الزعماء والقادة هم انعكاس عملي للمجتمع الذي يحكمونه، فهم انما يصلون الى مناصبهم من خلال دغدغة الأشياء التي يعتقدها ويؤمن بها المجتمع، بل هم يوظفون هذه الأشياء في اكتساب المزيد من القوة والنفوذ واقصاء الخصوم، وعندما تكون قيم المجتمع قيما غير مستقرة وتقليدية تحكمها روابط أولية بدائية...

الحرب ليست هدفا في حد ذاتها، فهي كحدث تزخر بالدماء والدموع وازهاق الأرواح وتدمير الممتلكات، كما تجهض الاحلام الجميلة لكثير من الافراد الذين حكم عليهم بالموت قبل تحقيق احلامهم.

لقد أدرك أعظم القادة الاستراتيجيين عبر التاريخ ان الحرب أداة ضرورية ولكنها كخيار تكون خيارا أخيرا يذهبون اليه عندما تفشل كل الخيارات الأخرى في تحقيق أهدافهم وغاياتهم، وفهموا تماما ان اتخاذ قرار الحرب ليس نزهة او قرارا سهلا تتحكم فيه العواطف وتسيره الانفعالات، لاسيما أن ما بعد الحرب لن يكون كما قبلها في كل المقاييس والاحتمالات، لذا اشترطوا اخضاع اتخاذ هذا القرار الى إرادة عاقلة وهادئة وحكيمة الى ابعد الحدود يمكنها الموازنة بين كل الخيارات وترجيح أنسبها ولو كان الحرب عند الضرورة.

قلنا ان الحرب هي أداة وليست هدفا، لذا من المهم تحديد الهدف من ورائها بعناية ودقة؟

يكمن الهدف من الحرب في تحقيق السلام العادل بين الدول والشعوب، سلاما يمكن استدامته لا سلاما هشا قابلا للانهيار في أية لحظة، اذ علينا ان نميز بين ما نقصده بالسلام الدائم الذي يعني انتهاء حالة الحرب، وبين وضع الهدنة الذي يعني استمرارها مع ايقافها المؤقت لأسباب عديدة ومختلفة تحددها ظروف الزمان والمكان.

ومن ذلك يجب أن نفهم أنه من أكبر الأخطاء في التاريخ هي وضع قرار الحرب بيد قادة انفعاليين وغير منضبطين لا يقدرون مخاطرها وعواقبها، فمثل هؤلاء القادة، وأعوانهم الذين يصفقون لهم يلحقون بشعوبهم وبلدانهم اضرارا طويلة وكبيرة ليس من اليسير تلافيها، بل أحيانا كانوا سببا في نهاية وجودها الحضاري والسياسي. فالاستعجال في اتخاذ قرار الحرب هو خطيئة كبيرة جدا لا يقترفها الا الحمقى من الزعماء والقادة.

قد تبدو هذه المقدمة عن الحرب والسلام لأول وهلة بعيدة عن سياق العنوان أعلاه، ولكن ادعو القارئ الكريم الى الصبر قليلا لتوضيح الصورة والطلب منه التأمل معي في الموضوع من خلال منظار صناعة القادة ودور المجتمع، كيف؟

ان الزعماء والقادة –غالبا-هم انعكاس عملي للمجتمع الذي يحكمونه، فهم انما يصلون الى مناصبهم من خلال دغدغة الأشياء التي يعتقدها ويؤمن بها المجتمع، بل هم يوظفون هذه الأشياء في اكتساب المزيد من القوة والنفوذ واقصاء الخصوم، وعندما تكون قيم المجتمع قيما غير مستقرة وتقليدية تحكمها روابط أولية بدائية تحدد هوية الافراد والجماعات بشكل ضيق ومتشنج، وتسيطر عليه سلوكيات تمجد العنف، وتشجع كراهية الآخر، سواء كان شريك في الوطن ام كان شريك في الإنسانية، وتحول السفاكين والفاسدين وتجار الحروب الى أبطال شعبيين، عندها من الطبيعي ان يتصدر مشهد القيادة والزعامة في هذا المجتمع قادة وزعماء يتماهون مع قيمه، وفي الغالب تجدهم انفعاليين، وغير متزنين، ولا يقيسون الحرب والسلام الا بمقياس القيم الاجتماعية التي اوصلتهم الى الصدارة، وسيجر مثل هؤلاء الحمقى المأزومين الويل والدمار لمجتمعهم الذي يتحمل معهم المسؤولية الكاملة عما آل اليه حاله.

وعليه يتطلب الخلاص من وجود قيادات من هذا النوع وجود قيم اجتماعية من نوع آخر، تلك القيم التي يسميها العارفون القيم المدنية. والقيم المدنية تمثل مجموعة القواعد والمبادئ الأخلاقية التي تحدد صفات وخصائص الفرد والمجتمع وتوجه في النهاية سلوكه الاجتماعي، ومن هذه القيم: الحرية، والعدالة، والصدق، والأمانة، والايثار، والقوة كاقتدار وسيادة لا تغلب وهيمنة، والتسامح، والاحترام، ومداراة الاخرين، والتضامن، والتعاون، والشعور بالمسؤولية وغيرها، وهذه القيم من طبيعتها أنها قيم إنسانية شاملة تربط بين الافراد والشعوب بصرف النظر عن فوارقهم العرقية والدينية والاجتماعية والاقتصادية، ولذا فهي تشجع على وحدة الهوية بين الناس مع احترام هوياتهم الفرعية سواء داخل دولهم ام خارجها، كما تشجع على احتواء الكراهية بينهم وتعزيز سبل المحبة واللطافة والسلام، تلك السبل التي تحفظ كرامة الانسان وتقوده نحو التقدم الاجتماعي والتطور الحضاري.

وعندما تسود القيم المدنية في مجتمع ما، سيفرز هذا المجتمع تلقائيا من بين أفراده المؤمنين بقيمه زعماء وقادة يتحلون بالعقل والحكمة، لا تسيرهم الانفعالات والقرارات المرتجلة والسريعة، ولا تستولي على تفكيرهم عقد الاختلاف ومشاعر الكراهية، ويقدرون بدرجة عالية قيمة الانسان، أي انسان ككائن ومخلوق فريد من الضروري احترامه وحفظ كرامته، بصرف النظر عن الاختلاف معه، كما يحترمون قيمة البناء الحضاري لمجتمعهم، وقيمه المدنية التي تحتاج الى الحفاظ عليها واستمرارها بعيدا عن مغامرات الحروب والنزاعات الانية المزعزعة. ومع وجود هؤلاء القادة على سدة المسؤولية سيكون السلام لا الكراهية والعنف هو المحرك لتفكيرهم وسلوكهم، وحتى مع اضطرارهم أحيانا الى الحرب، ستكون هذه الحرب سبيلا الى ترسيخ حالة السلام وتعزيز مرتكزاته.

من ذلك نفهم ان السعي نحو إيجاد منظومة القيم المدنية الراسخة من قبل الافراد والجماعات انما هو الطريق الانجع الى تصدر الأفضل من بينهم للزعامة والقيادة أولا، وعندما يكون الزعماء والقادة هم الأفضل، عندها ستكون أنماط تفكيرهم وسلوكياتهم وقراراتهم منصبة على تطوير وحماية المجتمع لا على تقطيعه واغراقه بالعنف والفساد والفوضى، وعندها سيضع هذا المجتمع اقدامه على الطريق الصحيح نحو التقدم، ويحدد بوصلة تفوقه واقتداره. فالقيم المدنية لا غير هي التي تصنع السلام الدائم، كما تصنع القادة والزعماء الاخيار.

* الأستاذ الدكتور خالد عليوي العرداوي، مدير مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2020
www.fcdrs.com

اضف تعليق