يمكننا اعتبار كتاب السيد جمال الدين الآلوسي (أسامة بن منقذ.. بطل الحروب الصليبية) من أفضل ما كتب عن هذا البطل، فقد بذل مجهوداً كبيراً يُشكر عليه في كتابه، وأنصف أسامة وعدّه فارساً مسلماً متديناً يوحِّد الله ويؤمن بحكمه وقضائه، وقد أبلى بلاءً عظيماً في الدفاع عن الإسلام ورد هجمات الروم على بلاد المسلمين وأفنى عمره في خدمة الدين، ونحن نتّفق معه في كل ما ذكره عن أسامة وما وصفه من الشجاعة والكرم والعفة والتدين والإيمان والنبل والمروءة والأخلاق والعلم والأدب والشعر وغيرها من الصفات السامية، ونختلف معه في نقطة واحدة وهي تشيّعه الذي حاول جاهداً أن ينفيه دون أن يقدم الدليل على قوله سوى إصراره على ذلك النفي دون الارتكاز على مصدر أو الاعتماد على حجة تدعم قوله في حين إن المصادر والأدلة التاريخية كلها أجمعت على تشيعه.

تشيعه

قال بتشيّع أسامة الحافظ والمؤرخ ابن العماد الحنبلي في كتابه (شذرات الذهب في أخبار من ذهب) (ج5ص279/282) في وفيات سنة (584هـ) فقال ما نصه: (وكان من أكابر بني منقذ أصحاب قلعة شيزر وعلمائهم وشجعانهم، له تصانيف عديدة في فنون الأدب والأخبار والنظم، وفيه تشيّع).

وابن العماد الحنبلي هو عبد الحي بن أحمد بن محمد ابن العماد العكري الحنبلي أبو الفلاح (1032 - 1089 هـ / 1623 - 1679م) المعروف بـ (ابن العماد الحنبلي)، مؤرخ وفقيه عالم بالأدب، ولد في دمشق، وأقام في القاهرة مدة طويلة، ومات بمكة حاجاً.

ومن خلال هذه الترجمة الموجزة لحياة ابن العماد يتضح إن تشيّع أسامة لا غبار عليه، وإن ابن العماد كان متيقّناً من تشيّع أسامة تيقّناً تامّاً، فقد ولد ابن العماد في دمشق وفيها مولد أسامة، وعاش فترة طويلة في القاهرة وكذلك أسامة، فأسامة لم يكن شخصاً عادياً، فقد تناقلت أخبار بطولاته الأجيال ووصلت إلى كل بلاد ولو كان قول ابن العماد في تشيّع أسامة محل شك ولو ضئيل لاعترض عليه أهل دمشق ومصر ورد قوله مؤرخوهم ولكننا لم نجد من رد على ابن العماد قوله في تشيّع أسامة.

كما إن كتاب ابن العماد (شذرات الذهب في أخبار من ذهب) قد حققه الكثيرون وأعيد نشره أكثر من مرة، لكنك لا تجد من اعترض على قوله في تشيّع أسامة من المحققين والدارسين، بل بالعكس فقد أثنى عليه وأكد صحة معلوماته كل من حققه، يقول الأستاذ محمود الأرناؤوط في مقال له حول هذا الكتاب:

(يعتبر هذا الكتاب من أهم مصنّفات التاريخ العربي الإسلامي المختصرة، ومن أكثرها شهرة وفائدة للمشتغلين بفنِّ التاريخ عامة وباب التراجم والسير منه خاصة، وقد استطاع مؤلفه أن يؤرخ فيه أحداث القرون الهجرية العشرة الأولى، كالحروب، والغزوات، والمعارك، والولادات، والوفيات، وسير الأعلام، وغير ذلك من الأحداث التي شهدها تاريخنا العربي الإسلامي خلال تلك الفترة الطويلة من عمر الزمن باختصار من غير إخلالٍ ولا إطناب)

ويواصل الأستاذ الأرناؤوط حديثه عن الكتاب بقوله: (ويمتاز (شذرات الذهب) عن غيره من كتب التاريخ المختصرة بأمرين اثنين:‏

أولهما: كونه يؤرخ من السنة الأولى إلى سنة ألف للهجرة، الأمر الذي يجعله من أوسع كتب التاريخ العربي الإسلامي من جهة استيعابه لما يقرب من ثلاثة قرون زيادة على كتب التاريخ الإسلامي الأخرى، كـ (تاريخ الإسلام) للذهبي، و(البداية والنهاية) لابن كثير.‏

وثانيهما: صفة الحياد التي حاول المؤلف التمسك بها في معظم المواطن التي ألمح فيها إلى الأحداث التي شهدها التاريخ العربي الإسلامي، ولاسيما في القرن الأول الهجري، ولا يخفى على الدارسين أن صفة الحياد إن وجدت لدى المؤرخ فإنها تعزز الثقة بكلامه وتجعل كتابه مصدر ثقة لكل باحث أو ناقل، والعكس بالعكس، وقد ضمَّن المؤلف كتابه ما يقرب من عشرة آلاف ترجمة لأعيان التاريخ من الخلفاء والأمراء والوزراء والفقهاء والقراء والمحدّثين، والأدباء والشعراء والمؤرخين والأطباء والحكماء والمتصوفة، وغير ذلك مما شهدته القرون الهجرية العشرة الأولى من الأعلام).‏

إلى هنا انتهى كلام الأستاذ الأرناؤوط والذي لا يدع مجالاً للشك على صحة قول ابن العماد بتشيّع أسامة.

أقوال أخرى في تشيّع أسامة

وقد عزز قول ابن العماد الحنبلي في تشيّع أسامة وأكده العديد من العلماء الأعلام منهم ابن شهرآشوب في (المناقب) وأورد له أبياتاً في مدح أهل البيت (صلوات الله عليهم) لا تخرج من قلب رجل لم تجرِ في عروقه دماء التشيّع وهي:

سلامٌ على أهلِ الكساءِ هُداتي *** ومن طابَ محياتي بهم ومماتي

بني البيتِ والركنِ المحلقِ من بني الـ *** تنسّك والتقديسِ والصلواتِ

بني الرشدِ والتوحيدِ والصدقِ والهدى *** بني البرِّ والمعروفِ والصدقاتِ

بهم محّصَ الرحمنُ عظمَ جرائمي *** وضاعفَ لي في حبِّهم حسناتي

ولولاهمُ لم يزكُ لي عملي ولا *** تقبّلَ صومي خالقي وصلاتي

محبّتهم لي حجة وولاؤهم *** ألاقي بها الرحمن عند وفاتي

كما ذكر الشيخ محمد السماوي في كتابه: (الطليعة من شعراء الشيعة)، أبياتاً أخرى لأسامة في مدح أهل البيت تجري مجرى الأبيات الأولى وتنبع من منبع التشيّع وهي:

يا حججُ الله التي *** لا تستطاعُ تجحدُ

أنتم لنا لبانة *** في قصدِنا ومقصدُ

وعنكم لا صدرٌ *** ودونكم لا موردُ

أمكم فاطمةٌ *** وجدّكم محمدُ

وحيدرٌ أبوكم *** طبتمْ وطابَ المولدُ

مع السيد الأمين في أعيان الشيعة

ويعقب السيد محسن الأمين في كتابه: (أعيان الشيعة) (ج3ص253) على هذين القولين بالقول: (وسرّ عدِّ صاحب الطليعة له من شعراء الشيعة وقوله: إنه من بيت تشيّع، وكان في عصره التشيّع فاشياً في سائر بلاد الإسلام ويدلّ على تشيّعه أيضاً الشعر الذي حكي عنه في المناقب وغيرها).

فهل يبقى شكّ في تشيّع أسامة بعد كل هذه الأقوال فلننظر إلى ما قاله السيد الآلوسي من قول بخلاف هذا القول وحجته في قوله.

مع السيد الآلوسي

لا يقتنع السيد جمال الدين الآلوسي بكل هذه الأقوال وينفيها جملة وتفصيلا، فهي كلها عنده غير صحيحة، لكنه لا يقدّم لنا دليلاً واحداً يدحضها أو يدلّ على خلافها، فلو تنزّلنا جدلاً وقلنا إن أقوال المؤلفين الشيعة التي قالت بتشيّع أسامة جاءت عن تعصّب فما قوله في قول ابن العماد الحنبلي وهو غير شيعي كما هو واضح فلِمَ ينكر هذه الأقوال جملة وتفصيلا ؟

إن له الحق في إنكارها بل ويحق لأي إنسان إنكار ودحض أي قول تاريخي ولكن بشرط أن يأتي بدليل على قوله وحجة تدعم رأيه فما هي حجة السيد الآلوسي لنستمع إليه وهو يعقب على كلام ابن العماد الذي ذكرناه حيث يقول:

(إنه ـ أي ابن العماد ـ لم يذكر حجته في ذلك ولم يورد بيتاً أو قولاً له فيه ذكر لهذا النعت) ثم يتابع كلامه فيقول:

(إني لا أرى معنى للنص على تشيّعه، فليس فيه ما ينقصه وهو المجاهد المسلم، ولا في سيرته ما يدل على غلوه أو تعصبه والتعصب هو المذموم من أي كان وليس من ورائه إلا الكراهية والإنقسام) !!!

لو قال بهذا الكلام إنسان جاهل بالتاريخ لما التفتنا إلى كلامه ولكن العجيب أن يصدر من رجل يعد من المؤرخين والمفكرين والمحققين في التاريخ وشخصياته وحقبه.

إن الآلوسي يطلب من ابن العماد حجة ودليل على تشيّع أسامة الذي ولد في دمشق عام (488هـ) وطاف مصر وحلب والشام وتوفي في جبل قاسيون عام (584هـ) وقد انتشر في تلك الحقبة التشيّع في مصر ودمشق وحلب وكل مدن سوريا، فليس العجيب أن يكون أسامة شيعياً، بل هو أمر اعتيادي جداً وهو يعيش تلك الفترة بل العجيب هو القول بعدم تشيّعه ولا أدري هل فات السيد الآلوسي هذا الأمر ؟

وإذا كان فاته أو نسيه فلِمَ لم يلتفت إلى قول السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة وقد نقل عنه قوله بتشيع أسامة حيث يقول: (وسرُّ عدّ صاحب الطليعة له من شعراء الشيعة وقوله: إنه من بيت تشيّع، وكان في عصره التشيّع فاشياً في سائر بلاد الإسلام ويدل على تشيّعه أيضاً الشعر الذي حكي عنه في المناقب وغيرها).

رحم الله روح الأمين أليس هذا دليلاً قاطعاً على تشيّع أسامة.

التشيّع في زمن الحمدانيين

ولننظر إلى التواريخ التي أرخت تلك الحقبة وما قبلها وما بعدها وكيف أن التشيّع كان هو المذهب السائد في تلك البلاد ولا أظن أنها كانت خافية على السيد الآلوسي، لقد ارتفع منار التشيّع في سوريا وخفق لواءه حين أشرقت الدولة الحمدانية في حلب والشام ودمشق والجزيرة، وبقي التشيّع فيها راسخاً في أهلها قوي الأساس متين البنيان، ورغم ما تعرّض له الشيعة من عمليات إبادة ومجازر تقشعر لها الأبدان وتشمئز منها النفوس على يد المجرمين صلاح الدين الأيوبي ونور الدين زنكي إلا أن التشيّع بقي متغلغلاً في نفوس السوريين إلى قرون لاحقة.

يقول ياقوت الحموي في كتابه (معجم البلدان) (ج2ص324): وهو يصف حلب ومظاهر التشيّع فيها: (حلب مدينة عظيمة طيبة الهواء، صحيحة الأديم والماء، دخلها التشيّع قبل عهد الحمدانيين، وانتشر وقوي فيها على عهدهم).

وقال ابن جبير في رحلته: (للشيعة في هذه البلاد أُمور عجيبة، وهم أكثر من السنيين بها، وقد عموا البلاد بمذاهبهم).

وذكر ابن كثير في تاريخه: (كان مذهب الرفض فيها في أيام سلطنة الأمير سيف الدولة بن حمدان رائجاً رواجاً تاماً).

التشيع في زمن المرداسيين

وقد بقي التشيّع سائداً في سوريا حتى بعد نهاية الدولة الحمدانية وقيام الدولة المرداسية ويدلنا على ذلك الرسالة التي أوردها ياقوت في معجمه أيضاً (ج2ص326) وهي رسالة الطبيب ابن بطلان التي كتبها إلى هلال بن المحسن بن إبراهيم الصابي الذي كان في بغداد وكان ابن بطلان في حلب وفيها يذكر ما رآه في حلب وقد جاء منها ما نصه: (والفقهاء فيها يفتون على مذهب الإمامية).

وعقب ياقوت على ذكر هذه الرسالة بقوله: (وكان ذلك نحو سنة (440هـ) في دولة بني مرداس) وقد ذكر هذه الرسالة أيضاً ابن القفطي في (تاريخ الحكماء).

وينقل السيد محسن الأمين في (أعيان الشيعة) عن كامل البالي الحلبي الغزي في كتابه (نهر الذهب في تاريخ حلب) قوله: (لم يزل الشيعة بعد عهد سيف الدولة في تصلبهم حتى حل عصبتهم وأبطل أعمالهم نور الدين زنكي سنة (543هـ) ومن ذلك الوقت ضعف أمرهم غير أنهم ما برحوا يجاهرون بمعتقداتهم إلى حدود (600هـ) فاخفوها). ولينظر القارئ إلى هذه التواريخ ويقارنها بالفترة التي عاش فيها أسامة الذي ولد سنة (488هـ) ومات سنة (584هـ)

تمسك الحلبيين بتشيعهم

ويذكر ابن كثير في تاريخه في حوادث سنة (579هـ): (أنه لما فرغ بال صلاح الدين الأيوبي من مهمات ولاية مصر توجه نحو بلاد الشام ثم جاء إلى حلب ونزل في ظاهرها فاضطرب والي حلب وطلب أهلها إلى ميدان باب العراق وأظهر لهم المحبة واللين وبكى كثيراً ورغبهم في قتال صلاح الدين وتعهد لهم بكل ما يلزم، وشرط الروافض عليه شروطاً وهي: إعادة الآذان بحي على خير العمل وأن يقولوها في مساجدهم وأسواقهم، وأن يكون لهم جامع الجانب الشرقي الذي هو الجامع الأعظم، وأن ينادوا بأسماء الأئمة الاثني عشر أمام الجنائز ويكبروا على الجنازة خمس تكبيرات، وأن يكون أمر عقودهم وأنكحتهم مفوّضاً إلى الشريفين أبي الطاهر وأبي المكارم حمزة بن زهرة الحسيني اللذين هما مقتدى شيعة حلب، فقبل الوالي جميع ذلك وأذنوا في تمام البلد بحي على خير العمل إلا أن الوالي غدر بهم فلم يدخل صلاح الدين إلى حلب بحرب بل دخلها سلماً ولكن ذلك لم يثن صلاح الدين عن الفتك الذريع بالشيعة)‌.

ويذكر العلامة الشيخ محمد حسين المظفر في كتابه (تاريخ الشيعة) عن السيد عبد الحسين شرف الدين في كتابه (الفصول المهمة في تأليف الأمة): إن الشيعة لازالوا في حلب حتى عام (1048هـ) ـ أي بعد خمسمائة عام على وفاة أسامة ـ حتى أفتى بكفرهم وقتلهم واستباحة دمائهم وأموالهم الشيخ نوح الحنفي تابوا أم لم يتوبوا فزحفوا على شيعة حلب وأبادوا منهم أربعين ألفاً أو يزيدون وانتهبت أموالهم واختفى التشيّع في حلب ولم يبق شيعي بعدها).

عودة إلى السيد الآلوسي

أرى أن الحجة قد سطعت بأنصع صورها وما نقلناه من المصادر قد استوفى الموضوع ولنرجع إلى السيد الآلوسي حيث قوله: (إني لا أرى معنى للنص على تشيّعه فليس فيه ما ينقصه وهو المجاهد المسلم ولا في سيرته ما يدل على غلوه أو تعصّبه والتعصّب هو المذموم من أي كان وليس من ورائه إلا الكراهية والإنقسام) !!!

عجيب من السيد جمال الدين الآلوسي حيث يعد التشيّع منقصة ! فبعد أن يذكر كلام العماد الحنبلي وهو ليس من الشيعة والذي يقول فيه بتشيّع أسامة يعلّق عليه بهذا القول !!

ولا أدري ما قوله في قول النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله) الذي نقلته مصادر الشيعة والسنة معاً: (يا علي أنت وشيعتك هم الفائزون) ؟

ثم لا أدري لِمَ أقحم مفردات الغلو والتعصب والكراهية والإنقسام في الموضوع والعماد الحنبلي لم يزد على وصف أسامة بالتشيّع وصفاً آخر ؟

هل يعدّ التشيّع في معناه أنه جامع لهذه الصفات ؟

إنه جرٌ للحديث إلى غير مجراه، فبدلاً من أن يدحض السيد الآلوسي كلام العماد الحنبلي بالأدلة والمنطق وهو أسلوب المحقق والدارس، راح ينعت التشيّع بصفات ليست فيه ويعدّه منقصة وغلو وتعصّب ! ثم راح يحاضر وكأنه يلقي درساً على تلاميذه في مذمة التعصّب الذي يؤدي إلى الكراهية والإنقسام !! في حين إن العماد لم يصف أسامة بشيء من ذلك سوى قوله: (أن فيه تشيّع) !

ولا أدري متى عمل الشيعة بالغلو والتعصّب ودعوا إلى الكراهية والإنقسام ؟ وفي أي مرحلة من مراحل التاريخ عملوا بذلك ؟ وهذا تاريخهم وتاريخ غيرهم بين أيدينا، ويستطيع أي متتبع أن يقارن بين سياسة الشيعة وبين سياسة غيرهم ليجد الحقيقة ناصعة جلية.

هل عملت الدولة السلجوقية والأيوبية والزنكية والعباسية بسياسة التسامح وحرية الدين والمذهب كما عملت بها سياسة الفاطميين والحمدانيين والبويهيين والمزيديين أم أن التاريخ يقرأ بالمقلوب ؟

السيد الآلوسي وأبيات أسامة

بعد أن يذكر السيد الآلوسي القطعتين الشعريتين اللتين ذكرناهما لأسامة يعقب بالقول: (إني لم أجد في شعر أسامة الأبيات التي نسبت إليه) !

إن إسلوب التشكيك هذا لا يصمد أمام الحقيقة وهي أن الأبيات لأسامة، ويستطيع أي دارس للأدب والشعر أن يقارنها مع شعر أسامة، ثم هي موجودة في ديوانه فما المشكلة ولم هذا التشكيك فيها بالذات دون غيرها من الأشعار الكثيرة ؟ وأنت تصف أسامة بأنه: (فارس متدين سليم العقيدة عف اللسان يحب الله ورسوله وآل بيته) وليس في أبياته ما يدل على النعوت التي وصفتها من الكراهية والإنقسام.

ويواصل الآلوسي نعت التشيّع بالتعصّب والتطرّف فيقول: (لم أرَ في جميع كتبه التي وصلتنا ولا في شعره ما يدل على تعصّب أو تطرّف أو تصريح أو تلميح على مانعته ابن العماد) !!!

عجيب والله ! أن ابن العماد لم ينعت أسامة بأي من هذه الصفات وقد نقلنا قوله في أسامة كما نقله السيد الآلوسي نصاً لا إله إلا الله.

في الخلاصة أن السيد الآلوسي لم يستطع أن يقدّم لنا دليلاً واحداً على قوله بنفي التشيّع عن أسامة سوى إصراره على ذلك وله رأيه، والإختلاف في الرأي لا يفسد في الود قضية، وجزاه الله خيراً على كتابه الذي يعد دراسة مستفيضة عن علم من أعلام الشيعة وبطل من أبطالهم.

أدلة أخرى على تشيّعه تفرزها سيرته

نستطيع أن نتلمّس تشيّع أسامة بوضوح إضافة إلى ما ذكرناه من الأدلة والأقوال على تشيّعه من خلال سيرته، ففي الوقت الذي كانت مصر تعجّ بالفتن والمؤامرات والإضطرابات ولم يكن الشخص في البلاط يأتمن بأخيه ائتمن ابن السلار القائد الشيعي أسامة على الجيش وجعله قائداً له وأرسله إلى قتال الروم في عسقلان وبيت جبريل.

كما كان أسامة من المقربين جداً من طلائع بن رزيك الملك الصالح وهو من شخصيات الشيعة الكبار وتدلنا المراسلات بينهما على الثقة الكبيرة التي كانا يتبادلانها، وقد خصّه طلائع بما كان يرمي إليه من توحيد الصف بين مصر وسوريا، وجعله الواسطة بينه وبين نور الدين محمود، وإن هذين الأمرين هما في الغاية من الأهمية ولا يمكن لابن السلار وطلائع أن يعهدا بهما لشخص يخالفهما في المذهب.

مع نور الدين وصلاح الدين

ولرب معترض يقول: إن أسامة قاتل مع نور الدين زنكي وصلاح الدين الأيوبي وهما على غير مذهبه ؟ نقول له: شتّان بين الأمرين .. بين أن تعطي لشخص القيادة المطلقة على الجيش، أو تأتمنه على سر الدولة، وبين أن تعطي لشخص قيادة كما يعطي رئيس الدولة منصباً عسكرياً لمن يشاء ويتحكم هو فيه وتكون القيادة العليا له فلا يختلف عند القائد الأعلى هذا المنصب ومنصب أي جندي مادامت له القيادة العليا.

ونلاحظ أيضاً من سيرة أسامة إنه كان يُخفي التشيّع ولا يرى من المناسب في تلك الظروف الحرجة أن يظهر هويته الشيعية، وقد رأينا ما فعل نور الدين زنكي وصلاح الدين الأيوبي بالشيعة، كما أن غارات الصليبيين لا تفرّق بين الشيعة والسنة وهو قد نذر نفسه للدفاع عن بلاد الإسلام بغض النظر عن انتماءاتها العقائدية حتى وإن عمل تحت قيادة نور الدين زنكي وصلاح الدين الذين هما من أشد أعداء التشيّع، فآثر إخفاء تشيّعه وصبّ اهتمامه على قتال الروم المتربصين بالإسلام

ويدلنا تغير عماد الدين زنكي عليه بعد فكه الحصار عن قلعة شيزر على علمه بتشيّع أسامة فتنكر له رغم أن أسامة قاتل معه الصليبيين في الجزيرة وأرمينيا وحلب فلم يرجع أسامة إلى الموصل بعد فك حصار شيزر بل ذهب إلى الشام.

كما تنكر له صلاح الدين الأيوبي لما علم بتشيعه ويدلنا على ذلك ما نقله السيد حسن الصدر في كتابه: (دائرة المعارف الإسلامية الشيعية) (ج2ص58) عن الأستاذ محمد مصطفى الماحي مدير أوقاف مصر من مقال له عن أسامة تحت عنوان (تشيّع أسامة) قال فيه: (غير أن الدهر أبى إلا أن يعاند أسامة، فقد أحسّ نبوة من صلاح الدين الأيوبي لعل سببها ما انتهى إليه من أنه يرفد الشيعة ويصل فقرائهم ويظهر التقية).

اضف تعليق