الديون الخارجية للعراق تواصل الارتفاع بشكل سنوي وبنحو مخيف، وهو مؤشر خطر جدا على مستقبل العراق، وقدر اقتصاديون عراقيون حجم ديون العراق المتراكمة بما يتجاوز حاجز 100 مليار دولار، وذلك في ظل كثير من المشكلات التي يعانيها الاقتصاد العراقي، ومقدار الدين العام المترتب على البلاد نتيجة انهيار أسعار النفط...

الديون الخارجية للعراق تواصل الارتفاع بشكل سنوي وبنحو مخيف، وهو مؤشر خطر جدا على مستقبل العراق، وقدر اقتصاديون عراقيون حجم ديون العراق المتراكمة بما يتجاوز حاجز 100 مليار دولار، وذلك في ظل كثير من المشكلات التي يعانيها الاقتصاد العراقي، ومقدار الدين العام المترتب على البلاد نتيجة انهيار أسعار النفط، وكلفة الحرب التي يخوضها العراق ضد تنظيم داعش، إلى جانب ديونه الموروثة من حقبة نظام صدام.

في هذا المقال سنحاول ايضاح ماهية الدين السيادي، وماذا يحصل في العراق، وما هو مستقبل بلدنا اذا استمر بهذا النهج؟

سؤال: ما هو الدين السيادي او الدين العام؟

هي الأموال التي تقترضها الحكومة من الأفراد والمؤسسات لمواجهة أحوال طارئة، ولتحقيق أهداف مختلفة، وذلك عندما لا تكفي الإيرادات العامة لتغطية النفقات العامة التي تتطلبها هذه الأحوال الطارئة، مثل الحرب وحالة التضخم الشديد، ولتمويل مشروعات التنمية، ولمواجهة النفقات الجارية العادية، حتى يتم تحصيل الضرائب، حيث أن مواعيد التحصيل قد لا تتوافق تماما مع مواعيد النفقات الجارية، وأيضًا هي الديون المترتبة على الحكومات ذات السيادة، وتتخذ أغلب هذه الديون شكل سندات غير قابلة للتداول أو أذونات خزانة لمدة ثلاثة أشهر تقريبا أو سندات قابلة للتداول، يتم تحديد حجم الدين العام للدولة عن طريق حساب نسبة الدين العام بالنسبة المئوية من حجم الناتج المحلي للدولة.

أزمة الديون السيادية

عندما نتساءل عن ازمة الديون السيادية فيمكن القول: هو فشل الحكومة في أن تقوم بخدمة ديونها المقومة بالعملات الأجنبية، لعدم قدرتها على تدبير العملات اللازمة لسداد الالتزامات المستحقة عليها بموجب الدين السيادي، ومعظم حكومات العالم تحرص على ألا تفشل في سداد التزاماتها نحو ديونها السيادية، وذلك حرصا منها على الحفاظ على تصنيفها الائتماني في سوق الاقتراض من التدهور، ذلك أن توقف الحكومة عن السداد، يؤدي إلى فقدان المستثمرين في الأسواق الدولية الثقة في حكومة هذه الدولة، وتجنبهم الاشتراك في أي مناقصات لشراء سنداتها في المستقبل، أكثر من ذلك فان ردة فعل المستثمرين لا تقتصر على أولئك الذين يحملون سندات الدولة، وإنما يمتد الذعر المالي أيضا باقي المستثمرين الأجانب في هذه الدولة والذين لا يحملون هذه السندات.

فيحصل نوع من الحصار الاقتصادي من قبل كبرى الشركات العالمية وكبار المستثمرين، مع انسحاب من متواجد داخل البلد مما يعني حالة كبيرة من تسرب العملة الاجنبية لخارج البلد مما يعني انهيار العملة المحلية، حيث يمتنع الكل عن العمل في مثل هكذا بلد غير موثوق به.

ديون العراق الى عام 2048

قال عضو لجنة متابعة البرنامج الحكومي النائب حازم الخالدي في تصريحات صحفية: ان “مسودة الموازنة التي صوت مجلس النواب على عدد من فقراتها ثبتت فيها العديد من القروض الخارجية، التي تثقل كاهل العراق وتسلب حقوق الاجيال القادمة”، واضاف النائب ان “الفوائد المترتبة على تلك القروض سندفع بالعراق الى تسديد الديون لغاية سنة 2048 اخر دفعة اذا ما اضيفت قروض اخرى”، فيتضح جليا ان مستقبل العراق في خطر كبير بسبب الادارة الفاشلة للبلد من قبل حلف الاحزاب.

وهذا يعني رهن مستقبل الاجيال السابقة بسبب رعونة الطبقة السياسية وفسادها، حيث تقدم مصالحها الخاصة على مصلحة البلد، وهذه مصيبة العراق منذ ان سيطرة فئة من اللصوص والفاسدين على الحكم.

تضخم الدين الداخلي بعد عام 2014

في ندوة عام 2017 أقامها معهد التقدم للسياسات الإنمائية، الذي كان يشرف عليه النائب ووزير التخطيط السابق مهدي الحافظ، وحضرها خبراء ومتخصصون في الشؤون المالية والاقتصادية، تحدث المستشار المالي لرئيس الوزراء السابق الدكتور مظهر محمد صالح، عن تفاصيل مهمة تتعلق بملف الديون العراقية، حيث كشف عن أن العراق “نجح في عام 2004 في شطب نحو 100 مليار دولار من ديونه على خلفية توقيع اتفاق نادي باريس”. وبيّن صالح، أن اتفاقية نادي باريس “اتفاقية معيارية لحل الديون السيادية المترتبة بذمة العراق لـ65 دولة، منها 19 دولة ضمن نادي باريس و46 دولة خارجه”. لكنه يقول إن: “الدين الداخلي بعد 2014 ارتفع من 10 مليارات إلى 46 مليار دولار، وبهذا يصبح مجموع الدين بنوعيه الداخلي والخارجي نحو 110 مليارات دولار، ضمنها ديون الخليج المعلقة لغاية نهاية 2016”، فاغلب مديونية اليوم هي نتاج العمل السياسي ما بعد 2004، وهذا يدلل على فشل متعاقب للحكومات في ادارة الدولة.

السؤال الاهم: من المستفيد من الدين الداخلي؟ والجواب: هي نفسها الاحزاب التي نهبت الخزينة وتسببت بارتفاع الدين الخارجي، هي من تقرض الحكومة بفوائد كبيرة، فهي تأكل من الجهتين، تبدد الدين الخارجي وتقرض الحكومة بالدين الداخلي!

من يدفع ديون اقليم كردستان؟

لنا ان نتساءل عن قروض إقليم كردستان، وما إذا كانت ستدخل ضمن الدين العام للعراق؟ وقد أعلن رئيس حكومة إقليم كردستان في شمال العراق، مسرور بارزاني في نهاية عام 2020: “أن ديون الإقليم بلغت 27 مليار دولار”، واضاف “أوضاع الإقليم الاقتصادية الصعبة سببها الاعتماد الخاطئ على إيرادات النفط”، وتابع: “الإقليم يواجه أوضاعا اقتصادية عصيبة نتيجة الآثار السلبية لتفشي فيروس كورونا وتراجع أسعار النفط عالميا”.

وتشهد العلاقات بين بغداد وأربيل خلافات متعددة سياسيا وأمنيا واقتصاديا، ومن بينها كيفية إدارة الثروة النفطية، حيث يقوم الإقليم بتصدير النفط بشكل منفصل، شكل متقاطع مع اتفاقاته مع الحكومة العراقية.

السؤال هنا من يتحمل ديون الاقليم؟ هل هي في رقبة الاقليم، اما في رقبة الحكومة العراقية.

افلاس الدول

لا توجد نظم محددة تحكم عملية إفلاس الدول، مثلما هو الحال بالنسبة للشركات، التي غالبا ما تجبر على ملأ استمارة إفلاس، لكي يتخذ بعد ذلك الإجراءات القانونية اللازمة لتصفية الشركة، أما بالنسبة للدول التي تقع في أزمة ديون سيادية فإنها غالبا ما تلجأ إلى محاولة تدبير العملات الأجنبية من خلال طرقها الخاصة أولا، فإذا فشلت فإنها إما أن تلجأ للمؤسسات غير الرسمية مثل نادي باريس وهو مؤسسة غير رسمية تمثل تجمع الدائنين من الدول الغنية في العالم، والذي أنشئ في عام 1956 نتيجة المحادثات التي تمت في باريس بين حكومة الأرجنتين ودائنيها، ويتولى النادي مهمة إعادة هيكلة الديون السيادية للدول أو تخفيف أعباء بعض الديون أو حتى إلغاء بعض هذه الديون السيادية مثلما حدث عندما قام النادي بإلغاء كافة ديون العراق في 2004، وغالبا ما تستند قرارات النادي إلى توصية من صندوق النقد الدولي، لكن يصبح القرار السياسي للبلد رهن للصندوق النقد الدولي.

اللجوء لصندوق النقد الدولي

تلجأ الدولة إلى المؤسسات الرسمية الدولية مثل صندوق النقد الدولي طالبة المساعدة في سداد ديونها، فيقوم الصندوق بتقييم أوضاع الدولة، فإذا كان التوقف عن السداد راجعا لظروف طارئة، على سبيل المثال انخفاض أسعار صادرات هذه الدولة، فإنه يعقد معها ما يسمى باتفاق المساندة Standby والذي بمقتضاه يتم منح الدولة تسهيلات نقدية بالعملات الأجنبية في صورة نسبة محددة من حصتها لدى الصندوق، دون أن يفرض على الدولة إجراءات لتصحيح هيكلها الاقتصادي والمالي.

أما إذا كان التوقف عن السداد يعود إلى مشكلة هيكلية مرتبطة بضعف هيكل إيرادات الدولة أو سوء عملية تسعير السلع والخدمات العامة، أو عدم مناسبة عملية تقييم معدل صرف عملتها المحلية… الخ.

فان الصندوق يشترط في هذه الحالة أن ترتبط عملية تقديم المساعدة للدولة (بما فيها تلك التي سيقدمها نادي باريس بالطبع) بضرورة إتباع الدولة لبرنامج إصلاح هيكلي يتضمن مجموعة من الإجراءات المقترح ان تتبعها الدولة، حتى تستطيع إصلاح هيكل ميزانيتها العامة وتخفيض العجز في ميزان مدفوعاتها، وتحسين قدرتها على الاقتراض والسداد في المستقبل، اي وقع البلد في اسر صندوق النقد الدولي والذي يفرض ارادته على الحكومات ويصبح تدخله واسعا.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق