوشــي، مبادئ الحكم والســـلطة في الإســـلام، ضمن كتــاب:مـــأزق الدولة بين الإسلاميين والليبراليين، تحرير: معتز الخطيب، القاهرة، مكتبة مدبولي، 2010م، ص85.
[9)).صادق الأسود، علم الاجتماع السياسي، بغداد، جامعة بغداد، 1986م،ص299-300.
[10)).جون لوك، في الحكم المدني، ترجمة: ماجد فخــري، بيروت، اللجنة الدولية لترجمة الروائع، 1959،ص ص 235-225.
[11)). علي الزميع، الثابت والمتحول 2019:المواطنة في تيارات الخليج، مركز الخليج لسياسات التنمية،الكويت، 2019، ص79.
[12)).مجموعة باحثين، السيادة الشعبية الدينية، مصدر سبق ذكره،ص٢٠.
...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق