بالتأكيد أعظم فرصة قد يملكها الانسان في التغيير نحو الأفضل من خلال التجديد الأخلاقي والروحي التي يمكن استلهامهما من روحيه هذا الشهر الفضيل، خصوصاً إذا آمنا بما نقوم به، حيث يمكن ان يغير شهر رمضان بطاقاته الإيجابية الكبيرة حياتنا الى الابد، وخلال برنامج عمل يستمر...

في شهر رمضان تختلف كل المقاييس والحسابات والأفكار، بل وتختلف حتى الممارسات والطقوس التي جبلنا أنفسنا عليها في حياتنا اليومية التقليدية (الكلاسيكية)، لننتقل الى أجواء أخرى، حيث نعيش عصراً وثقافةً يختلفان في جوهرهما عما سلكناه وعرفناه من قبل.

في شهر رمضان يتغير لدينا الاحساس بواقعية او (مادية) الزمان والمكان، وباقي الأشياء الدنيوية الأخرى من تعب وحرمان وفقر وفاقة وغيرها، ليحل محله الإحساس بالروح وعظيم عطائها وهمتها العالية في الارتباط بنفائس الاخلاق والفضائل والخروج من رذائل الصفات وظلام الانحراف.

ولكن لماذا كل هذا الاختلاف الذي تميز به شهر رمضان عن باقي الشهور؟

ببساطة لان ساعاته ميزها خالقنا وخالق السماوات والارض عن باقي الساعات، مثلما ميز ايامه عن باقي الأيام، وعن باقي الشهور، حيث يقول الله تعالى في قرانه الكريم (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) وهو الشهر الذي قال الله تعالى فيه (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ).

وقد خص الله تعالى هذا الشهر بنزول القران الكريم في ليلة القدر (التي هي خير من ألف شهر) وهي من ليالي شهر رمضان العظيم بقوله تعالى (إنّا أنزلناه في ليلة القدر، وما أدراك ما ليلة القدر، ليلة القدر خير من ألف شهر، تنزّل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من أمر، سلامٌ هي حتّى مطلع الفجر).

واستقبل الرسول الكريم محمد بن عبد الله (صلى الله عليه واله وسلم) هذا الشهر الكريم وعرف للناس فضله وشرفه بالقول (إنه أقبل إليكم شهر الله، بالبركة والرحمة والمغفرة، شهر هو عند الله أفضل الشهور، وأيامه أفضل الأيام ولياليه أفضل الليالي، وساعاته أفضل الساعات، هو شهر دعيتم فيه إلى ضيافة الله، وجعلتم فيه من أهل كرامة الله، أنفاسكم فيه تسبيح، ونومكم فيه عبادة، وعملكم فيه مقبول، ودعائكم فيه مستجاب، فاسألوا الله ربكم بنيّات صادقة، وقلوب طاهرة أن، يوفقكم لصيامه، وتلاوة كتابه، فإن الشقي من حُرم غفران الله هذا الشهر العظيم).

وعن الإمام الصادق (عليه السلام) في حديثٍ طويلٍ يقول في آخره: (إنّ أبواب السماء تُفتّح في شهر رمضان، وتُصفّد الشياطين، وتُقبل أعمال المؤمنين، نِعْمَ الشهر شهر رمضان، كان يُسمى على عهد رسول الله المرزوق).

فما هو المطلوب منا عمله حتى ننال من بركاته وخير هذا الشهر العظيم؟

لدينا الكثير من سبل الخير والبركة لنسلكها، مثلما لدينا الكثير من أبواب الرحمة والمغفرة لنطرقها في هذا الشهر الكريم الذي نحن فيه في ضيافة خالق الكون وخالقنا، وهي بالتأكيد أعظم فرصة قد يملكها الانسان في التغيير نحو الأفضل من خلال التجديد الأخلاقي والروحي التي يمكن استلهامهما من روحيه هذا الشهر الفضيل، خصوصاً إذا آمنا بما نقوم به، حيث يمكن ان يغير شهر رمضان بطاقاته الإيجابية الكبيرة حياتنا الى الابد، وخلال برنامج عمل يستمر لـ(30) يوماً فقط.

يقول سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله) في كتاب (من عبق المرجعية) عن هذا الاستعداد: (في استقبال شهر رمضان الفضيل الذي خصّه الله تعالى بأن أنزل فيه أعظم كتاب في تاريخ السماء لإسعاد البشريّة إلى الأبد، وخصّه الرسول الأكرم صلى الله عليه واله بأن وصفه بقوله: «وجعلتم فيه من أهل كرامته»، ينبغي لعامة المؤمنين والمؤمنات في كل مكان من أرجاء الأرض أن يهيّئوا أنفسهم للاستفادة الكاملة من هذه الضيافة الربّانية العظيمة والشاملة).

وليكن في برنامج عملك الرمضاني نحو التغيير الروحي والأخلاقي بعض الخطوط العامة التي ينبغي التركيز عليها في السعي نحو الكمال والتكامل، وعلى سبيل المثال لا الحصر، فان (التركيز على تهذيب الانفس وتزكيتها) من اهم السبل التي يسلكها الانسان في هذا الشهر العظيم، حيث الفوز والفلاح (قد أفلح من زكاها)، وبلا شك فان شهر رمضان يعطيك فرصة عظيمة لتهذيب النفس واسقاط كل الادران والقاذورات المعنوية عنها وجلاء الروح وجعلها كالمرأة الصافية لأن (شهر رمضان) يبعدك عن التركيز او السعي المباشر وراء ماديات الدنيا الفانية ويفسح المجال امام الروح وتكاملها.

كما ان (السعي لخدمة الاخرين وخصوصاً الاهل والاقارب والجيران وعامة الناس) وقضاء حوائجهم وتسيير امورهم بحسب اختصاصك ووظيفتك ومعرفتك، او قد تعلق الامر بك، ومن دون البحث عن مقابل مادي او دنيوي لقاء ما تقدمه سوى وجه الله تعالى ورضاه، يعتبر من اهم أسباب السعادة وسبل التوفيق في شهر رمضان، فالوجاهة الاجتماعية وحب التميز والظهور ولذة حاجة الناس اليك والرياء والغرور التي تتبع الانسان بعد قضاء حاجة اخوانه، كلها آفات روحية مدمرة لكل خير في نفس الانسان وهي تأكل حسنات ما يقوم به الانسان من خير واحسان مثلما تأكل النار الحطب.

اما (اصلاح ذات البين وصلاح ذات الانفس) فهي من ركائز الإسلام وباقي الديانات السماوية التي حث عليها جميع الرسل والانبياء، فالصلح خير من الخصام والعداء والبغضاء، والصلح هو طريق العقلاء في تسوية الخلافات فيما بينهم، ومن يسعى الى صلاح ذات البين او المتنازعين فيما بينهم فقد جمع اجرهما وجنب الطرفين مشاكل أكبر، اما من سعى الى الخراب والتفريق وزيادة المشاكل والبغضاء بين الأطراف المختلفة، فهو بالتأكيد من حزب الشيطان الذي لا يفلح ابدا.

ومنها أيضاً (تخصيص وقت أكثر لتربية الاولاد بشكل أفضل) خصوصاً إذا كان سعينا هو التغيير الأخلاقي والروحي وتهذيب النفس في هذا الشهر الأخلاقي العظيم، فاذا ركزنا على أنفسنا فقط وتركنا التركيز على أبنائنا وتربيتهم بشكل أفضل فقد أدركنا نصف الخير فقط، وعلى اعتبار ان شهر رمضان يحوي جنبات روحية واخلاقية غاية في السمو والرقي والرفعة، فان تخصيص وقت أكثر لتربية الاولاد بشكل ينسجم ويستفيد من بركات هذا الشهر وممارساته وطقوسه الخاصة امر مهم وركيزة أساسية من البرنامج الرمضاني الناجح للإنسان المسلم الباحث عن التوفيق وتحقيق غاية الاستفادة من هذا الشهر الكريم.

ولا يخفى على الجميع ما لـ (التدبر في القران الكريم) من جنبة روحية مهمة وعظيمة في تطوير المنظومة الأخلاقية والتكامل الروحي للإنسان المسلم، ففيه شفاء للصدور المثقلة بالآثام، وهو القادر على إزالة الاقفال والادران التي اعتلت القلوب، وهو هدى ورحمة للعالمين، كما انه الصلة الوثيقة والحبل المتين بين الخالق وعبده، وهو كلام الله الذي لا يأتيه الباطل بل هو الذي يدمغ الباطل ويحق الحق، وهو التعاليم السماوية المرسلة للإنسان للعاقل او من يعقل لما فيه خيره وسعادته في الدنيا والاخرة.

كما ان التحريض لمطالعة التفاسير التي تساعد على تدبر القران (كتفسير الصافي او تقريب القرآن) هي جزء من التدبر، إضافة الى التدبر في (نهج البلاغة) و(الصحيفة السجادية) ومطالعة الكتب المهمة امر ضروري في هذا الشهر وهو جزء من تهذيب النفس وتطويرها مثل (اصول الكافي، الاحتجاج، تحف العقول) وغيرها من الكتب المهمة.

ومن الموارد المهمة التي يمكن اضافتها الى برنامجك الرمضاني لتعزز رصيدك الأخلاقي وتهذب نفسك التي هي أعدى اعدائك هو (ثقافة الدعاء) التي لا يمكن للإنسان المسلم تركها او الاستغناء عنها، فالدعاء ثقافة وفكر واداة مهمة من أدوات الصلاح والتهذيب، يقول سماحة المرجع الشيرازي، اية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله) حول الدعاء في شهر رمضان: (من المهم في شهر رمضان الفضيل قراءة دعاء الإمام السجاد سلام الله عليه الذي كان يدعو به في السحر من ليالي شهر رمضان، وهو مما رواه المحدّث الثقة أبو حمزة الثمالي عليه الرحمة، وإن لم يوفق الشخص لقراءة كل الدعاء، فليقرأ جزءاً منه كل ليلة بتفهم وخشوع، فإنه من أبواب إصلاح النفس التي هي أعدى الأعداء).

وللدعاء فوائد روحية جمة، أهمها شعور العبد بقربه من ربه وخالقه، وهو ثقافة متكاملة ودروس مثاليه لتعليم العبد مخاطبة خالقة وطلب رضاه، إضافة الى تحقيق السلام والرضا والاطمئنان الداخلي والسلام مع الاخرين وبث طاقة إيجابية بدلا من الطاقة السلبية التي قد تتملك الانسان في مرحلة ما من مراحل حياته.

وعلى هذا الأساس فالخير كل الخير في هذا الشهر الفضيل الكريم العظيم، الذي فاز فيه من فهم كيف يمكن الاستفادة من اوقاته وطاقاته وثمراته ووجهها نحو نفسه وأهله ومجتمعه، والخاسر من أهمل أهمية هذا الشهر وجعله كسائر الشهور ولم يناله نصيب منه سوى الجوع والعطش.

(اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ بِحَقِّ هَذَا الشَّهْرِ، وَبِحَقِّ مَنْ تَعَبَّدَ لَكَ فِيهِ، مِنِ ابْتِدَائِهِ إلَى وَقْتِ فَنَائِهِ، مِنْ مَلَك قَرَّبْتَهُ، أَوْ نَبِيٍّ أَرْسَلْتَهُ، أَوْ عَبْد صَالِح اخْتَصَصْتَهُ، أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَأَهِّلْنَا فِيهِ لِمَا وَعَدْتَ أَوْلِياءَكَ مِنْ كَرَامَتِكَ، وَأَوْجِبْ لَنَا فِيهِ مَا أَوْجَبْتَ لأهل الْمُبَالَغَةِ فِي طَاعَتِكَ، وَاجْعَلْنَا فِي نَظْمِ مَنِ اسْتَحَقَّ الرَّفِيْعَ الاعْلَى بِرَحْمَتِكَ).

* مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–2018Ⓒ
http://shrsc.com

اضف تعليق