المتغرب إنسان قدمه في الهواء، ذرة من الغبار معلقة في الفضاء، تماما مثل قذى فوق سطح الماء، قطع علائقه مع عمق المجتمع والثقافة والتقاليد، لا علاقة له سلفية كانت أو تقدمية، ولا خط له فاصل بين القديم والجديد، لا علاقة له مع الماضي، ولا إدراك له عن المستقبل...

بقصد أو من دون قصد، بإدراك أو من دون إدراك، أسرف جلال آل أحمد وبالغ كثيرا في نقد الغرب والتغرب في كتابه (الابتلاء بالتغرب)، ومن شدة الإسراف والمبالغة غلب على نقده الطابع الهجائي، والكلام الذي هو أشبه بالنثر الأدبي، قاصدا منه على ما يبدو توليد حساسية مفرطة تجاه هذا الوباء وهذا الابتلاء الذي آلمه كثيرا، تؤدي إلى مقته وكراهيته، ومن ثم محاصرته، وإيقاف زحفه، والحد من تمدده وانتشاره، وتضييق الخناق عليه، وخلق مقاومة مضادة له.

وظهر هذا الطابع الهجائي للنقد، في الصور والتشبيهات التي أعطاها آل أحمد للإنسان المتغرب، وكأن التغرب قد غير من صورة هذا الإنسان، ومن شخصيته وكينونته، وحوله إلى صورة إنسان فاقد إلى المعنى، ومعنى الإنسان تحديدا، فالتغرب مسخ شخصية الإنسان، وافقده انعدام الوزن، وجعله يظهر وكأنه بلا لون ولا طعم ولا رائحة، فلا هو في المجتمع الذي هو مجتمعه، ولا هو في الثقافة التي هي ثقافته، ولا هو في المكان الذي هو مكانه، ولا هو في الزمان الذي هو زمانه.

وعند العودة إلى هذه الصور والتشبيهات، يمكن ضبطها وتحديدها في الصور الآتية:

الصورة الأولى: المتغرب إنسان قدمه في الهواء، ذرة من الغبار معلقة في الفضاء، تماما مثل قذى فوق سطح الماء، قطع علائقه مع عمق المجتمع والثقافة والتقاليد، لا علاقة له سلفية كانت أو تقدمية، ولا خط له فاصل بين القديم والجديد، لا علاقة له مع الماضي، ولا إدراك له عن المستقبل، نقطة لا توجد في أي خط، لكنه نقطة افتراضية على سطح صفحة في الفضاء.

الصورة الثانية: المتغرب إنسان لا شخصية له، فاقد الأصالة سواء في شخصه أو في منزله، لا تفوح كلماته برائحة أي شيء، بل تمثل في الأغلب كل شيء وكل شخص، إنه لا ينتمي إلى أي مكان، ولا ينتمي إلى كل مكان، خليط من التفرد في الشخصية والشخصية الخالية من الخصائص، لديه الخوف فحسب، خوف من الفصل، وخوف من فقدان الشهرة والمنصب، وخوف من اكتشاف خلو المخلاة التي تثقل رأسه، وتسمى المخ.

الصورة الثالثة: المتغرب إنسان يهتم بنفسه كثيرا، يواظب على مظهره دائما، يعطي حذاءه ومنزله أهمية قصوى، يبدو وكأنه خرج من الورق المذهب، أو خرج من بيت أزياء أوروبي، تتغير صورته كل عام إلى طراز جديد، إذا استيقظ في صباح ذات يوم وعلم أي حلاق أو خياط أو ماسح أحذية قد أغلق أبوابه أصابته حسرة، وتمدد ناحية القبلة، بالرغم من أنه لا يعلم أين توجد القبلة، فوجود هذه المشاغل بالنسبة إليه أكثر ضرورية من وجود أية مدرسة أو مسجد أو مستشفى أو مصنع.

الصورة الرابعة: المتغرب إنسان عينه على يد الغرب وفمه، لا شأن له بما يحدث في هذا الركن من الشرق، عندما يريد أن يعلم شيئا عن حال الشرق يلجأ إلى الكتب الغربية، من هنا يتسلط مبحث الاستشراق في الدول المتغربة على العقول والأفكار، في كل موضوع شرقي تعتبر الكتابات الغربية هي المصدر والمعيار، وعلى هذا النحو فإنه يعرف حتى نفسه من ألسنة المستشرقين، ويعتمد على ما يراه المستشرق لا على ما هو عليه بالفعل، وما يحس به ويراه ويجربه.

الصورة الخامسة: المتغرب إنسان لا مبال بالدين، لا يؤمن بأي شيء، لكنه لا يفتقد الإيمان بأي شيء تماما، لا إيمان لديه ولا هدف ولا اتجاه ولا عقيدة، لا بالله ولا بالإنسانية، إنه غير مبال، أحيانا يذهب إلى المسجد بنفس الطريقة التي يذهب بها إلى النادي أو السينما، لكنه في كل مكان مجرد متفرج، تماما كأنه ذهب ليشاهد مباراة كرة قدم.

هذه بعض الصور والتشبيهات التي يغلب عليها كما أشرت الطابع الهجائي، ممتزجا بالنثر الأدبي، والانطباع الذاتي، والتشاؤم النفسي، والموقف النقدي، بمعنى أن هذه الصور والتشبيهات لا تحكي بتمامها صورة الواقع بالضرورة، وإنما تحكي أيضا الصور المتخيلة عند الكاتب نفسه، وتعكس بشكل أساسي رفضه ونقمته للواقع الثقافي والسياسي الذي كان يعاصره، كما تعكس كذلك حالة التشاؤم النفسي التي كان عليها.

وإذا صحت وصدقت هذه الصور والتشبيهات بتمامها، فإنها قد تصدق على نمط معين من الناس، هو نمط الإنسان المتغرب الذي يتسم بالغلو والإسراف والإفراط في تغربه.

* الأستاذ زكي الميلاد، باحث في الفكر الإسلامي والإسلاميات المعاصرة-رئيس تحرير مجلة الكلمة
http://www.almilad.org

اضف تعليق