يلتقي الطرفان في تحمل مسؤولية ما وقع، وما يقع، وعموم الظواهر السلبية الاخرى في المجتمع والدولة، يتحدث البعض عن اصلاح الدولة بمعزل عن المجتمع او اصلاح المجتمع عن الدولة. وكلا النظرتين قاصرة، اذْ لا يمكن اصلاح طرف دون اصلاح الطرف الثاني. لابد من اصلاح الطرفين...

سواء كانت فاجعة مستشفى ام حبيبة حصلت بسبب اهمال مسؤول ام اهمال مواطن، فانها في الحالتين تعبر عن كارثة مجتمع. وحين استخدم مفردة "مجتمع" فاني لا اقصد به كائنا اخر غير الافراد. فالمجتمع كما يقول عالم الاجتماع الاميركي ادوارد روس (١٨٦٦-١٩٢١) عبارة عن مجموعة الافراد الذين تجمع بينهم شبكة علاقات وروابط التي من بينها علاقة حاكمين/ محكومين.

وبالتالي فان كل واحد منهم يتحمل جزءاً من المسؤولية عن الظواهر السلبية بقدر موقعه وحجمه في هذه العلاقة. حريق المستشفى ظاهرة سلبية مفجعة يتحمل مسؤوليتها ابتداءً مدير المستشفى. فالوحدة، كما يقال، بآمرها. وامر "الوحدة" لا يكتفي بالجلوس في مكتبه، وانما عليه ان يخرج من المكتب ويتفقد جوانب وحدته ويتأكد من حسن سير العمل فيها ويعاين بنفسه مشكلاتها. وبالتأكيد يتعين على مدير المستشفى ان يتأكد بشكل مستمر من وجود اجهزة اطفاء الحريق وسلامتها وجاهزية فريق الاطفاء للتحرك بسرعة عند كل طاريء. ولا يساورني الشك انه لو تم اتخاذ كل الاجراءات الوقائية لكان بالامكان تجنب ما حصل، او على اقل التقادير، التقليل من حجم الكارثة المروعة.

وهذا تقصير يتحمل مسؤوليته مدير المستشفى، كما يتحمل مسؤوليته الامرون الاعلى في هيكلية وزارة الصحة، وعلى رأسهم وزير الصحة. وكان يفترض من الناحية الاخلاقية ان يبادر وزير الصحة الى الاستقالة لان الحدث اكد انه لا يصلح ان يكون امانا وضامنا لعدم حصول كوارث في وزارته. اما "سحب اليد" فهو اجراء شكلي تافه ولاقيمة له لأن الاجراء السليم الوحيد أمام رئيس الوزراء هو ما نصت عليه المادة (78) التي تنص على ان "له الحق باقالة الوزراء، بموافقة مجلس النواب." واذا كان بمقدور رئيس الوزراء اقالة وزير الصحة والذهاب الى مجلس النواب لاستحصال موافقته.

هذا فيما يتعلق بالجانب الاول من المسؤولية المتعلق بجهة الحاكمين، وفي سياق الحديث عن الجانب الثاني، اي مسؤولية المحكومين، فيقال ان سبب اندلاع الحريق هو استخدام احد المواطنين "الهيتر" او السخّان الكهربائي في احدى غرف المستشفى. وهذا امر ممكن، لكنه يكشف عن إنخفاض مستوى الوعي الصحي ووعي المخاطر لدى هذا المواطن.

وهي مشكلة نعاني منها ليس فقط فيما يتعلق بالحريق، وانما بالنسبة لمشكلات اخرى مثل الانتشار المتسارع لفيروس كورونا covid-19 بسبب عدم التزام المواطنين باجراءات الوقاية الصحية مثل لبس الكمامات والتباعد الاجتماعي وغسل اليدين بصورة مستمرة. وانخفاض الوعي بمختلف اشكاله السياسي والاقتصادي والاجتماعي والديني والتربوي الخ يمثل مشكلة معقدة في المجتمع العراقي.

وهكذا يلتقي الطرفان في تحمل مسؤولية ما وقع، وما يقع، وعموم الظواهر السلبية الاخرى في المجتمع والدولة، يتحدث البعض عن اصلاح الدولة بمعزل عن المجتمع او اصلاح المجتمع عن الدولة. وكلا النظرتين قاصرة، اذْ لا يمكن اصلاح طرف دون اصلاح الطرف الثاني. لابد من اصلاح الطرفين.

وهذه هي النظرة الحضارية للمجتمع ومشكلاته وحلولها. وهي نظرة شاملة تتفوق على النظرات الجزئية الاخرى. وبموجب هذه النظرة الكلية فاني اكرر دائما ان كل المشكلات والظواهر السلبية في مجتمعنا سببها الخلل الحاد في المركب الحضاري وقيمه العليا الحافة بعناصره الخمسة، اي الانسان والارض والزمن والعلم والعمل. واي اصلاح لا يذهب الى هذا العمق لا يمكن ان ينتج خيرا. وهذا ما يفترض ان تنتبه اليه الاحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني، خاصة واننا مقبلون على اجراء الانتخابات. ويفترض ان تنعكس هذه النظرة الشاملة على ادبيات الاحزاب المتنافسة التي تجاوز عددها ٢٦٥ حزبا مجازا حتى الان.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق