ان تحرك الفلسطينيين الاستراتيجي والعملي على الساحة الدولية، الخارجية أو الداخلية، يجب أن يتصف بالسلم ودقة التأثير، وهو من الأسس الحيوية التي يلزم أن تقوم عليها النضالات للحركة السياسية في يومنا هذا، فبدونه تكون الخسائر أكثر والنتائج أقل، وهذا الأمر يحتاج إلى ضبط الأعصاب، وإلى مقدرة نفسية توجب...

لم يترك المرجع الراحل الامام السيد محمد الشيرازي قضية فلسطين والاحداث التي رافقت ضياعها من ايدي العرب والمسلمين تمر مرور الكرام، بل درس تفاصيلها وناقشها أسبابها وحلل مخرجاتها في جملة من مؤلفاته وخطبه ومحاضراته، معتبراً ان ما جرى هو نتاج طبيعي لجملة من الأسباب التاريخية والسياسية والاقتصادية والموضوعية التي أدت الى ما نشهده اليوم من خذلان وفشل مستمر من جانب المسلمين، في مقابل المزيد من الانتهاكات والسيطرة والتمادي من جانب اليهود المغتصبين ومن يدعمهم.

ضياع الحقوق

ويرى السيد الشيرازي (رحمه الله) ان ما جرى ويجري في فلسطين هو مهزلة كبرى، وسابقه خطيرة لا مثيل لها في التاريخ قديماً وحدثياً، خصوصاً بعد ان تمكنت فئة قليلة (الصهاينة)، من سلب حقوق الغالبية العظمى (المسلمين والعرب) كاملة في عقر دارهم (فلسطين) وبلا مقابل.

فملايين قليلة انتصرت على أكثر من مليار مسلم وعربي، ومن دون جهد او عناء يذكر، وقد شبه الشيرازي الامر بقصة لها معنى، عن قافلة تجارية يقودها مئة رجل سرقها اثنان من اللصوص، وعندما اشتكى أصحاب القافلة ما حل بهم، تعجب الناس منهم وضحكوا عليهم، وفي النهاية عرفوا ان السبب فيما حدث هو تفرقهم عن الحق وتوحد اللصوص على الباطل.

ويؤكد الشيرازي ان هذا الامر لم يكن ليحدث لولا تنازل الغالبية عن حقوقهم لصالح هؤلاء الشرذمة القليلة وبلا مقابل، إضافة الى تفرقهم وتشتتهم، في مقابل وحدة اليهود وتماسكهم في بناء كيانهم الغاصب في دولتهم المزعومة (إسرائيل) والمحافظة عليها.

والاهم، كما يشير اليه الامام الراحل، هو ابتعادهم (المسلمين) عن العمل بقوانين الله (عوز وجل) بل والإسلام وتعاليمه بصورة عامة، وهو امر أدى الى توالي الهزائم والخذلان عليهم، وفقدانهم للعزة والقوة والمنعة في مواجهة اعدائهم، فضلاً عن الانتصار عليهم: "فبما أن المسلمين لم يعملوا بقوانين الله في التقدم في كافة مناحي الحياة تسلط عليهم اليهود، إلى جانب معصية الله فانه سبب تأخر المسلمين وتفرق كلمتهم وأصبحوا أمماً متعددة وصغيرة يحارب بعضهم بعضاً، وقد قسمها الاستعمار إلى كتل وتجمعات صغيرة وضعيفة، لا تستطيع الوقوف بوجه الدولة اليهودية الغاصبة لأرض فلسطين".

اذ إن المسلمين في جميع العالم، غالباً، لا يلتفتون إلى ما يريد الله منهم ولا يعملون بأوامره في جميع مجالات الحياة كما هو المفروض.

احذروا اليهود

في المقابل فأن اليهود معروف عنهم بأنهم غير جديرون بالثقة، ولا يمكن ان تنعم بالسلام معهم الا وفق شروطهم الخاصة، سيما وانهم لا يتورعون عن القيام باي فعل يتنافى مع القيم الإنسانية والأخلاقية في مقابل تحقيق غاياتهم واهدافهم العليا: "لو تفحصنا التاريخ الغابر والحاضر، لوجدنا ان هناك فاصلا كبيرا بين اليهود وبين القيم الإنسانية العليا، كالسلم والوفاء، وهذا ما يجعلهم منبوذين عند عموم الأمم والشعوب".

وبالتالي ينبغي الحذر دائماً وابداً من الوثوق بهم او الايمان بمشاريعهم، ومنها على سبيل المثال عروض السلام التي تطرحها في كل حين: "إسرائيل وهي عصابة العنف والإرهاب لا تترك مناسبة إلا وتطرح فيها عروضها للسلام!! وسلامها الذي تنشده هو أن يقوم على أساس الظلم والغصب وذلك بالاحتفاظ بالأراضي المغصوبة ورفض عودة الفلسطينيين إلى أراضيهم، ومن دون أن تبدي تنازلاً لأصحابها الشرعيين فهي غير مستعدة لأن تقدم أية تنازلات".

وقد "سعى مفكرو اليهود بشتى الطرق وبأخبث الوسائل لأن يستعيدوا قوتهم ومجدهم وتراثهم (حسبما يدعون)، وعملوا من دون كلل حتى حصلوا على كل ما يبتغون، وتمكنوا من بناء دويلتهم الصهيونية في قلب المنطقة الإسلامية، بالإرهاب والقوة وسفك الدماء، وحققوا ما كانوا يصبون إليه بالأمس بهمة شرسة، وبدعم مالي واسع وتخطيط دقيق، وإعلام مكثف حول مظلومية اليهود الكاذبة ومسكنتهم إلى أن تمكنوا جيداً وأصبح زمام المبادرة بأيديهم، وبات الكثير ممن يدعي الثورية أو القومية من الأنظمة العربية يتقرب إليهم سراً وعلانية".

إضافة الى ذلك، يعتبر الشيرازي ان من أسباب تقدمهم (اليهود) في مقابل تراجعنا (المسلمين) هو إن اليهود أخذوا بعض صفات الإسلام الحسنة فتقدموا بتلك النسبة، في حين أخذ بعضنا قسماً من صفاتهم السيئة، فاليهود ليس مشردون او محرومون او معذبون في اوطانهم، في حين تجد بلاد المسلمين والعرب مليئة بصنوف التعذيب والتشريد والحرمان من قبل الأنظمة الحاكمة وأجهزتها القمعية.

السلام واللاعنف

وجه المرجع الراحل السيد الشيرازي (رحمه الله)، في أيام حياته، رسال الى أحد كبار القادة الفلسطينيين، شخص فيها أسباب التراجع الفلسطيني والهزائم المتكررة لهم امام إسرائيل، وقدم لهم فيها النصح والإرشاد والطريق القويم في سبيل تحقيق النصر على هذا الكيان الغاصب، من منطلق الحرص على المقدسات الإسلامية، وانتصار العرب والمسلمين واسترجاع حقوقهم المغصوبة وارضهم المسلوبة.

لخص فيها الشيرازي (رحمه الله) عدم النصر في سببين رئيسين:

السبب الأول: استخدام العنف.

السبب الثاني: عدم سماع كلام الله وتعاليم الدين الإسلامي الحنيف.

وقد شرح المرجع الراحل جملة من الأمور التي تقع تحت هذين السببين نذكر منها:

1. لا فائدة من العنف الذي لديكم، لأنكم كمن يملك سيفاً، وعدوه مجهز بأحدث العدد الحربية، وإنكم لو أردتم أن تأخذوا فلسطين بالسيف والعمليات العسكرية واغتيال الأعداء فهناك مقومات أخرى يلزم توفرها، وإلا فلا تحصل النتيجة، كما أن العنف الذي تتخذونه وسيلة لا يوصلكم إلى شيء، لأن العدو هو الآخر سوف يواجهكم بالعنف أيضاً، فإذا كان سلاحه أقوى ينتصر عليكم.

2. العنف ليس هو الطريق الأسلم لاسترداد الحقوق، بل مردوده سلبي دائما، والطريق الأمثل والأنجح في العمل هو السلم واللاعنف وخير مثال على ذلك هو أسلوب رسول الله (صلى الله عليه واله) السلمي في مواجهة المؤامرات الضخمة التي كانت تحاك من قبل المشركين والكفار في الجزيرة العربية، وكيف تمكن من دخول مكة المكرمة، معقل المشركين، وفتحها بدون إراقة دماء او اللجوء الى الإرهاب.

3. علينا أن نتخذ نفس الأسلوب الذي اتبعه رسول الله (صلى الله عليه واله) في فتح مكة، فالنبي استطاع أن يدخلها بسلم ودون حرب ودون أن يخسر ضحايا، والأفضل أن يكون الأسلوب في أخذ الحقوق بالطرق المنطقية وأسلوب الضغط السياسي وما أشبه مما تأثيره أكثر، بعيداً عن العنف.

4. الإسلام دين السلام، وما الحرب والمقاطعة وأساليب العنف فلا تكون إلا وسائل اضطرارية تستخدم قليلاً وذلك في أشد حالات الضرورة القصوى على خلاف الأصول الإسلامية قال تعالى: (ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً)، ولا يخفى أن السلام غير الاستسلام وهذا الذي يحصل بين العرب واليهود نوع من الاستسلام المصحوب بالذلة والهوان والتنازل عن الحقوق.

5. ان تحرك الفلسطينيين الاستراتيجي والعملي على الساحة الدولية، الخارجية أو الداخلية، يجب أن يتصف بالسلم ودقة التأثير، وهو من الأسس الحيوية التي يلزم أن تقوم عليها النضالات للحركة السياسية في يومنا هذا، فبدونه تكون الخسائر أكثر والنتائج أقل، وهذا الأمر يحتاج إلى ضبط الأعصاب، وإلى مقدرة نفسية توجب أن يعمل الإنسان بحزم وبأخلاق عالية حتى مع الأعداء، فالقائمون بالحركة يجب أن يتحلوا بالسلام في فكرهم، وفي قولهم، وفي كتاباتهم، وفي مواجهاتهم، حتى يتمكنوا من استرداد حقوقهم المغصوبة، وحتى عملية الإضرابات والمظاهرات لابد أن تتصف باللين والمنطق وقوة التأثير، لأن المهم هو الهدف السامي واسترجاع الحقوق الضائعة، وليس الانتقام والحقد والبغضاء، فان السلام، بمعناه الصحيح، هو الضمان الأكيد لبقاء المبدأ.

6. روح الانتفاضة: من الواجب على الفلسطينيين في هذه الفترة الزمنية من عملهم أن يحافظوا على روح الانتفاضة الفلسطينية ويلزم توجيه هذه الانتفاضة بحيث تكون ذات فوائد أسرع وأكثر، كالاستفادة من الإعلام والضغط الدولي والعمل الجذري المركز وما أشبه، وهذا لا يستدعي دائماً استخدام العنف كما يفعل اليهود بأبناء الشعب الفلسطيني من العنف.

7. وحدة الصف: الأمر الآخر للتحرك الفلسطيني بجانب السلم: هو وحدة التحرك، ووحدة الصف وعلى جميع الميادين، والإخلاص لأجل إنقاذ الوطن ونصرة أبناء الشعب الفلسطيني، دون الارتماء في حضن المستعمرين اليهود والأجانب، والذلة بالدخول في معاهدة خاسرة وباطلة.

8. إن النصر من عند الله فانه لا يكتب ذلك إلا للذين يجاهدون بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، ويطبقون كافة القوانين الإلهية من الأخوة الإسلامية والأمة الواحدة والحريات، فقد قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءامَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ).

الخلاصة

تاجر الكثير من العرب والمسلمين بالقضية الفلسطينية، لكن احداً لم يعطي الحل الذي يمكن ان ينهي معاناة الشعب الفلسطيني (في الداخل والخارج)، وبالتالي ما زلت هذه القضية كالجرح النازف في جسد الامة، وما زال الكيان الغاصب يمارس اقصى حالات العنف والدمار والتجويع والاذلال ضد المدنيين والابرياء، كما يحدث مؤخراً في غزة التي تشهد دماراً وعنفاً غير مسبوق.

لذلك فان الأوان قد حان للعودة الى كلام الله (عزوجل) والإسلام الحنيف وما فيه من صوت العقل والمنطق والسلام، بعيداً عن الانفعالات الهوجاء والعواطف الزائفة والشعارات الكاذبة التي سلمت فلسطين وما فيها بالمجان الى الكيان الغاصب ليفعل بها ما يشاء وقت ما يشاء.

ان المرجع الراحل السيد محمد الشيرازي قدم من خلال مؤلفاته ومحاضراته رؤية تستحق الوقوف عليها كثيراً ودراستها بجدية وصدق من اجل إحلال السلام في فلسطين وارجاع الحقوق المغتصبة الى أهلها المشردين في بقاع الأرض، وعدم تركها واهلها عرضة لإذلال المغتصبين والطامعين من الصهاينة ومن يساندهم.

* باحث في مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–Ⓒ2023
http://shrsc.com

اضف تعليق