سأقدّم لكم سلاحاً فريداً لا تقدر الشرطة ولا الجيش على الوقوف ضدّه. إنه سلاح النبي، هذا السلاح هو الصبر والاستقامة، ولا توجد قوة على وجه الأرض تستطيع الوقوف ضده، هذا ما قاله عبد الغفار خان، المناضل المسلم اللاّعنفي الذي استطاع أن يغيّر قومه المدعوّين بـ البشتون...

«سأقدّم لكم سلاحاً فريداً لا تقدر الشرطة ولا الجيش على الوقوف ضدّه. إنه سلاح النبي... هذا السلاح هو الصبر والاستقامة، ولا توجد قوة على وجه الأرض تستطيع الوقوف ضده»، هذا ما قاله عبد الغفار خان، المناضل المسلم اللاّعنفي الذي استطاع أن يغيّر قومه المدعوّين بـ «البشتون» في شمال غرب باكستان وفي المنطقة المتداخلة مع أفغانستان، بحيث شكّل منهم جيشاً لا عنفياً. وبذلك يعتبر صنواً لغاندي وحليفاً له في كفاحه من أجل استقلال الهند عبر المواجهة المدنية السلمية اللاّعنفية، التي قادت إلى قهر الجيش البريطاني المحتل، لقد وحّدت النظرة السلمية - اللاّعنفية فصائل البشتون المسلمين مع الهندوس في النضال من أجل الاستقلال، وفيما بعد للسلام بين الهندوس والمسلمين.

وقد أسس خان حركة خداي خدمت كار «خدّام الله»، التي آمنت بتوافق الإسلام مع مبادئ اللاّعنف، التي انضم إليها عشرات الآلاف من المدنيين البشتون، الذين آمنوا بالمقاومة السلمية من خلال العصيان المدني سبيلاً للتعبير عن حقوقهم، وقد أطلق عليهم البريطانيون أصحاب القمصان الحمر، لتميّز لباسهم باللون الأحمر.

وكانت القوات البريطانية قد أطلقت الرصاص على الاحتجاجات التي اندلعت في شمال غرب الهند، وقتلت مئات من المتظاهرين المدنيين في العام 1930، وذلك حين أعلنت مقاطعة بيشاور الانضمام إلى مسيرة الملح التي قادها غاندي.

ثلاثة أركان في فلسفة عبد الغفار خان هي: العمل واليقين و الحب، وهذه تمثل حسب وجهة نظرة جوهر الإسلام، أو كما يطلق عليها قلبه، فالله حسب خان ليس بحاجة إلى خدمات، بل إلى العمل على خدمة خلقه، وبالتالي خدمته، وحين يلتحق العضو في حركة «خدام الله» فإنه يقسم على أن يكون متسامحاً حتى مع أولئك الذين اضطهدوا الضعفاء، وعليه العيش بحياة بسيطة والقيام بعمل اجتماعي على الأقل ساعتين، بما يصبّ في خدمة الآخرين، وتلك هي مبادئ خان التي التزم بها طوال حياته، وتحمّل بسببها السجن لفترات طويلة، وكي تتحقق مبادئه ركز على التعليم في مناطق البشتون وبلغتهم الأصلية.

إذا كان غاندي بطل حركة الاستقلال في الهند، وأحد أبرز دعاة وحدة الهند، وعمل ما في وسعه لمنع انقسامها وانفصال باكستان، بل دفع حياته ثمناً لذلك، فإن عبد الغفار كان أحد أركان مشروع استقلال الهند ووحدتها أيضاً، وبسبب ذلك أمضى أكثر من 3 عقود من الزمان في السجون البريطانية خلال استعمار الهند، والباكستانية فيما بعد الانفصال، وقد اعتبرته منظمة العفو الدولية التي تأسست في العام 1961 «سجين العام 1962».

وإذا كان اسم غاندي معروفاً على النطاق العالمي، حتى أن يوم عيد ميلاده اعتبر يوماً عالمياً للاّعنف (2 أكتوبر/ تشرين الأول)، فإن حظوظ عبد الغفار خان من الشهرة كانت أقل منه، على الرغم من الدور الريادي الكبير الذي لعبه في منطقة واسعة من الهند وباكستان وأفغانستان، لدرجة أن اسمه شاع شعبياً باعتباره «فخر الأفغان».

وفي العام 1987 منحته الهند جائزة «بهارات راتنا»، التي تعتبر أعلى وسام هندي، وهي أول جائزة تمنح لشخص لا يحمل الجنسية الهندية. جدير بالذكر أن عبد الغفار خان ولد في العام 1890 وتوفي في 15 يناير/ كانون الثاني 1988 في بيشاور، وكان حينها في الإقامة الجبرية، وقد تم دفنه في مدينة جلال آباد في أفغانستان، وقد سار عشرات الآلاف من مؤيديه في جنازته من بيشاور إلى جلال آباد.

لقد كان تحالف غاندي مع عبد الغفار خان تحالفاً فكرياً أساسه الإيمان باللاّعنف وبقيم السلام والتسامح، وهو ما كان له أبلغ الأثر في تحقيق الاستقلال. على الرغم من أن جهودهما لم تفلح في الحفاظ على وحدة الهند؛ لاعتبارات خارجية وتدخلات ومصالح دولية، ناهيك عن رؤية داخلية ضيقة لبعض الذين فضلوا الانشطار على الوحدة، والانعزال على الانفتاح، والتعصب على التسامح، وقد ظلّت قضية كشمير كمشكلة دولية قائمة حتى اليوم، ناهيك عن حروب معلنة ومستقرة وسباق تسلح بما فيه للأسلحة النووية، وضياع فرص تعاون وتنمية وتكامل.

لقد كان هيلموت شميدت، المستشار الألماني الأسبق، على حق حين كتب مقدمة لكتاب «أكناث إيسواران» عن غاندي وعبد الغفار خان (بادشاه)، بقوله إن هذا الكتاب الرائع يُسهم في فهم الإسلام جيداً، ولعل ما قاله شميدت نحن أحوج ما نكون إلى تأكيده اليوم حين أصبح التعصب ووليده التطرّف ونتاجهما العنف والإرهاب، هو الصورة النمطية للمسلمين لدى أوساط غربية واسعة، وبالطبع فإنها صورة مشوّهة ومقصودة عن الحضارة العربية الإسلامية، بسبب نفر قليلين من الإرهابيين موجودين في جميع المجتمعات، بغض النظر عن الدين والجنسية واللغة والوضع الاجتماعي.

وكان عبد الغفار خان مثل غاندي يؤمن بوحدة الأديان، وقبول معتقداتها الخاصة، باستثناء ما يتعارض مع العقل، ومنذ أول لقاء بينهما في العام 1928 قرّرا العمل معاً على الرغم من مظاهرهما المختلفة، فغاندي الهندوسي ضئيل الحجم وصغير وصوته هادئ، في حين أن خان مسلم وطويل وضخم وصوته جهوري، وقد وصف أحد الدبلوماسيين الباكستانيين، واسمه كوريجو، جنازة خان بأنها «قافلة سلام تحمل رسالة حب».

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق