ثقافة وإعلام - أدب

ليلة القراد

صار أبي يعنفني كثيرا، وأخذ في الأسابيع الأخيرة يضربني، فيما كانت أمي تبكي، ثم تولي وجهها نحو القبلة وتتمتم بعبارات لا أفهمها، لاسيما عند الغروب، أو بعد عودتي من رعي أبقارنا التي راحت تهزل بشكل سريع، ولم تعد قادرة على اعطائنا نصف كمية الحليب التي كانت تدرّها علينا سابقا...

صار أبي يعنفني كثيرا، وأخذ في الأسابيع الأخيرة يضربني، فيما كانت أمي تبكي، ثم تولي وجهها نحو القبلة وتتمتم بعبارات لا أفهمها، لاسيما عند الغروب، أو بعد عودتي من رعي أبقارنا التي راحت تهزل بشكل سريع، ولم تعد قادرة على اعطائنا نصف كمية الحليب التي كانت تدرّها علينا سابقا.

أبي وهو يمسك بخناقي، يصرخ بي؛ يا إبن الكلاب أنت لم تأخذ الأبقار للأرض المعشوشبة، وتتركها تدور في الأرض السبخاء وتنشغل عنها باللعب!! فتنادي عليه أمي بأن يتركني، وتقول؛ أبقارنا تأكل من أحسن أنواع الحشائش والعشب، وترتوي من ماء أعالي القرى الصافي.. فيرد عليها بصوته الغاضب؛ فلماذا لا تحلبين منها ما يكفينا مثل ما كانت؟؟!

في الأيام الأخيرة وحين اخرج للمرعى صباحا، صرت ألحظ أبقارنا وقد برزت عظامها بشكل مخيف، حتى خيّل اليّ انها لم تعد قادرة على المشي لولا عصاي التي اتركها تتجول بين ظهورها وأفخاذها لحين وصولنا المراح الكبير، أعالي القرى، حيث نترك ابقارنا هناك، نحن الصبية الرعاة، ترعى وترتوي من مياه الشط القريب لنلعب قريبا منها، لكني تخلّيت عن هذا الترف، ليس فقط بسبب خوفي من بطش أبي، وانما لأعرف سرّ هزال أبقارنا.

كان أترابي يلهون عند الجرف وبعضهم راح يسبح في الشط، فيما أنا رحت اتجول بينها واطالعها من الأعلى والأسفل.. لقد هالني ما رأيت، واوشكت ان اصرخ بقوة من شدّة الفزع... كان القراد منتشرا حول الضروع حتى خيّل لي انه أشبه بضفائر تحيطها من فرط كثافته، فيما أعين الأبقار ترمقني بنظرات متوسلة وانا اتفحصها.

تملكني خوف، وكلما حاولت التقرب ومددت يدي نحو قرادة لأرفعها، احاط القراد بكفي حتى غطّاها وأخذ يمص من دمي، فأصرخ واترك المكان هاربا فيما انظر لأبقارنا وهي تأكل العشب وتتلوى من الألم!

حين عدت من المرعى وقد عرف ابي بذلك، راح ينظر لي نظرة اعتذار عن ما كان يفعله بي، فيما ناولته أمي ما يشبه القفاز السميك، مدّ أبي يده، وأنا وأمي واخوتي الصغار، نرقب المشهد الذي اثار فضولنا.

كانت البقرة الأولى التي بدأ بها قد استحالت الى هيكل عظمي تقريبا، وبدا القراد المحيط بضرعها اكثر بروزا.. أخذ أبي يدعك المكان المكتظ بالقراد فيسقط عدد منه على الارض مصحوبا بكمية من الدماء.

لكن الذي راعه أن القراد طبقات، وكلما أزاح طبقة ومعها كمية من الدماء الساقط، تترنح البقرة وتذوي اكثر.. فأيقنا بأن مهمة أبينا صعبة وعلينا ان نشاركه بها.. توزعنا بين الأبقار ورحنا نزيح القراد، لكننا جميعا واجهنا مشكلة الطبقات.

لقد أعيتنا المهمة حقا واعترانا يأس وشعرنا بالدوار، وكانت ليلتنا تلك ليلة القراد.. فحين خيّم الليل على القرية عشنا كابوسا مرعبا.. أرتال طويلة من قراد، تسير على الأرض وتتجه الينا، ثم تتسلق بيتنا حتى تغطيه تماما، ننظر بخوف لتلك الكائنات التي راحت تقضم البيت بسرعة من دون ان نستطيع صدها، وبعد ان انتهت منه اخذت تقضم اثاث البيت وكلّ مافيه، ووجدنا انفسنا في العراء، فيما هي راحت تتحول من جديد الى ارتال تحيطنا، وتصدر اصواتا مرعبة، فيشتد بنا الخوف اكثر وأمنا تحتضننا وتبكي علينا وعلى بيتنا الذي كان.

ابونا ينظر الينا بآسى من دون ان يستطيع فعل شيء امام هذا الطوفان القرادي الرهيب.. لم يعد لدينا بيت ولم تعد هناك بقرات بعد ان تحولن الى اكوام من عظام.. ولم تعد لدينا القدرة على الوقوف اذ صرنا نهزل شيئا فشيئا وأمنا هي الأخرى، استحال ثدياها خرقتين جافتين، ولم تعد قادرة على ارضاع اخينا الصغير الذي جفّ الدم في جسده وبانت عظامه ولم يعد قادرا حتى على البكاء.

صرخ ابي ينادي اهالي القرية، لكي ينقذونا من هجوم القراد، لكن صوته راح يضيع بين اصوات الرجال والنساء والاطفال المستغيثين من حولنا.. لقد غطى القراد القرية كلها ولم يعد أحد قادرا على القضاء عليه.. لقد فتك بأبقار القرية وراح يفتك بأبنائها.. ولم تعد هناك أبقار تذهب الى المراح ولا قرية ولم يعد هناك بشر يمشي فيها.. لقد تلاشى كل شيء.. وليس في الإفق سوى أرتال القراد التي اخذت تزحف بأعداد رهيبة بإتجاه القرى الأخرى ...!

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق