عصر خصخصة القومية والعرق والسيادة والثقافة لصالح إنسان الآلة الرقمية. الأسر فيه نووية، والتجارة فيه عالمية، والثقافة فيه كونية. وللأسف فقد صاحب هذا الأتجاه الليبرالي أتجاهين ساعدا على هيمنته هما ضمور الطبقة الوسطى التقليدية وتأثيراتها،نتيجة الأزمات الأقتصادية المتلاحقة والتي زادت من حدة الفوارق الطبقية...

على الرغم من ان البدايات الحقيقية لظهور ما يسمى بالليـــبرالية التقدمية الجديدة progressive neoliberalism تعود الى الحقبة الكلنتونية (نسبة ازى الرئيس الاميركي كلنتون) في بداية تسعينات القرن الماضي، الا ان البعض يعود الى الوراء الى حقبة الثلاثينات من القرن الماضي التي شهدت حقبة الكساد الكبير وبدأ مرحلة انفصال الادارة عن الملكية. أي ظهور طبقة المدراء المحترفين وليس ملّاك الشركات هم مديروها.

كما شهد ذلك العقد تطور مفاهيم الدولة الرأسمالية في أعقاب النظرية الكينزية، فضلاً عن القفزة الصناعية في أعقاب الانتقال من الفحم الى النفط كمصدر للطاقة. ثم أعطت الازمة الاقتصادية في السبعينات دفعة أخرى لمفاهيم اللبرالية الجديدة التي تمتاز بثلاث ملامح رئيسة: أنها ايدلوجية جاءت كرد فعل للاشتراكية سواءً بوجهها الشيوعي او وجهها الديموقراطي الاجتماعي الاوربي. إنها ايدلوجية تقوم على نظام الجدارة الاجتماعية وليست مفاهيم المساواة.

وهذا ينقلنا لوجهها الثاني وهو الاقتصادي الذي لا يؤكد فقط على خصخصة الاقتصاد، ولا على عُلوية وأهمية المنظّمين ورجال الأعمال (المبدعين) والمجددين كبيل غيتس، بل على تدمير أي أساس للسلطة ليس بيد قادة الابداع والابتكار، بما في ذلك تدمير النقابات والاتحادات العمالية التي تنافس في قوتها أدارات الشركات، وهذا ما أجادته تاتشر في بريطانيا، وريغان في أميركا في ثمانينات القرن الماضي، ثم أكمله كلنتون (مهندس الليبرالية الجديدة في امريكا)، وكذلك بلير مهندس حزب العمال الجدد في بريطانيا.

وجاءت أزمة 2008 والأزمة الاقتصادية الحالية لتكمل إنجاز هيكل ومضمون الليبرالية التقدمية الجديدة. فهذه الأزمات تثبت من وجهة نظر منظّري هذا الاتجاه، أن العالم بات قرية والخصوصية باتت فرية، والثقافة صارت دمية، والتكنولوجيا صارت رقمية!

لذا فمراكز القوة يجب ان تنتقل من يد العمال الى الرأسمالية الجديدة الصاعدة. وهذا ما يجعلنا نطلق على هذه الليبرالية الجديدة بالليبرالية التقدمية والتي برزت في التسعينات. إنها ليبرالية تذهب خطوة أبعد في مراحل الرأسمالية.

ولا يقصد بالتقدمية هنا انها نموذج أفضل من سابقها ولكن يقصد به (تحرير) الرأسمالية من التزاماتها الاجتماعية، ومن مؤسساتها الاقتصادية والاجتماعية التقليدية (كالاتحادات، والنقابات، والأسرة، والكنيسة، والبنوك التقليدية، والضمان الاجتماعي وغيرها).

وهذا ينقلني للملمح الثالث من ملامح الليبرالية التقدمية الجديدة وهو التاريخ. أن بروز هذه الحركة يمثل مرحلة من مراحل تطور الرأسمالية في عصر ما بعد العولمة والرقمنة. Digitalization أنه العصر الذي يكون فيه البقاء للإنسان (وليس المواطن) المعولم والمرقمن والقادر على الاستجابة لمتطلبات العصر الجديد. أنه عصر (القسوة) بكل ما للكلمة من معنى على أولئك (المتروكين) الذين لن يتمكنوا من مواكبة العصر وركوب القطار.

عصر يحل فيه الذكاء الاصطناعي محل الذكاء الاجتماعي، ومبادئ وول ستريت (شارع المال في نيويورك) محل منتجات وتعاملات البنوك التقليدية. عصر تحل فيه منصات التواصل بدلاً من زيارات التواصل، والفضاء السيبرنيتي محل المجال الجغرافي السيادي. عصر تنتهي فيه الخصوصية، ليس فقط في المجال العام بل في المجال الاجتماعي، فليس هناك رجل وامرأة بل أنسان، وليس هناك مواطن بل معولم.

عصر خصخصة القومية والعرق والسيادة والثقافة لصالح إنسان الآلة الرقمية. الأسر فيه نووية، والتجارة فيه عالمية، والثقافة فيه كونية. وللأسف فقد صاحب هذا الاتجاه الليبرالي اتجاهين ساعدا على هيمنته هما ضمور الطبقة الوسطى التقليدية وتأثيراتها، نتيجة الأزمات الاقتصادية المتلاحقة والتي زادت من حدة الفوارق الطبقية، فضلاً عن التغيرات التكنولوجية وأتساع الفوارق التعليمية الكبيرة بين الناس نتيجة ارتفاع أجور التعليم، مما أنهك طبقات المهنيين والبورجوازية الصغيرة وأصحاب المهن الحرفية ومديري المستويات الوسطى والدنيا، وكل هؤلاء كانوا يشكلون عماد الطبقة الوسطى.

أما المتغير الثاني فهو ذبول شعلة اليسار التقدمي والاشتراكي في أعقاب تفكك الاتحاد السوفياتي وفشل كثير من تجارب اليسار في مختلف دول العالم. أن اختفاء هذين المكونين الاجتماعيين والاقتصاديين المهمَين أدى الى فسح المجال أكبر لرواد الليبرالية التقدمية الجديدة ليتسيدوا الفضاء السياسي-الاقتصادي-الاجتماعي بخاصة في أوربا وأمريكا.

لقد تهاوت قوة الاتحادات والنقابات، وفرضت المتطلبات الاقتصادية الصعبة تقليص عدد أفراد الأسر، وأوقفت التكنولوجيا الرقمية والاقتصادات الخدمية عجلات المصانع مخلفةً وراءها في مختلف الدول الصناعية ما بات يسمى بحزام الصدأ حيث الالاف من عمال المصانع باتوا ينظرون لمكائنهم وقد تآكلها الصدأ، ولخزائنهم وقد أفترسها الفقر.

أننا ازاء تشكل مجتمع جديد معولم. لذا بات موضوع نشر هذه المفاهيم لخلق هذا المجتمع الجديد مهمة مقدسة للمؤمنين به. من هنا نفهم هذا الدفع الكبير باتجاه الحركات النسوية، وحركات مجتمع الميم، واللاعنصرية، واللاقومية، واللاخصوصية.

لقد كان رواد الاقتصاد والسياسة في هذا الاتجاه بحاجة الى مجاميع تتفق وتتحالف معهم. لذا فأن الليبرالية الجديدة عبارة عن تحالف (غير معلن) بين تلك الحركات الاجتماعية الجديدة التي تتبنى في اساسها فكرة اللاخصوصية وفكرة الإنسانية وحرية الهجرة والتنقل، وبين رواد الصناعات الخدمية عالية التكنولوجيا في وول ستريت، ووادي السليكون، وهوليوود. هكذا نفهم هذا التمويل الكبير والدعم الاعلامي الواسع والانتشار المفاهيمي السريع لهذا الاتجاه الفكري. ولعل ما يحصل من صراع مؤخراً بين مايكروسوفت، وبين ماسك (مالك تويتر الجديد) هو جزء من هذا الصراع بين أحد أهم رواد الليبرالية التقدمية الجديدة (مايكروسوفت) وبين أحد أقطاب المعارضة لهذا الاتجاه (ماسك).

وقبل أن أنتقل للتعريف بردود الافعال التي نجمت عن هذا التطرف الليبرالي، لا بد من التأكيد (المشدد) على ما ذكرته في الحلقة الاولى من هذا المقال، بأن هناك كثير من الحركات والدعوات داخل هذا الاتجاه تبدو متعارضة بل وأحياناً متناقضة في مفاهيمها، وهذا طبيعي لأنه أتجاه اجتماعي-سياسي-اقتصادي ما زال في طور التشكل، ولا بد أنه سيمر بمراحل من التنقيح والتشذيب التي ستستغرق وقتاً وجدلاً حاداً. هذا يعني أننا يجب أن لا نحكم على جميع المنضوين ضمن هذا الاتجاه الفكري بنفس المسطرة، فحركات مثل مساواة السود في اميركا، وحقوق المرأة في العالم، واللاعنصرية واحترام المهاجرين في اوروبا تختلف عن حركات تشجيع الإجهاض أو المثلية الجنسية. هذا ما سأحاول شرحه في المقال القادم.

.............................................................................................

* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق