منوعات - معلوماتية

دعوة للتأمل

سلبيات هذه المواقع لا تحصى، والادمان أولها، وأكثرنا مدمنون، فضاعت علينا فرص التأمل، اذ سرعان ما نتصفح هواتفنا بمجرد توافر وقت الفراغ حتى وان كان ضئيلا، ولا نغادرها الا مضطرين. لقد ضيّقت مواقع التواصل الاجتماعي على دماغنا ممارسة نشاطاته الهادفة، كالتفكير والتذكر والتصور والتخيل....

لا جديد في قولي: لمواقع التواصل الاجتماعي فوائد جمة وأضرار جسيمة، ولا يقتصر ضررها على مجال دون آخر، بل تطول جميع المجالات كما هو حال منافعها، لذا وصفت بالنعمة والنقمة على حد تعبير زميلي الاعلامي القدير زيد الحلي، اذ تقف هذه المواقع وراء الكثير من المشكلات التي يتعرض لها الناس، بدءا من ظاهرة الطلاق التي تشهد اتساعا لافتا، ما ينذر بمخاطر من شأنها تمزيق المجتمع وتصدّع بنائه، ومرورا بعزوف بعض شبابنا عن الزواج، بسبب نماذجه الفاشلة التي يرونها، حتى ظنوا ان الزواج مشكلة بذاته، ولا داعي لدخول قفصه الذي لم يعد ذهبيا مسبوكا، بل هشا منخورا، ويمكن (للايك) واحد على الفيس بوك أن يحيله رمادا.

وانتهاء بسرقة الأبناء من الأحضان، وانتهاك ما نسميه بالسيادة الأبوية، فالآباء فشلوا في السيطرة على سلوك أبنائهم الالكتروني، لا يعرفون أين يذهبون، وفي أي المواقع يحطون الرحال؟ فالسلوك الالكتروني السائب الذي عززته البطالة غيّر من نمط حياتنا، فصار الأبناء يستيقظون بعد منتصف النهار، وتحولت وجبة الغداء الى فطور، بل ان وجبة الغداء الغيت لدى بعض الأسر، وصار أمرا عاديا أن تعود من عملك ظهرا فتجد أبنائك للتو يتناولون فطورهم، وما عليك سوى القول بسخرية: صباح الخير، وتتناول غدائك بمفردك.

ندرك عند تأمل هذه الظاهرة انه ليس من المنطقي حجب خدمة الانترنت، كما ان الحصول عليها بات يسيرا، وهناك طرق شتى للدخول الى عوالمها، ولا تستدعي منهم استئذانك، وبدورك لا ترغب بحرمانهم مما وصلت اليه تقنيات الاتصال، فهم يعيشون لزمان غير زمانك، ولا بد أن يتسلحوا بأدوات المستقبل.

سلبيات هذه المواقع لا تحصى، والادمان أولها، وأكثرنا مدمنون، فضاعت علينا فرص التأمل، اذ سرعان ما نتصفح هواتفنا بمجرد توافر وقت الفراغ حتى وان كان ضئيلا، ولا نغادرها الا مضطرين. لقد ضيّقت مواقع التواصل الاجتماعي على دماغنا ممارسة نشاطاته الهادفة، كالتفكير والتذكر والتصور والتخيل، اذ تشغله بما تنطوي عليه من مضامين متذبذبة في مستواها، بل قل: جُلها غير نافع، بينما الانسان بحاجة للتأمل في الأشياء، ذلك انه ممارسة في التركيز، وتُكسب القدرة على التحليل، والحصول على رؤية واضحة لما يجري تأمله.

ديانات وفلسفات عديدة أكدت على التأمل بوصفه نشاطا روحيا مهما لتحقيق السلام الداخلي والطمأنينة، ولذلك عُد نوع من الطب التكميلي للعقل والجسم، فحياتنا مكتظة بالضغوطات المختلفة، ومن شأن التأمل ازالتها او التخفيف من حدتها، فهو يمكنّنا من بناء مهارات التعامل معها، واكسابنا منظور جديد للمواقف العصيبة، ويعمق من وعينا الذاتي، ويزيد من تركيزنا على الحاضر، ويقلل من مشاعرنا السلبية، ويفّعل التخيل والابداع.

لكن مواقع التواصل تستحوذ على كل أوقاتنا، بما لا يتيح لنا فرصة للتأمل، ولذلك بدأنا نسمع بكثرة النسيان وضعف التركيز، وعدم تفهم مواقف الآخرين، فالجمود في التعاملات، وعدم ايلاء الآخرين اهتماما بدت واضحة في حياتنا اليومية، وهي من مظاهر ضعف الخيال، فلكي يمارس العقل الانساني عملياته بنشاط يؤدي الى فهم الأشياء سواء التي في دواخلنا او ما يحيط بنا، لابد من الاكثار من ممارسة هذه العمليات، أي يفترض اشغال أوقات فراغنا بالتأمل، وكيف يحدث هذا؟

بينما صارت جل الأوقات تهدر في استخدام مواقع التواصل، فحال استيقاظك من نومك وما زلت في فراشك تلقي نظرة عليها، والشيء نفسه تفعله قبل النوم، وهكذا طوال اليوم، ولا أظن ان الاستثناءات كثيرة، فساعات استخدام مواقع التواصل وصلت بمعدلاتها الى أكثر من أربع ساعات في اليوم، ويمكن لها أن تزيد إذا علمنا ان الانسان ميال للمضامين الاعلامية التي لا تستدعي منه جهدا ذهنيا. وهذا ما تحققه مواقع التواصل الاجتماعي.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق