فهم الحاضر لفهم الماضي، لا يَعني أن نَعيش الماضي في الحاضر، أو ننقل الحاضر إلى الماضي، وإنَّما يعني امتلاك قواعد المنهج العِلمي والتسلُّح بأحدث النظريات الفكرية، والسَّفَر إلى الماضي، لتفكيك عناصره، وتحليلها عُنصرًا عُنصرًا، ومعرفة صِفة العُنصر الذاتية (النظرة الجُزئية) ودَوره الوظيفي في المنظومة التاريخية...

(1)

القدرة على تفسير ظواهر التاريخ وأحداث الماضي، تُعتبر من أهم خصائص العقل البشري. وهذه القدرة مُستمدة بالأساس مِن فهم الواقع واستيعاب أحداثه، والعاجزُ عن فهم الحاضر، هو -بالضرورة- عاجز عن فهم الماضي، لأن الحاضر هو القاعدة الصُّلبة والركيزة الأساسية ونقطة الانطلاق نحو الماضي، من أجل تفسيره، والتنقيب عن إيجابياته وكنوزه، وصَهر هذه الكُنوز في بَوتقة الوَعْي المنطقي، والانطلاق نحو المُستقبل بخُطى ثابتة ومدروسة، بعيدًا عن حرق المراحل والقفز في الفراغ، لأنَّ البِنية التركيبية للزمن عبارة عن مراحل تراتبية دقيقة، تُشبه دَرَجات السُّلَّم، وصُعود السُّلَّم إنما يكون دَرَجة دَرَجة لتحقيق الأمان والفاعلية، والوصول إلى الهدف المَنشود.

والزمنُ مِثل مَوج البَحْر، لا يُمكن امتلاكه والسَّيطرة عَلَيه، ولكن يُمكن التعامل معه بذكاء، والاستفادة مِن قُوَّته، وتَوظيفه لصالح تحقيق المنافع والمكاسب. وبما أن السباحة ضِد التيار مُتعبة وشديدة الخُطورة، وقد تُؤدِّي إلى الانهيار والغرق، فإنَّ الحل الوحيد هو الاستفادة مِن حركة التيار ورُكوب المَوجة للوُصول إلى بَر الأمان.

ويجب على الإنسان أن يَبحث عن مصلحته ونَجَاته، ويُوظِّف جميعَ العناصر لتحقيق أحلامه وطُموحاته وصناعة حاضره ومُستقبله، بشَرط أن يَكون ذلك بوسائل مشروعة وأدوات نظيفة ضِمن دائرة المشاعر الإنسانية النبيلة، بعيدًا عن استغلال الآخرين، والصُّعود على ظُهورهم.

(2)

فهم الحاضر لفهم الماضي، لا يَعني أن نَعيش الماضي في الحاضر، أو ننقل الحاضر إلى الماضي، وإنَّما يعني امتلاك قواعد المنهج العِلمي والتسلُّح بأحدث النظريات الفكرية، والسَّفَر إلى الماضي، لتفكيك عناصره، وتحليلها عُنصرًا عُنصرًا، ومعرفة صِفة العُنصر الذاتية (النظرة الجُزئية) ودَوره الوظيفي في المنظومة التاريخية (النظرة الكُلِّية)، ثُمَّ إعادة تركيب العناصر بشكل منطقي مُتسلسل، لإيجاد العلاقة المصيرية بين الفكر الإنساني والأحداث التاريخية مِن جِهة، وبين الأحداث التاريخية والمُكوِّنات الوُجودية مِن جِهة أُخرى.

(3)

رحلة الانطلاق من الحاضر إلى الماضي، تستلزم امتلاكَ أهم النظريات في العلوم الإنسانية والاجتماعية، وآخِر ما توصَّل إليه العقلُ البشري من أدوات الفَحْص ومناهج التحليل والتفكيك والتركيب. وهذه العمليةُ تُشبِه امتلاكَ أحدث وسائل التكنولوجيا للتنقيب عن الذهب في المناجم المدفونة تحت الأرض.

ويُمكن القَول إنَّ دراسة الماضي في ضَوء الحاضر، تعني تحليلَ النَّوَاة الأولية المُشتملة على العناصر الفِطْرية التلقائية، اعتمادًا على النظريات المُركَّبة المُشتملة على ثنائية التحليل والتعليل، التي تَغُوص في عُمق الحَدَث، ولا تَكتفي بمُلامَسة السطح. وبذلك تنتقل دراسة التاريخ من الأحاسيس البسيطة التي تتَّصف بالسَّذاجة والبدائية، إلى الأفكار المُعقَّدة التي تتَّصف بالتَّشَعُّب وكثرة التفاصيل، وهذا أمرٌ منطقي، لأن الوقائع التاريخية شديدة التَّعقيد، والأحداث مُتشابكة ومُختلطة، ولا يُمكن استخدام أداة بسيطة للتعامل مع حَدَث مُعقَّد، كما لا يُمكن استخدام إبرة لحفر جبل.

(4)

علاقة الحاضر بالماضي في فلسفة التاريخ، في غاية الصُّعوبة والتَّعقيد، لأنَّها علاقة مُرَاوِغَة ومُتقلِّبة ومُتحركة، ومِن الصَّعْب السيطرة على نُقطة متحركة في كُل الاتجاهات. ومعَ هذا، يُمكن فهم هذه العلاقة الشائكة استنادًا إلى مِثَالَيْن يُفسِّران طبيعتها ووظيفتها. المِثال الأوَّل: الصُّورة والمِرآة، فنحنُ نرى صُورةَ الماضي في مِرآة الحاضر.

وعندما نقف أمام المِرآة، فنحن -في الحقيقة- نتعامل مع انعكاس الصُّورة على سَطْح المِرآة، وهذا الأمرُ يُكرِّس ضرورةَ التَّمييز بين الثنائيات المعرفية: الفَرْع والأصل. التابع والمتبوع. الشكل والمحتوى. الأثر والمُؤثِّر. رَد الفِعل والفِعل. وإذا نجح العقلُ التحليلي في وضع هذه الثنائيات في سياقها الزمني الصحيح، استطاعَ التمييز بشكل دقيق بين التاريخ (الحَدَث) والتأريخ (مُعَالَجَة الحَدَث).

والمثال الثاني: الابن والأب، فالابنُ عندما يُحلِّل شخصيةَ أبيه، والأب عندما يُحلِّل شخصية ابنه، إنَّما يُؤسِّسان علاقةً تاريخية مُتكاملة، لأنَّ كُل واحد مِنهما يَنطلق مِن زمن مُختلف، ويَمتلك أدوات تحليلية مُستقلة، ولَدَيه قناعات ذاتية مُستقاة مِن واقع تجربته الشخصية، فالابن ينطلق من الحاضر إلى الماضي كَي يلتقي بأبيه، والأب ينطلق من الماضي إلى الحاضر كَي يلتقي بابنه، ونُقطة الالتقاء بين الطرفَيْن هي التي تُحدِّد ماهيةَ القرار وطبيعةَ الحُكم، والحُكم على الشَّيء فَرْع عن تصوُّره، وهذا التَّصَوُّر لَيس عفويًّا ولا وليدَ اللحظة، وإنَّما هو نتاج خبرات تراكمية على مَر الزمن، والزمنُ هو الحاضنُ الشرعي لأحداث الماضي، والتجسيدُ الواقعي لإفرازات الحاضر.

وكما أن الابن والأب يَلتقيان في نُقطة واحدة تعكس مصيرهما المُشترك، كذلك الحاضر والماضي يَلتقيان في بؤرة مركزية تَعكس علاقتهما المصيرية، وتَكون بَوَّابةَ العُبور إلى المُستقبل.

* كاتب من الأردن

اضف تعليق