إن البشرية في تاريخها الطويل لم تتخبط في شيء كما تخبّطت في القضية العقائدية أو العَقَدية، والسبب يعود الى إن الإنسان يألف معادلات الشهود وهو يعيشها، لان قضية العقيدة تتعلق بعالم الغيب، والعالم الآخر يختلف في معادلاته عن معادلات عالم الشهود.

قال الله تعالى في كتابه الحكيم:(هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيّهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين)[1] صدق الله العلي العظيم.

نتحدث في هذا الفصل حول جوانب من عطاء النبي الأعظم صلى الله عليه وآله للعالم، ونتناول هذا البحث ضمن فصولٍ ثلاثة:

الفصل الأول: حل المشكلة العقائدية.

الفصل الثاني: حل المشكلة النفسية.

الفصل الثالث: حل المشكلة العملية.

المشكلة العقائدية

فيما يتعلق بالفصل الأول نقدم بداية مقدمة قصيرة، وهي إن البشرية في تاريخها الطويل لم تتخبط في شيء كما تخبّطت في القضية العقائدية أو العَقَدية، والسبب يعود الى إن الإنسان يألف معادلات الشهود وهو يعيشها، لان قضية العقيدة تتعلق بعالم الغيب، والعالم الآخر يختلف في معادلاته عن معادلات عالم الشهود، فالمعادلات التي تحكم عالم الشهود تؤطر تفكير الإنسان، كما توجه وتحدد تفكيره؛ فعندما يريد أن يتعامل مع عالم الغيب يتورط في إحدى مشكلتين خطيرتين: المشكلة الأولى: التعطيل، والمشكلة الثانية التشبيه.

بالنسبة للمشكلة الأولى، يرى الانسان أن هذه المعادلات المادية التي تحدد تفكيره لا تنطبق على عالم الغيب، فيتورط في إنكار عالم الغيب بالمرة، ويقول: أين الله؟! وينكر النبوة، وأيضاً الإمامة والمعاد.

عندما ذهب الإنسان إلى القمر، تحدث كثير من الشيوعيين بهذا المنطق، (اننا ذهبنا إلى القمر ولم نجد الله سبحانه وتعالى؛ فإذا كان الله موجوداً فأين هو؟!) فالمتحدث يريد التعامل مع الحقيقة الإلهية كتعامله مع ظاهرة مادية، فيتورط في مشكلة التعطيل، كما تورّط الملايين من البشر في هذه المشكلة، وابرزهم ذلك الفيلسوف الغربي الملحد الكبير الذي أنكر وجود الله سبحانه وتعالى على أساس مشكلة واهية طرحها، لكن هذه المشكلة نابعة من أنه قد ألِف معادلات عالم المادة.

المشكلة الثانية: عندما لا يسمح وجدان الانسان وضميره لأن ينكر حقيقة وجود الله، وهي أكبر حقيقة في الوجود، وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد؛ فان هذه المعادلات الحاكمة على عالم المادة، توجه فكره فيتورط كما تورط المليارات من البشر في مشكلة التشبيه؛ فهو يعتقد أن هنالك خالقاً وإلهاً وأيضاً إن هنالك عالماً وراء عالم الطبيعة، لكنه يحاول تطبيق المعادلات التي تحكم عالم المادة على عالم الغيب، ومن عطاء النبي الأعظم صلى الله عليه وآله للبشرية على مر القرون وعلى مر الدهور، هو حلّه هذه المشكلة المعقدة، وإنقاذهم من مشكلة التعطيل ومن مشكلة التشبيه.

بين معارف القرآن ومعارف الكتب المحرّفة

وقد جاء في الأحاديث: (...أن تخرجه من الحدّين)[2]، وهو حدّ التشبيه وحدّ التعطيل، وإذا أردنا ملاحظة كيف أنقذ النبي صلى الله عليه وآله الفكر البشري من هذه المشكلة العقائدية المعقدة والعويصة، يكفي أن نقارن بين القرآن الكريم وبين التوراة والإنجيل، فالذي يعيش بجنب الفرات لا يعرف عظمة الماء؛ فرغم اننا عشنا أجواء القرآن الكريم ومعارفه، لكن ربما لا يعرف الكثير منّا عظمة هذه المعارف، علماً إن الأشياء تعرف بأضدادها، فاذا وضعنا القرآن الكريم الى جانب التوراة والإنجيل، ستظهر روعة القرآن الكريم، كما يمكن ان نضع كتب الفلاسفة مثل أفلاطون أو سقراط أو كتب المشائيين وكتب الإشراقيين والذين اتبعوهم في هذه الأمة؛ - فهذا الخط لم ينته وهو قائم إلى اليوم- ونضع الى جانبها معارف القرآن الكريم ومعارف النبي الأعظم صلى الله عليه وآله ومعارف أهل البيت الذين يمثلون الإمتداد الحقيقي للنبي الأعظم صلى الله عليه وآله، فهم (...ورثة علم النبيين)[3]، وقد قال أمير المؤمنين: (علمني رسول الله ألف باب من العلم يفتح لي من كل باب ألف باب)[4]، ستظهر حينئذ روعة معارف القرآن ومعارف النبي صلى الله عليه وآله.

لقد أجرى أحد المؤلفين مقارنة جميلة وبطريقة مبتكرة – على ما أعلم- فأجرى مقارنات بين ما ورد في القرآن الكريم حول الانبياء وبين ما جاء حولهم في التوارة والانجيل، ومن ذلك قضية نبي الله يوسف على نبينا وآله وعليه الصلاة والسلام، فقد بيّن روعة قضية يوسف في القرآن الكريم، من خلال وضع سورة يوسف في عمود ووضع قضية يوسف في التوراة أو الإنجيل في عمودٍ ثانٍ، ثم مقابلة آية بآية في الكتب الاخرى، وطبقاً لتعاقب الحوادث التاريخية، طبعاً نحن نعتقد بالتوراة والإنجيل ككتابين سماويين، ولكن هذه التوراة وهذا الإنجيل الموجودان قد لعبت فيهما يد التحريف، وفي العمود الثالث هناك ملاحظات، وبعد المقارنة بين آية القرآن وآية التوراة والإنجيل، يتضح الفرق الكبير بين معارف القرآن الكريم ومعارف هذه الكتب، ثم ان التوراة والانجيل ليسا كتابي معارف رغم ان الملايين من البشر يعتقدون بهما، كما انهما ليسا كتابين تاريخيين، لكنهما إنتهيا الى أن يكونا على شكل معارف حاكمة.

يمكن ملاحظة قضية آدم في القرآن الكريم وملاحظة القضية نفسها في التوراة، ففي سورة البقرة يقول القرآن الكريم: (وعلّم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين، قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علّمتنا)[5]، وفي مقابل ذلك تقول القصة التوراتية: (...وسمعا صوت الرب الإله - ويقصدون آدم وحواء في الجنة- ماشياً في الجنة عند هبوب ريح النهار، فاختبأ آدم وامرأته من وجه الرب الإله في وسط شجر الجنة فنادى الرب الإله آدم وقال له أين أنت؟)[6]!، ففي التوراة؛ الله تعالى لا يعلم أين آدم! لكن بالمقابل نلاحظ روعة القرآن الكريم في تصوير الله جلّ وعلا حيث تقول الآية الكريمة: (الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السموات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيّه السموات والأرض ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم)[7].

ونقرأ في صلاة الغفيلة: (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبةٍ في ظلمات الأرض...)[8]، أي حركة الحياة إلى الموت وحركة الموت إلى الحياة، (وما تسقط من ورقة إلا يعلمها)، هي حركة الحياة إلى الموت، و (ولا حبةٍ في ظلمات الأرض)، هي حركة الموت إلى الحياة، (ولا رطب ولا يابسٍ إلا في كتاب مبين).

ويمكن ملاحظة روعة معارف القرآن الكريم في سورة لقمان:(يا بني إنها إن تكُ مثقال حبةٍ من خردل فتكن في صخرةٍ أو في السموات أو في الأرض يأتِ بها الله)[9]، فيما جاء في التوراة وفي سفر التكوين، الإصحاح الثاني، أن الله لا يعلم مكان آدم فقال: (سمعت صوتك في الجنة فخشيت لأني عريان فاختبأت) ! ففي هذه القضية تنسب التوراة إلى الله سبحانه وتعالى الجهل والبخل والكذب والحسد تعالى الله عن ذلك.

والقضية نفسها مع نبي الله نوح؛ فهو في القرآن الكريم نبي عظيم من أنبياء الله سبحانه وتعالى، لكن نجد في التوراة وفي سفر التكوين - الإصحاح التاسع مايلي: (وابتدأ نوح يكون فلاحاً وغرس كرماً وشرب من الخمر فسكر وتعرّى داخل خبائه)! فهذه هي التوراة التي يعتقد بها اليهود ويعتقد بها مئات الملايين من المسيحيين في العالم حتى هذا اليوم، لنلاحظ الفارق الكبير بين نوح في القرآن الكريم ونوح في التوراة والانجيل المحرفتين، حيث جاء فيهما: أن النبي يسكر ويتعرّى داخل خبائه!

أما إبراهيم الذي يُعد بطل التوحيد، فان القرآن الكريم يمجده أيما تمجيد، حتى جاء في الأحاديث أن قدّموه في الصلاة على نبينا، فعندما نصلّي عل كل الأنبياء نقول: (على نبينا وآله وعليه الصلاة والسلام)، إلا في إبراهيم نقول: (عليه وعلى نبينا وآله الصلاة والسلام)، علماً أنَّ نبينا أعظم من إبراهيم صلوات الله عليه، ولكن هذا هو تقدير القرآن الكريم، فيما التوراة وفي سفر التكوين - الإصحاح الثاني عشر يقول عن إبراهيم أنه قدم زوجته سارة لفرعون بعنوان أنها أخته، ليكون له خيرٌ بسببها وتحيا نفسه من أجلها! فأعطاه فرعون مقابل ذلك عدداً من الغنم والإبل؛ وهو ما لايمكن ان يفعله إنسان شريف، لكن هذا هو نبي التوراة ونبي اليهود والمسيحيين أيضاً، ونحن لا نريد أن نخدش مشاعر اليهود أو المسيحيين ولكنها كتبهم التي يعتقدون بها.

ولوط، ذلك النبيٌ العظيم والمعصوم الذي لايذنب ولا يُخطئ، نجده في التوراة في سفر التكوين - الإصحاح التاسع عشر- إنه شرب الخمر وزنى ببنتيه الكبرى والصغرى حتى يدوم نسله من بنتيه!

ويعقوب الذي يعظمه القرآن الكريم وهو أحد انبياء الله العظام، ولكن نأتي إلى التوراة في سفر التكوين - الإصحاح السابع والعشرين- فنجد إن يعقوب كان مخادعاً وكذاباً، حيث إن نبي الله إسحاق كان يريد أن يعطي بركة النبوة لإبنه عيسو، فجاء يعقوب – ابنه الآخر- وانتهز فرصة عدم وجود عيسو وقال لأبيه: إنني إبنك عيسو فأعطني بركة النبوة! فقال إسحق: الصوت صوت يعقوب، فشك قلب اسحاق – كما جاء في التوراة-.

ذكر أحد الأخوة وكان قادماً من أمريكا، بان قضية اسحاق مع ابنه يعقوب كانت محور محاضرة أحد القساوسة المسيحيين، وكان يقول بأن الانسان إذا ألهمه قلبه بشيء فعليه العمل بإلهام قلبه، واستشهد بهذه القضية، وقال:...قلب إسحق شك، وقال: الصوت صوت يعقوب فألمسني يدك، فقدم يعقوب يده فوجد انها مشعرة فخُدع وظن أنه عيسو فأعطاه بركة النبوة، فالقسيس يقول: (إذا كان إسحق عمل بإلهام قلبه لم يكن يتورط في هذا الخطأ الكبير... أيها المستمعون إعملوا بإلهام قلوبكم)، ولما علم إسحق بذلك – كما جاء في التوراة- إرتعد إرتعاداً عظيماً فقال لعيسو: قد جاء أخوك بمكرٍ وأخذ بركتك! لنفترض أن إسحق كان فاقداً للبصر أو كان بصره ضعيفاً، فان الله يرى بالقطع واليقين، وإلا كيف يكون نبياً مرسلاً من الله وتؤخذ نبوته بالمكر والحيلة والخداع؟

أما سليمان فتجدون في الكتب المقدسة العجب العجاب، من قبيل بنائه بيتاً للأصنام وتمرّده على أمر الله ومخالفة أوامره سبحانه وتعالى، والسؤال هو كيف فعل اليهود على مر التاريخ كل هذا البطش والارهاب والمكر؟ الاجابة في القضية العقائدية التي لا تقتصر على العقيدة، فالعقيدة قاعدة العمل؛ فإذا كان أنبياء اليهود مجموعة من المخادعين المكّارين والمحتالين، فلماذا لا يكون اليهود كذلك؟ إذن العقيدة مسألة مهمة للغاية حيث يبنى عليها كل شيء.

ونختم بالمسيح في الإنجيل على نبينا وآله وعليه الصلاة والسلام؛ عن هذا النبي العظيم يقول الإنجيل، في إنجيل يوحنا - الإصحاح الثاني: (أن المسيح حوّل الماء خمراً ليشربه الناس)، فيما المسيح في القرآن الكريم هو: روح الله، وكلمة الله، إنه نبي عظيم من الأنبياء ومن أولي العزم، وأمّه صديقة.

وفي ختام الحديث عن الفصل الاول ثمة تساؤل: أين المسلمون من المعارف الحقة التي حملها أهل البيت بعد النبي الأعظم صلى الله عليه وآله؟!

للفخر الرازي كلمة جميلة في تفسيره الكبير، قرأتها قبل فترة طويلة في المجلد الأول في سورة الحمد في الآية الأولى، مضمون كلامه يقول: (اختلف المسلمون في البسملة...)، لذا تلاحظون اختلاف المسلمين في صلوات الجماعة، فهناك من يقرأ وهناك من لا يقرأ، وهناك من يجهر وهناك من يخفت، فيقول الفخر الرازي: (رأي فلان كذا ورأي فلان كذا ورأي فلان كذا وأما رأي علي بن أبي طالب فهو الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وهذا هو المعتمد عندي لقول النبي صلى الله عليه وآله، ومن أخذ دينه من عليٍ فقد هُدي إلى صراط مستقيم).

لكننا نسأل الفخر الرازي... هل تأخذ رأي الامام علي صلوات الله عليه في البسملة فقط وتأخذ معارف الألوهية وقضية النبوة والإمامة والمعاد والدين كله من غير عليٍ؟! مع انه الإمتداد للنبي الأعظم صلى الله عليه وآله.

مشكلة التشبيه تلازم بعض المسلمين

لقد ذهب الفخر الرازي باعتقاداته ومعه الملايين من المسلمين، بعيداً لأنهم لم يأخذوا دينهم من الامام عليٍ صلوات الله عليه بوصفه إمتداداً للنبي صلى الله عليه وآله، ولأنهم تركوا أهل البيت وهمّشوهم، بل هنالك تهميش متعمد لأهل البيت صلوات الله عليهم؛ فمن جملة اعتقادات خط الأشاعرة الحاكم، والتي تُجَسِّدُ مشكلةَ التشبيه، يقولون: بإن الله يقلّب القلوب بين إصبعين من أصابعه! فيضع السموات على إصبع واحد، والأرضين كلها على إصبع ثانٍ، و ينزل إلى السماء الدنيا، كما قال (الخطيب): (إن الله ينزل من السماء كما أنزل أنا من منبري درجةً درجةً...)[10] ثم نزل من المنبر، ويقولون أيضاً: إن المسلمين المخلصين يعانقون الله في الآخرة، بل ويعانقونه في الدنيا! وقال أحد علمائهم: (أعفوني عن اللحية... وكذا في الله واسألوني عما وراء ذلك...)[11] بمعنى أني لا أعرف لحية الله! وما اذا كانت طويلة أو قصيرة أو مدوّرة أو مربعة، (وأما غير ذلك فاسألوني ما أحببتم... إن لله وفرةً سوداء) وهي وفرة الشعر الذي يتدلّى على الأذن (وشعرٌ قطط) أي مجعّد كما هو شعر السكان الأفريقيين، وجاء في مكان آخر بأن الله (كأنه غلام تركي)، و رووا أنه إشتكى عينيه فعادته الملائكة[12]! حيث ان الذي يكون عنده عين لابد وأن تصاب بالعطب يوماً ما، وبكى على طوفان نوح حتى رمدت عيناه، وإن العرش لَيَئطُّ من تحته كأطيط الرحل من الحديد، أي انه يصوّت!

ولكم أن تقارنوا هذه الأشياء بالمعارف الإلهية الموجودة في نهج البلاغة، وللحقيقة نقول: إن نهج البلاغة كتاب مظلوم... يقول محمد عبده في مقدمة شرحه لنهج البلاغة كلاما مضمونه: (سنحت لي الفرصة فطالعت نهج البلاغة -ولعل ذلك كان في أيام غربته- فتعجبت من نهج البلاغة وما يضمه من بحر من المعارف، وكيف يصوّر اللهَ سبحانه وتعالى)؟ فقد جاء في الخطبة الأولى فيما يتعلق بالمعارف العظيمة: (من أشار إليه فقد حدّه، ومن حدّه فقد عدّه، ومن قال: فيمَ فقد ضمّنه، ومن قال: علامَ فقد أخلى منه، كائنٌ لا من حدث، موجود لا عن عدم، مع كل شيء لا بمقارنة، وغير كل شيء لا بمزايلة...) إلى آخر الخطبة، بما يمثل عمق المعارف الإلهية في نهج البلاغة، فأين نحن من نهج البلاغة؟ وأين المسلمون أيضاً من نهج البلاغة؟

أنقل هذه الرواية ونختم بها الموضوع وندع الحديث عن بقية النقاط إلى وقت آخر.

جاء في كتاب (الغارات /المجلد الأول صفحة 112): (دخل أمير المؤمنين عليه السلام سوق اللّحامين، وقد كان حاكماً شعبياً، حيث يدخل الأسواق تارةً ويجلس في دكان ميثم التمار، ويعظ الناس وينصحهم؛ فإذا هو برجلٍ موليّه ظهره، فقال ذلك الرجل: كلا والذي احتجب بالسبع، فقال له أمير المؤمنين: يا لّحام ومن الذي احتجب بالسبع؟! فقال: إنه الله رب العالمين يا أمير المؤمنين، الله! فقال: أخطأت؛ إن الله ليس بينه وبين خلقه حجاب لأنه (.......) أينما كانوا القرآن وهو معكم أينما كنتم، فقال الرجل: ما كفّارة ما قلت يا أمير المؤمنين؟ قال: أن تعلم أن الله معك حيث كنت، فقال الرجل: أأطعمُ المساكين؟ قال الامام عليه السلام: لا؛ -وذكر عبارة جميلة- إنما حلفت بغير ربك).

فقد يتصور البعض ان الذي في ذهنه هو الخالق، في حين إنّما ذهن هذا المسكين هو مخلوق المخلوق وليس الخالق، وهذه الصورة الذهنية مخلوقة من قبله، لذا نقول: إن لدينا من الكنوز ما يفتقدها الآخرون مثل المعارف الموجودة في نهج البلاغة وفي الصحيفة السجادية وفي دعاء عرفة وفي دعاء كميل، وما أروعه من دعاء.

هذا جانبٌ من عطاء النبي الأعظم صلى الله عليه وآله ومن بعده أهل بيته كإمتداد له في العلم، من هنا علينا إنقاذ البشرية من المشكلة العقائدية، ومن الوقوع بين الحدّين الخطيرين: حدّ التعطيل وحدّ التشبيه.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لمزيد من الإستفادة من هذا الوجود الذي هو وجود خيرٍ وعطاءٍ وبركة. وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

* من محاضرات الفقيه آية الله السيد محمد رضا الشيرازي (اعلى الله درجاته)

..............................
[1] - الجمعة:2.
[2] - المحاسن: ج 1، ص 240.
[3] - علم الإمام: 46.
[4] - شرح احقاق الحق: ج 7، ص 599.
[5] - البقرة: 31.
[6] - الكتاب المقدس (العهد القديم): ص 6.
[7] - البقرة: 255.
[8] - الأنعام: 60.
[9] - لقمان: 16.
[10] - راجع مجمع الزوائد: ج 10، ص 343.
[11] - بحار الأنوار: ج 4، ص 60 (الهامش).
[12] - راجع: شرح نهج البلاغة: ج34، ص 224

اضف تعليق