البرلمان هو اهم مؤسسة في الدولة الديمقراطية الحديثة. تنبع اهميته ليس فقط من كونه يمثل الشعب في منح الثقة للحكومة ومراقبة ادائها، بل في كونه المكان الذي تصنع فيه سياسات الدولة العليا وتشرّع وقوانينها، ولهذا من الضروري ان يحقق البرلمان في ذاته صفتين جوهريتين...

البرلمان هو اهم مؤسسة في الدولة الديمقراطية الحديثة. تنبع اهميته ليس فقط من كونه يمثل الشعب في منح الثقة للحكومة ومراقبة ادائها، بل في كونه المكان الذي تصنع فيه سياسات الدولة العليا وتشرّع وقوانينها.

ولهذا من الضروري ان يحقق البرلمان في ذاته صفتين جوهريتين هما: سلامة التمثيل، وكفاءة النواب وخبرتهم المعرفية والعملية.

سلامة التمثيل يمكن ان يضمنها قانون عادل للانتخابات. والمجتمعات الديمقراطية المتحضرة تبذل غاية جهدها في التوصل الى افضل القوانين الانتخابية لتحقيق ذلك. وقد جرّب مجتمعنا الانتخاب بالقائمة الامر الذي انتج اقطاعيات سياسية، ثم جرّب الانتخاب الفردي بطريقة مشوّهة فانتج البرلمان الحالي. ومازلنا بحاجة الى بحث اكثر للتوصل الى قانون انتخابي صالح يحقق عدة اغراض في مقدمتها بروز كتلة برلمانية تحوز على اكثر من نصف مقاعد البرلمان لتحل بشكل حاسم مشكلة تشكيل الحكومة.

اما الصفة الثانية في البرلمان فيعتمد تحقيقها على امرين: اولا، وعي الشعب بضرورة انتخاب الافضل والاصلح بناء على الكفاءة وليس بناء على الانتماء والولاء الحزبي لو الطائفي او العشائري او العرقي الخ. وثانيا، الشروط المشددة التي يضعها قانون الانتخابات في المرشح للبرلمان.

وكلا الامرين مفقودان في المجتمع العراقي. وكان من نتيجة ذلك ان البرلمانات الخمسة التي تشكلت منذ سقوط النظام الدكتاتوري لم تكن تحتوي على افضل ما في المجتمع العراقي من طاقات وخبرات، فبقي حملة الفكر والعلم والخبرات العملية في شتى المجالات وخاصة السياسة والاقتصاد والقانون والادارة وغيرها بعيدين عن الاسهام المباشر في بناء الدولة. ورشح عدد من اساتذة الجامعة المبرزين في اختصاصاتهم في الانتخابات الماضية لكن الفوز لم يكن حليفهم حيث فضل الناخبون مرشحين اقل علما وخبرة لاسباب عصبوية، كالحزبية والطائفية والقومية الخ.

صحيح ان العبرة في البرلمان ان يكون ممثلا للشعب، لكن من الضروري ان يكون التمثيل من خلال افراد ذوي كفاءة متقدمة لكي يستطيع النائب ان يؤدي دوره في المراقبة والتشريع على افضل وجه.

ولعل فكرة "اهل الحل والعقد" كما وردت في الفقه السياسي الاسلامي ناظرة الى هذا الجانب حيث اشترطت ان يكون هؤلاء النخبة المتميزة في المجتمع. وقد ذكر الماوردي (٣٦٣-٤٥٠) شروطا ينبغي توفرها في هؤلاء منها: العدالة الجامعة لشروطها، والعلم، والرأي والحكمة. ونستطيع ان نعرض النواب في الدورات الخمس على هذه الشروط لنجد ان الكثير منهم، حتى لا اقول اغلبيتهم، فاقد لهذه الشروط. وانما وصل الى البرلمان لعوامل لاعلاقة لها بالعلم والثقافة والخبرة والحكمة.

وكان لانخفاض مستوى النواب اكبر الاثر في تعثر العملية السياسية على مدى ١٩ سنة، وتعذر بناء ديمقراطية سليمة، ودولة حضارية حديثة. ونستطيع ان نبرهن على ذلك بادلة كثيرة ليس اهمها الاسئلة الساذجة التي تم توجيهها الى المحكمة الاتحادية لتفسير نصوص دستورية ليست بحاجة الى تفسير.

يتطلب الامر اصلاحا برلمانيا جذريا يتمثل من بين امور اخرى بوضع شروط دقيقة لمن يمكنه الترشيح في الانتخابات البرلمانية، بحيث تكون نتيجة هذه الشروط قيام مجالس برلمانية على درجة عالية من الحكمة النظرية والحكمة العملية.

ان الصفة الاساسية او الوظيفة الاساسية للنائب انه مشرّع. وهذه من اخطر الوظائف التي يمكن تصورها في الدولة والمجتمع. ولا ينبغي ان تمنح هذه الصفة الا لمن يملك متطلباتها؛ لا يمكن ان تمنح صفة المشرّع الا لمن هو قادر فعلا على التشريع علما وخبرةً. وهذا يتطلب تشريع قانون يحدد هذه المواصفات والمؤهلات بشكل واضح وصريح وحاسم. كما يتطلب ان يكون الناخب على درجة عالية من الوعي والحرص تمنعه من اعطاء صوته لمن لا تتوفر فيه الشروط المطلوبة.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق